فقدت بشرى جنينها في إحدى المظاهرات في شوارع الرباط إلا أن هذا لم يمنعها من الاستمرار في قطع مسافة تناهز 200 كيلومتر من فاس إلى الرباط مرتين في الأسبوع على الأقل للتظاهر مطالبة بالتوظيف.وتقول بشرى بابا الفيلالي (36 سنة) »زوجي يقول لي كفى تظاهرا واستسلمي للقدر. لكنني مصرة اما حقي في الشغل أو الموت«.
وتحمل بشرى درجة الدكتوراه في الكيمياء منذ سنة 2000 وهي واحدة من آلاف المتعطلين حاملي الشهادات الذين يتظاهرون بصفة شبه يومية في الشوارع الرئيسية في العاصمة الرباط.وأغلب هؤلاء يأتون من مدن مختلفة إلى الرباط للتظاهر في شوارع العاصمة.
ويقولون إنهم يعانون بسبب بعد المسافة بين مدنهم والرباط وعدم توفر مصاريف تؤمن لهم التنقل والمبيت.وأقدم مؤخرا أربعة عاطلين على محاولة إحراق ذاتهم في الشارع العام احتجاجا على عدم تمكنهم من الحصول على عمل وأصيب اثنان منهم بحروق خطيرة.
وتقول بشرى (36 سنة) والعبارات تخنقها »وصلنا إلى مرحلة الباب المسدود. أتفهم ظروف الذين أقدموا على حرق أنفسهم..نحن مستعدون لفعل أي شيء لا يمكن ان نتراجع إلى الوراء«.
وتضم مجموعة يطلق عليها اسم »الاطر العليا المعطلة« نحو 936 من الخريجين حاملي الشهادات العليا ومنهم دكاترة ومهندسون ينظمون اعتصامات مفتوحة في شوارع الرباط الرئيسية وأمام المؤسسات الحكومية منذ أكثر من ثلاث سنوات.
وتقول الأرقام الرسمية ان عدد حملة الشهادات العليا العاطلين نحو ستة آلاف. أما خريجو الجامعات العاطلون بصفة عامة فلا تتوفر احصائيات دقيقة لهم باعتبار ان الجامعات تخرج كل سنة الآلاف تجد نسبة منهم وظائف والباقون ينضمون لطوابير البطالة.
وقال الوزير الأول (رئيس الوزراء) المغربي ادريس جطو في سبتمبر الماضي ان البطالة في صفوف الشباب حاملي الشهادات تصل إلى 26.9 في المئة مقابل خمسة في المئة للشباب غير الحاصلين على شهادات.لكنه أضاف أن البطالة في المغرب انخفضت من 14.5 في المئة سنة 1999 إلى 10.8 في المئة خلال السنة الماضية.
وتسعى الحكومة إلى احتواء الأزمة بخلق مبادرات لتشغيل هؤلاء الشباب عن طريق مساعدتهم على خلق شركات خاصة بهم واعفائهم من الضرائب وتوفير القروض لهم ودفعهم للعمل في القطاع الخاص. لكن هؤلاء مصرون على الوظيفة العمومية التابعة للدولة.
ويقول علي اوعسري الدكتور العاطل (34 سنة) »هناك وضع جد مقلق لا يسمح لنا بالانتظار أكثر لتأهيل القطاع الخاص وهيكلته لاحتوائنا ثم ان القطاع الخاص ابان في اكثر من مرة عن فشله حيث تم تسريح العديدين«.
وأضاف »نحن وضعنا خاص ولا تعنينا بالمرة هذه المبادرات التي تطلقها الحكومة لانها سبق وان التزمت معنا منذ اكثر من سنة على توظيفنا وهي الآن تتملص من وعودها«.
ويقول عبدالقادر ازريع من »الهيئة الوطنية لدعم الاطر العليا المعطلة« التي تأسست العام الماضي لمساندة حاملي الشهادات العليا العاطلين »هذه المجموعة تناضل من اجل ملف ذي طبيعة خاصة أقل دبلوم يحملونه دبلوم دراسات عليا. وكان الالتزام الحكومي ان يلتحقوا بمقرات العمل السنة الماضية لكن للأسف الحكومة تروج في كل مرة لخطاب لا نتفق معها فيه«.
وقال وزير التشغيل مصطفى المنصوري لرويترز »حينما نقول ان هناك إشكالية البطالة لحاملي الشهادات فهي اشكالية ما بين العرض والطلب في سوق الشغل فالمؤسف هو ان نظامنا التعليمي إلى حدود السنوات الاخيرة كان من أجل الادارة وكان هناك خصاص في الوزارات. لكن مع توالي السنوات ومنذ أواخر الثمانينات أصبح هناك اكتظاظ داخل الإدارات«.
ويضيف »الإشكال الآخر ان القطاع الخاص كان هشا وقاصرا حتى حدود الثمانينات ولم يكن مؤهلا من اجل ادماج هذه الفئات الكبيرة من الشباب«. وتعمل الدولة جاهدة على محاولة هيكلة القطاع الخاص وتاهيله عن طريق مجموعة من الشراكات والاتفاقيات مع مستثمرين وفاعلين مختلفين.
وتقول الدولة ان المؤسسات العامة تعاني من الاكتظاظ وأطلقت السنة الماضية مبادرة سمتها »المغادرة الطوعية« تشجع الموظف على التقاعد المبكر مقابل امتيازات مالية.وحصل نحو 38950 موظفا على المغادرة الطوعية وكلف ذلك الدولة نحو 10.5 مليارات درهم (نحو 1.1 مليار دولار).
وقال المنصوري »الدولة عملت على المغادرة الطوعية من اجل التخفيف من كتلة الأجور داخل الإدارة العمومية حيث وصلت هذه الأخيرة إلى 13 في المئة من المدخول الإجمالي المغربي وهي نسبة عالية جدا مقارنة مع الدول الأخرى ففي ايطاليا مثلا تقدر بأربعة في المئة وفي فرنسا سبعة في المئة.
لهذا قررت الحكومة مع هذه النسبة العالية أن تعطي امكانيات للشباب خارج الوظيفة العمومية مع حظوظ ما زالت قائمة في الوظيفة بحيث ان كل سنة تخلق الميزانية مناصب شغل«.وأضاف »في هذه السنة مثلا هناك 14 ألف منصب شغل داخل ميزانية الدولة«.
غير أن حملة الشهادات العاطلين عن العمل لا يأخذون وعود الدولة محمل الجد ويقولون انه حتى الوظائف التي يتم خلقها تعرف »محسوبية« ولا تعرف الشفافية في التوزيع.
ويقول علي الدكتور العاطل »الإدارة العمومية محتاجة إلى اطر عليا لكن نسجل للأسف المحسوبية والزبونية في توزيع الوظائف نتوفر على أسماء أناس ولجوا الوظيفة العمومية بدون مباراة وتخرجوا حديثا من الجامعة بحيث لم يكلفوا أنفسهم عناء الانتظار«.
وصعد حملة الشهادات العاطلين من احتجاجاتهم في الأيام الأخيرة فمن حرق الذات والتهديد بالانتحار في كل مرة إلى احتلال أسطح مقار الوزارات والإدارات العمومية.
ويقول حسن زركان عضو المكتب المسير لاتحاد الاطر العليا المعطلة »هذه الاقتحامات الآن والأشكال التصعيدية التي يخوضها الأطر خلال الشهور الأخيرة جاءت على خلفية الحوارات الزائفة التي تقودها معنا الحكومة لربح الوقت وتمويه المعطلين بحلول وهمية ونحن مستعدون للتضحية بالذات«.
ويعيب عدد من الحقوقيين على السلطات تدخلها العنيف احيانا لتفريق المحتجين.
ويقول حسن العمراني والي مدينة الرباط لرويترز »نحن في بلد ديمقراطي وتعبير فئة من المجتمع عن آرائها هذا شيء عادي. لكن ليس بطريقة الفوضى وسد الطريق امام المارة وحركات السير. هنا فقط نضطر للتدخل«.
ويضيف »الخروج إلى الشارع ليس هو الحل. هؤلاء يجب ان يأتوا إلى الحوار معنا والدولة وضعت لهم اطارات للتشغيل مثلا الوكالة الوطنية لتشغيل الكفاءات« بما يسمح بوضع اطار لمعالجة هذه القضية نهائيا في السنوات القليلة المقبلة.
(رويترز)