تتيح لنا مناسبة انعقاد القمة الخليجية من كل عام فرصة للتوقف باستفاضة أمام أهم ما تواجه دول مجلس التعاون الخليجي من قضايا وتحديات، وهي فرصة لتأشير هذه القضايا وتحليل مدى اقتراب أو ابتعاد هذه الدول من التصدي لها بصورة سليمة تلبي طموحاتها، وطموحات شعوبها.

وإجمالا، يمكن القول إن انعقاد القمة الخليجية في أبوظبي جاء مناسبة لوقفة مع الذات تراجع فيها دول المجلس جميع الفرص المتاحة أمامها والقيود المفروضة عليها، والتحديات التي تواجهها لصياغة مسارات جديدة نحو المستقبل تتفق وطموحاتها وتطلعات شعوبها إلى غد أفضل لأجيالها.

إنه الأمر الذي بات يستوجب تحديد الدروس المستفادة من الانجازات والإخفاقات المرتبطة بالمسيرة التنموية لكل دولة من دول المجلس أو تلك المرتبطة بمسيرة العمل المشتركة لهذه الدول كمنظومة واحدة، بغية تحديد مسارات أفضل لحركتها تجاه غاياتها المنشودة في العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين.

كما يمكن القول أيضا وفي إطار المراجعة والتقويم إن محصلة المسيرة التنموية لدول الخليج العربية في مسعاها التكاملي تتضمن قدراً كبيراً من الانجازات في كل مجالات العمل التنموي تحيطه مجموعة من التحديات الجسام التي تتعامل معها السياسات الوطنية والسياسات التكاملية في آن واحد.

ومع ذلك فإن التطورات العالمية والإقليمية والمحلية قد أفرزت في السنوات الأخيرة متغيرات ومستجدات لها آثارها الخطيرة ليس فقط على مسيرة العمل الإنمائي في كل دولة من الدول الساعية إلى التقدم الاقتصادي والاجتماعي ومنها دول مجلس التعاون،.

ولكن أيضاً على مستقبل شعوب هذه الدول واستمرارية وجودها وفاعليته في المسيرة الحضارية العالمية خلال القرن الحادي والعشرين. ولا ريب أن التعامل مع هذه المستجدات سوف يشكل أحد التحديات البارزة في أي جهد تنموي خلال المراحل المقبلة.

وعلى صعيد الجهود الوطنية لدول المجلس، لا شك أن من أبرز التحديات التي تعايشها المسيرة التنموية الوطنية بدرجة أو بأخرى ولم تتخلص منها رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود تنموية بهذه الدول استمرار هيمنة الموارد النفطية على مصادر توليد الدخل.

وهو ما يعمل على تضييق خيارات التنمية وفرص الكسب، واستمرار محدودية الطاقة الاستيعابية للأسواق المحلية بسبب الاعتماد المفرط على الاستيراد وعدم قدرة القطاع الصناعي على تلبية الطلب المحلي الاستهلاكي والاستثماري،.

والصعوبات التي يواجهها في التعامل مع التقنيات الحديثة وبناء قدرة تقنية ذاتية، واستمرار اختلال هيكل الإنفاق لصالح قوى الاستهلاك على حساب قوى الادخار والاستثمار الإنتاجي.

ويرتبط بكل هذه التحديات اختلالات بينة في التركيبة السكانية بما تتضمنه من تأثيرات سلبية على التجانس الاجتماعي وبواعث المواطنة والولاء ، وهي اختلالات قد نجمت عن الاعتماد الكثيف على العمالة الأجنبية، واختلالات سوق العمل، والثبات النسبي لنظم التعليم والتدريب ونظم التوظف والأجور.

ومع أن الاعتماد على الموارد النفطية اقترن بظاهرة التذبذب المستمر في كل من الدخل والإنفاق إلا أن هذه الظاهرة لم تؤخذ كواحدة من المعطيات التي تستلزم تبني البدائل الكفيلة بتحقيق مسيرة تنموية مستقرة في كل أبعادها الاجتماعية والاقتصادية.

ومع عودة العائدات النفطية للانتعاش خلال السنوات القليلة الأخيرة بعد انخفاضها في منتصف السبعينيات، وتوقع استمرار بقائها عند مستويات مرتفعة خلال السنوات القليلة المقبلة، فإن هذه الفترة تعتبر ذهبية.

ونادرا ما سوف تعوض، خصوصا أن العديد من المحللين والخبراء يتفقون أن فترة السبعينيات لم يتم الاستفادة منها على الشكل المطلوب، لإعادة هيكلة الاقتصاد وتحفيزه لتنويع مصادر دخله وعالجت العديد من الاختلالات الهيكلية ولا سيما في سوق العمل وإيجاد وظائف مرضية لمئات الآلاف من الأيدي العاملة الوطنية.

أما على صعيد مسيرة العمل المشترك فيمكن التمييز بين مجموعتين من التحديات التي تواجه مسيرة العمل المشترك لمنظومة دول المجلس تتمثل المجموعة الأولى في تلك النتائج المرتبطة بمسيرة التنمية في كل منها .

وبطبيعة الخصائص الجيوسياسية لها والخصائص الموردية والسكانية. أما المجموعة الثانية فتتمثل في تلك المستجدات الناشئة عن التطور في النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين.

وتؤكد وثيقة استراتيجية التنمية الشاملة لدول مجلس التعاون أن الغاية المحورية لاستراتيجية التنمية الخليجية خلال الفترة (2000-2025) تتمثل في تحقيق مسيرة تنموية مستدامة ومتكاملة لدول المجلس في كل المجالات، وتعميق التنسيق بين الأنشطة التي تتضمنها خطط التنمية الوطنية.

وأن تتسم الاستراتيجية بالمرونة اللازمة لخدمة أهداف التنمية في كل دولة على حدة، وعلى مستوى دول المجلس كمنظومة واحدة وصولاً إلى الارتقاء المتواصل بنوعية الحياة فيها وتحقيق قدرة ذاتية للتكيف مع مستجدات وتحديات القرن الحادي والعشرين.

ويتفرع عن هذه الغاية المحورية مجموعة من القضايا الاستراتيجية التي يقترن الوصول إليها بتبني مسارات إنمائية طويلة الأجل تتضمن الآليات والإجراءات الضرورية لتحقيقها مثل قضية التنمية المستدامة والقضايا الأمنية والدفاعية والتكامل الاقتصادي و قضايا بناء القدرة العلمية والتقنية وقضية التعامل مع التكتلات الاقتصادية والإقليمية.

والى جانب ذلك، فإن الحديث عن التوجهات المستقبلية لخطط التنمية الاقتصادية لابد أن يتناول النواحي الاقتصادية والمجتمعية الأخرى وخاصة فيما يتعلق بالتكامل الاقتصادي ودور القطاع الخاص، وبرامج الإصلاح الاقتصادي وتنمية الموارد البشرية ووضع الأهداف والسياسات والإجراءات الملائمة لتحقيق هذه الاستراتيجيات.

فلابد من تسريع الخطوات لتحقيق التكامل الاقتصادي بين دول المجلس وذلك من خلال الاهتمام بالبعد التكاملي في خطط وبرامج التنمية بدول مجلس التعاون مع التوسع في المشروعات الخليجية المشتركة والسعي لإنشاء السوق الخليجية.

والتحديات التي تواجه دول مجلس التعاون الخليجي تستدعي أيضاً تبني برامج لزيادة مساهمة القطاع الخاص في التنمية سواء من خلال الاستثمارات الجديدة أو برامج الخصخصة مع مراعاة الأبعاد الاجتماعية ودراسة التحديات التي تفرضها العولمة.

وما بعد مرحلة قيام منظمة التجارة العالمية كي تتعامل معها دول المجلس مجتمعة ككيان اقتصادي موحد وكذلك التنسيق بين خطط التنمية في دول مجلس التعاون في ضوء خبرات التخطيط الماضية والمتغيرات المحلية والإقليمية والعالمية الجديدة.

أما بالنسبة لبرامج الإصلاح المالي والاقتصادي، فإنها يجب أن تستهدف مواجهة العجز في الموازنات العامة في دول المجلس والحرص على تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاهتمام بالتطوير التقني كأحد أهم محاور السياسات الاقتصادية وتنسيق أسواق العمل بين دول مجلس التعاون بهدف معالجة مشكلة البطالة في دول المجلس وإحداث تغييرات ايجابية في التركيبة السكانية.

كذلك، هناك ضرورة لإعطاء أهمية اكبر لبرامج تنمية الموارد البشرية كمحور رئيسي لمسيرة التنمية ورفع مستوى التعليم الأساسي ووضع سياسة سكانية واضحة تهدف إلى إيجاد توازن بين معدلات النمو الاقتصادي والسكاني بغرض رفع المستوى المعيشي للفرد.

وتحديد دور الحكومة في النشاط الاقتصادي وتطويره ليقتصر على دور الموجة الاستراتيجي وتوجيه الإنفاق العام تجاه تحقيق وتطوير الوظائف الأساسية للدولة وما يعجز القطاع الخاص عن القيام به أو لا يرغب في أدائه، كما أن الدول الخليجية بحاجة فعليه لترسيخ الإيمان بمبدأ المشاركة بين مختلف فئات المجتمع.

وبينها وبين قياداتها ومن الضروري أن يتم تطوير أشكال اجتماعية واقتصادية تربط بين حجم ونوعية الخدمات الاجتماعية التي تحصل عليها فئات المجتمع بحجم ونوعية مشاركتها في الإنتاج والعمل لتطوير.

وتقدم مجتمعاتها ومن المهم أيضاً أن تعطي أهمية اكبر للبرامج والسياسات التي تهدف إلى مراكمة القيمة المعرفية الإبداعية التي تسهم في جعل الفرد الركن الأساسي في التطوير والمبادرة وإعطاء مسيرة التنمية طابعها الوطني المتميز والمعتمد على ذاته.

وعلى المستوى العالمي، فان التحديات التي تواجه دول مجلس التعاون الخليجي تتمثل في عولمة الاقتصاد وتحرير التجارة العالمية والتكتلات الاقتصادية الكبرى. إن ابرز استجابة ممكنة من قبل دول مجلس التعاون الخليجي لهذه التحديات تكمن في اتخاذ مزيد من الخطوات لتعزيز تكتلها وتعاونها الاقتصادي.

لقد لاحظنا أن العديد من التكتلات الاقتصادية الأخرى ــ سواء كدول أو كمجموعة - باتت تتصرف في علاقاتها الدولية على أساس انتمائها للتكتل.

إن مفهوم الشراكة الاقتصادية المتوازنة ينصرف إلى إعطاء المصالح الاقتصادية للجانب الخليجي الثقل نفسه والحجم المعطى حاليا للمصالح الاقتصادية للشركاء الاقتصاديين. كما ينصرف إلى ربط مصالح الجانبين معا ضمن منظومة تحقق المنافع الاستراتيجية المشتركة.