للمرة الأولى منذ نحو عشرين عاماً أشعر وأنا أغادر دبي بارتياح. وللمرة الأولى منذ سنوات كثيرة لا أستطيع أن أحدد عددها بالضبط أجد نفسي مع مسافرين كثيرين آخرين انتقل في دبي من الطائرة إلى صالات المطار بحافلة عند الوصول ثم انتقل بحافلة عند المغادرة.

وللمرة الأولى أيضاً تستغرق رحلة من فندق في الشارقة إلى مكتب صحيفة »البيان« نحو الساعة، ذهاباً وإياباً وساعة لكل منهما ونحو 50 درهماً ذهاباً ومثلها إياباً.

وفي توقيتين مختلفين بين الساعة العاشرة صباحاً والثانية بعد الظهر. وفي كلتا الحالتين بدا السائق فالثاني مستاء من رحلة مثل هذه حتى خارج نطاق ضغط المرور المعتاد صباحاً ومساءً.

أما التفكير بزيارة دبي في المساء فلم استطع طرحه على نفسي في البداية، ولما تجرأت وطرحته مدفوعاً بالضرورة رأيت سائق سيارة الأجرة وهو يميل برأسه يمنة ويسرة ثم يعتذر. »دبي لا«، قال وهو يلوح بكفه. فسألته: ما هي المشكلة؟ فقال: »المشكلة انه في دبي كلش وايد مشكل«.

وفوجئت عندما اتصلت بمكتب شركة طيران الإمارات في الشارقة لتأكيد الحجز للعودة بأن اسمي غير موجود في القائمة، وكان الموظف لبقاً فوعد بالبحث عن الاسم والعودة إليّ لكن الانتظار طال.

وبدأت أقلق فاتصلت بمكتب الشركة في دبي وإذ بالاسم موجود ولم يستغرق تأكيد الحجز إلا ثوان قليلة لكن فوجئت مرة أخرى بأن عليّ أن أكون في المطار قبل ساعتين ونصف الساعة من مغادرة الطائرة.

وكنت خلال السنوات الأربع الماضية أتجنب مطار هيثرو وبالتحديد الصالة رقم 3 إذ كان يجب أن يصل المسافر قبل موعد مغادرة طائرته بأربع ساعات على الأقل مما يعني أن عليه أن يغادر بيته قبل ثلاث ساعات من ذلك ولذا فإن الوقت الذي يقضيه المسافر .

وهو ينتقل من البيت إلى المطار ثم في المطار نفسه يزيد في العموم على الوقت الذي تستغرقه الرحلة، وهكذا باتت أي رحلة إلى أي مكان تستوعب العدد الأكبر من ساعات اليوم خارج نطاق النوم، وهذا ليس بقليل على من يضطره عمله السفر عشرين مرة في السنة خصوصاً إذا كان في مدبر العمر مثلي.

ووجدت لاحقاً أن الصالة رقم 4 أهون قليلاً من أختها لكن كثيرين من موظفي شركة الطيران البريطانية يفضلون أن ينسوا أن هذه الشركة خرجت من سيطرة الحكومة منذ سنين وباتت شركة خاصة.

ولذا تعتقد أقلية مزعجة من هؤلاء أنهم متميزون دون سائر خلق الله العاملين في شركات الطيران الأخرى وأنهم يمنّون على الزبون لمجرد قبوله مسافراً في صحبتهم.أما المشاكل الأخرى التي تواجه هذه الشركة التي ولدت من رحم القطاع العام هرمة فبعضها جزء من المشاكل التي تواجه صناعة الطيران الدولية.

وبعضها جزء من المشاكل التي تواجه أي شركة طيران بحجم شركة الطيران البريطانية، وبعضها الآخر سببه أن الشركة رفعت توقعات المسافرين من جهة الخدمات والفاعلية، ثم طرأت تطورات عدّة اخفقت الشركة بسببها في المحافظة على ذاك المستوى المرتفع من التوقعات.

وهي اليوم ليست بالتأكيد »أكثر شركة مفضلة في العالم« كما كانت تدعي في إعلاناتها ويبعث إصرارها على مثل هذا الزعم الشفقة.

والبريطانيون في معظمهم مبرمجون لقبول مبدأ »الطابور«، وهو من جملة السلوك الاجتماعي عندهم حتى ان أحدهم ليرى كوّتي خدمة أولاها بداية طابور طويل وثانيها بلا منتظرين فيذهب بالطبع والسليقة ويقف في الطابور.

أما الصالة الرابعة في مطار هيثرو فهي تضم قبالة مكاتب خدمة مسافري شركة الطيران البريطانية أطول طابور موجود في أي مطار أعرفه. ثانيهما، حديثاً، هو صالة شركة طيران الإمارات إذ قسته بالخطوات والتقدير وأعتقد أنه التفّ وتعرج بطول 350 متراً، والله أعلم.

ومعظم زبائن شركة طيران الإمارات متحضرون مهذبون، لكن الطابور في أي مكان خارج بريطانيا ليس جزءاً من الثقافة العامة ولا يوجد له »اتكيت« خاص. ومن حسناته التخفيف من الضغط على الموظف فبين كل مسافر وآخر »فراغ« في انتظار وصول المسافر التالي.

وربما قطع الأخير عشرين متراً قبل أن يصل إليه، وربما تضاعف وقت الانتظار إن غاب أو غابت منظمة الطابور لسبب أو آخر فانقطع التدفق، وربما وجد مسافر أنه وحيد مع الموظف على غير العادة فحادثه أو طرح أسئلة تجول في فكره وهكذا.

ولا يبدو مثل هذا التأخير غير المقصود ثقيلاً لكن ضرب 10 ثوان مثلاً بــ400 حالة ينتج تأخيراً كلياً قدره 66.66 دقيقة ويحدث هذا فيما المسافر يزحف في الطابور خطوة خطوة في اتجاه المكاتب وحقيبته (حقائبه؟) تزحف معه ولا يلبث أن يضيق بالحال .

والانتظار حتى أنني لم استطع منع نفسي من القول لأحد الموظفين إن مثل هذا الوضع لا يحدث حتى في مطار هيثرو فقال: أعرف ذلك لكن... ثم رفع كتفيه بحذر وكأنه خشي أن يكون أحد المتسوقين السريين في الجوار.

ورب ضارة نافعة إذ اكتشفت أن في كل هذا الانتظار منفعة عظيمة لم يسبق لي أن حظيت بها في كل رحلاتي السابقة إلى دبي فأفرحتني لكني استغليت الوقت الضائع في الانتظار بالتفكير بحالات جديدة عليّ في دبي منها مثلاً ارتفاع الأسعار.

وقلما يتقاضى مقهى في دبي أقل من 15 درهماً لقاء فنجان قهوة، أي أكثر من جنيهين استرلينيين وهو مبلغ كبير، في حين بدت أسعار المبيت في غرف بعض الفنادق وكأنها تضاعفت ثلاث مرات في سنة أو نحوها فلم يعد غريباً أن تصل إلى 1200 درهم لليلة واحدة وهو نحو 200 جنيه إسترليني.

ثم أن اكتظاظ الشوارع بالسيارات بات عائقاً مهماً أمام الراغب في التوجه إلى الأسواق وسط دبي أو حتى على بعض أطرافها ففي بعض الحالات يؤدي طول الوصول إلى السوق إلى غلبة الأجرة الإضافية لسيارة الأجرة على ما يمكن أن يوفّره المرء من شراء حاجة من الأسواق الشعبية.

ولا يبدو أنني كنت سيئ الحظ في هذه الرحلة إذ زعم رجل أعمال من كثيري الأسفار من أهل الشعر الأشقر أن الرحلة من المطار إلى فندقه المفضل المطل على الخور كانت تستغرق عشرين دقيقة لكن طائرته وصلت بعد الظهيرة فاستغرقت الرحلة أكثر من ساعة، فيما قال لي رجل أعمال آخر أنه يشعر أن دبي قضمت أكثر مما تستطيع بلعه.

والحالات بالعشرات لكن القارئ الكريم عرف القصد من سوق بعضها وهو التصريح بأن زيارة دبي لم تعد متعة كما كانت، ولم تعد أسعار عدد لا بأس به من البضائع مغرية فأفقد ارتفاع الأسعار جزءاً مهماً من التنافسية التي كانت دبي تتمتع بها في الماضي فعندما ترتفع أجور الشقق والدكاكين.

وسيارات الأجرة والخدمات فمن الطبيعي للبائع أن يحمّل بضاعته العلاوات الإضافية، ويعرف الجميع سهولة رفع الأسعار لكن خفضها صعب للغاية إلا في حالات خاصة.

ولا أقصد مما تقدم القول إن يحدث في دبي سببه القصور أو الفوضى أو سوء التنظيم فكل ما في الأمر أن دبي بدأت تسير في الطريق نفسه الذي سلكته المدن الناجحة في أوروبا وأميركا وآسيا من جهة ارتفاع الأسعار والاكتظاظ، بل يمكن القول إن دبي لم تدفع، بعد، الثمن الذي يوازي نجاحها الباهر.

ويمكن، لمن أراد المناكدة، الرد على المشتكين من الزحام والاكتظاظ بأن الوضع في لندن أو باريس أو نيويورك ليس أفضل بالتأكيد وهذا صحيح إلا أن دبي، بطريقة ما، رفعت توقعات زائريها على الدوام فباتت هذه التوقعات حقاً مكتسباً وصار كل ما دون ما تمتع به زائر دبي في الماضي القريب من سرعة انجاز إجراءات الدخول والوصول والإقامة أمراً يدعو إلى الشكوى.

ولا ينطبق هذا على لندن أو نيويورك أو طوكيو التي يتوقع زائرها مسبقاً أن يواجه الاكتظاظ والتأخير والأجور والأسعار المرتفعة بل ربما استغرب إن لم تصادفه.

ولم أجد، بعد، من يعتقد أن دبي غير قادرة على حل المشاكل التي تواجهها فهناك مشاريع عدة لمعالجة مشكلة الاكتظاظ منها مشروع قطارات الإنفاق والمطار الجديد والإجراءات التي تعتزم الإمارة تطبيقها لحل المشاكل القائمة لكن دبي تضاعف نفسها كل خمس سنوات تقريباً ولا يمكن التخطيط مسبقاً لمثل هذه النسبة العالية جداً من النمو مهما ارتقت الخبرة بالمخططين.

إلا أن هناك مشكلة أخرى لا تواجه المدن المتميزة في العالم وهي أن معظم سكان دبي يتوقعون أن تقدم الحكومة كل الحلول فعمل الحكومات الجيدة في كل مكان هي تيسير الأمور وفتح الأبواب وتوفير الفرص لكنها غير ملزمة بحل كل صغيرة وكبيرة، وعلى المقيم في مدينة مثل دبي أن يعرف هذه الحقيقة ويساهم في حل المشاكل القائمة لأنه مساهم أساسي في خلقها.

وقد شكوت مع الشاكين لأن الشكوى على قدر المحبة لكن سأعترف أن رحلتي الأخيرة وفّرت عليّ ما لم توفره أي رحلة سابقة إذ استغرقت إجراءات الوصول إلى صالة المغادرة نحو ساعتين ونصف الساعة إلا دقائق معلومة .

ووصلت إلى الطائرة جرياً فلم انفق درهماً واحداً على شراء أي هدية فأسعدتني هذه النهاية السعيدة المفاجئة على الرغم من أنها نكبت علاقتي بأفراد الأسرة ولا بأس في هذا فدبي أيضاً تحب المفاجآت.

* كاتب ومحلل اقتصادي

adel@bishtawi.com