كان في الواحد والثلاثين من عمره عندما أغمض سيد درويش عينيه إلى الأبد، أمضى السنوات الست الأخيرة في حياته، في التأليف الموسيقي والغناء والكتابة موقعاً بإمضاء «خادم الموسيقى»، إنما ليفتح بعد رحيله عيون الباحثين والنقاد على فنان مبدع ثائر على الفساد والاستعباد، عاشق للوطن والحرية، غيور على فنه، مجدد بل باعث لنهضة فنية استمرت لعشرات السنين وألهمت أجيالاً كثيرة بعده.

ربما برأي البعض أن الفنان لم يترك ثروة أكاديمية يمكن أن تساهم في مناهج التعليم والتدريب، لكن هذا البعض يغفل أن الشيخ سيد ترك أكبر ثروة فنية في تاريخ الموسيقى العربية على الإطلاق، إذا اعتبرنا الإبداع كيفاً وليس كماً، ذلك أن كل لحن وكل قطعة تستحق الدراسة والتأمل.

ففي كل دور من أدواره العشرة نكتشف مقاماً مختلفاً عرض فيه الكيفية المثلى لمعالجة نغمات هذا المقام، وفي 200 لحن وضعها خصيصاً لرواياته، لم تتكرر جملة واحدة، واحتوت من المواقف المختلفة ما يكفي لعرض كافة حالات المشاعر الإنسانية وكيفية التعبير عنها بالموسيقى والغناء، فضلاً عن كونه السباق في إضافة مقام الزنجران على الموسيقى الشرقية، ومنه أبدع أحد أدواره، وبعده دخل الزنجران النوتة الموسيقية العربية.

وبين وعي ولاوعي، يبقى تراث سيد درويش الموسيقي الأكثر صدقاً في تصوير الواقع، والأقرب إلى حياة الناس، ربما كانت هذه الموسيقى وتستمر موضوعاً خصباً يغري النقاد والباحثين، وليس ثمة شك في أن هذا الإغراء له ما يبرره، خصوصاً أن هذه الموسيقى أكدت في عشرات الألحان «الدرويشية» قدرتها على التعبير عن طموح الشعب ونفسيته، وعن ذهنيته وأخلاقياته، عن مستواه الفكري ومدى وعيه، عن أحواله المعيشية وتصوراته، عن معاناته وآلامه وتفاؤله، وعن جانب مهم من خصائصه القومية والإنسانية. هذه الموسيقى بمعنى آخر، هي الشكل الفني الفولكلوري الذي يعكس الشيء الكثير من صفات وخصائص العلاقات الاجتماعية بمختلف أوضاعها وحالاتها وتناقضاتها.

وبهذا المعنى ليس ثمة ما يحول بين ضرورة رؤية التطابق بين المستمع وهذه الموسيقى.. ورؤية قد تقربنا من التعريف الجامع والمانع، وأول ما يتبادر إلى الذهن ما قاله النقاد والباحثون في سيد درويش وموسيقاه، ونقرأ لشيخ الملحنين الموسيقار المصري محمد عفيفي، وهو أكبر حافظ لتراث سيد درويش، عن بدايات اهتمامه بالفن، قال: «لقد أعجبت بألحان محمد عبد الوهاب كثيراً، ولكن حينما استمعت إلى أعمال سيد درويش، أدركت أنني استمع إلى الأصل».

وفي معرض حديثه عن خصائص موسيقى سيد درويش شبه الكاتب والناقد بديع خيري ما قام به في مصر بما قام به بيتهوفن في ألمانيا «حيث صعد الاثنان، كل بموسيقاه إلى القمة». وفي حين مهّد لظهور بيتهوفن عمالقة أمثال باخ وهايدن وموزارت، قام سيد درويش بانقلاب كبير لم يسبقه تمهيد، امتد تأثيره إلى كامل المنطقة العربية عن طريق من ساروا على نهجه بعد رحيله.

ويمكن القول بصورة عامة أن موسيقى سيد درويش هي نتاج واقع اجتماعي وذاتي معاً.. ولنا أن نتصور مدى الصعوبات التي واجهها الفنان الشاب، وحجم الآلام التي تحملها ليطرق أبواباً موسيقية لم تكن تخطر على بال أحد في مصر والوطن العربي من قبل، وفي عصر اقتصرت وظيفة الفن على التسلية، والموضوع الفني على العشق والغرام.

وسط هذه الأجواء تحول سيد درويش في موسيقاه إلى الشعور الإنساني أحلاماً وآلاماً، وخاطب الجماعة كما يخاطب الدور، واستطاع بعد مئات السنين من «التطريب العثماني» و«التغريب الانجليزي» أن ينتقل بالموسيقى العربية من حيز التطريب الضيق إلى آفاق التعبير الرحبة، ويخطو سريعاً نحو عالم الإنسانية الواسع ويجعل من هذه الرسالة هدفاً لحياته.

لقد عاصر سيد درويش أواخر العصر الرومانسي الأوروبي في عام 1922 الذي شهد روائع الموسيقار النرويجي إدوارد غريغ، لكنه تابع سماعاً ودراسة أعمال رواد الفن الموسيقي الأوروبي، ومنهم الايطالي فيردي الذي صاغ أوبرا «عايدة» المصرية لحفل افتتاح قناة السويس عام 1869، وكان رغم إعجابه بأعمالهم لا يقلدهم، وإنما حملت موسيقاه تعبيراً حقيقياً عن إحساس ومزاج الشعب المصري الذي حرم طويلاً من ممارسة الفنون الراقية، بفعل الاستعمار العثماني واحتكاره فن الغناء والموسيقى شكلاً ومضموناً، واقتصار ممارستها على الطبقات الإقطاعية والنافذة، وفي هذه الانتفاضة تشابه دوره مع دور بيتهوفن حيث أن كُلا منهما أنقذ موسيقى شعبه من الآثار الأجنبية وقدّم موسيقى أمته حتى وصل بها إلى أعلى المراتب.

لقد نوّع سيد درويش في موسيقاه لتشتمل أنماطاً عديدة حاول من خلالها إثبات أن كل شيء مكتوب يمكنه أن يُلحن ويُغنّى.

والأمثلة كثيرة، في مقدمها لحن الصنايعية، «الحلوة دي» ومطلعه «الحلوة دي قامت تعجن في البدرية/والديك بيدن كوكوكوكو في الفجرية»، وفيه صورة شعبية بسيطة تعبر عن قضية اجتماعية كبرى: العمال والصنايعية والصناعة ورأس المال، وهو موضوع شائك على الغناء والتلحين، لكن سيد درويش تمكن منه ببلاغة لحنية وسلاسة كلمة ورقي في التعبير، ليربط هذه الحال بواقع مصر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي من خلال «طقطوقة» مضى على تأليفها عشرات الأجيال وتستمر حتى اليوم خالدة بلسان بعض المطربين وفي أسماع ملايين الناس.

وكما «الحلوة دي» التي عبّر بها سيد درويش عن الشعب المصري الكادح، فسرت أغنيته في نفوس الناس وكأنها تتحدث عن نفسها، وهكذا فعل مع كلام قرأه في الصحف لبديع خيري يقول «قوم يا مصري مصر أمك بتناديك» فبادر إلى تلحينه وتحول منذ نزوله الأسواق إلى نشيد سهل الغناء يثير حماس الناس ووطنيتهم.

يتوضح مما تقدم أن سيد درويش طرق منهجاً جديداً في التلحين اعتمد فيه أساليب متطورة كما اهتم بتأصيل النغمات المحلية ووضع نصب عينيه أن تعبر الموسيقى عن الموضوع والمحتوى الكلامي بحيث تنطق بأفضل شعور يمكن أن يتولد عند سماع الجمل والكلمات، وأوجد بذلك للمرة الأولى المدرسة التعبيرية في الموسيقى العربية، التي أخذت مكانها اللائق في مسرحية «فيروز شاه» للفنان الكبير جورج أبيض الذي آمن بمواهب الفنان الشاب وأعطاه الفرصة الذهبية لإبرازها في المسرح الاستعراضي.

ثم برزت هذه الموهبة أكثر فأكثر حين بادر سيد درويش الى تلحين الدور وهو أصعب القوالب الغنائية السائدة، فأبدع عشرة أدوار، كل منها على مقاس موسيقي مختلف، فكانت بذلك أفضل عشرة أدوار في تاريخ الموسيقى العربية، وبعدها تنافست الفرق المسرحية على موسيقاه بعدما صار لها جمهورها العريض وأكدت تأثيرها البالغ على النفوس.

بيروت ـ فيوليت غبرو: