زيادة »استثمار« الإماراتية لحصتها في شركة »سبايس جت« spice jet الهندية (طيران منخفض التكاليف) من 12.5 مليون دولار إلى 50 مليون دولار يعني أمرين:
أن الشركة، التي يقدّر رأسمالها بـ 7.3 مليارات درهم، ماضية، بخطى واثقة في طريق تنفيذ خطتها التطويرية والتسويقية التي تسمى »3 آي« أو: الأفكار المبدعة، والبحث المعمق والتكامل المستمر.
فهي تثبت أنها تقتنص الفرص المناسبة في الأسواق المناسبة، من دون الالتزام بأجندة ضيقة الأفق تحاصرها حدود جغرافية مخصوصة. فالشركة التي اشترت في فترات ماضية عقارات عالمية هامة وجذابة مثل »بارك أفينيو« في الولايات المتحدة الأميركية و»ون ترانلغارت سكوير« في لندن.
لا تريد أن تبقي تحركاتها حبيسة السوقين الأميركي والأوروبي، وها هي تكرّس تواجدها في الهند عبر عبورها جسراً واحداً من أهم القطاعات الاقتصادية نموا هناك، وهو قطاع الطيران.
اختيار »سبيس جت«، دون غيرها من شركات الطيران الهندية، يحيلنا إلى الأمر الثاني الذي يتواءم مع فلسفة البحث المعمّق التي تقود خيارات الشركة الاستثمارية في الخارج. فـــ »سبيس جت«، بين مثيلاتها من الشركات التي تسيطر على سوق السفر الداخلي في الهند، تعتبر »ثمرة الفراولة« في حقل مليء بالأشواك.
وتعكس التقارير الاقتصادية التي يسوقها الخبراء حول دوران العجلة الاقتصادية بالهند، بدءاً من السنوات القليلة الماضية والى المستقبل القريب والبعيد، تفاؤلا ملحوظا. ويتم التركيز على قطاع الطيران بوصفه »دجاجة الذهب«.
وبخاصة مع النمو المتزايد في أعداد جماهير الطبقة الوسطى، وازدياد قدراتهم الاتفاقية بعد رفع الأجور وتخفيف حدة اللوائح والقوانين في الهند، إذ تبدو الفرصة سانحة، أكثر من أي وقت مضى، لتنفيذ المشاريع التي تستقطب هذه الشريحة المتنامية ديمغرافيا واقتصاديا.
الشمس تشرق مع 50 مليون مسافر
في هذا الصدد، يقول عثمان قريشي، مدير عام شركة »استثمار« أنّ الشركة، التي تعتبر الذراع الاستثماري لـ »مؤسسة الموانئ والجمارك والمنطقة الحرة« في دبي و»نخيل« و»موانئ دبي العالمية« ومركز دبي للمعادن والسلع و»تجاري«، ستركّز في الفترة المقبلة على الاستثمار في »بيزنس« الطبقات المتوسطة »بوصفه الأكثر نموا«.
وقبل أن تختار »استثمار« شركة »سبايس جت«، قامت بدراسات مستفيضة في السوق الهندي من أجل المفاضلة بين أكثر من 13 شركة في مجال الطيران وترشيح واحدة من بين تلك الشركات: »كذلك فكرنا بالسوق الأوروبي فوجدناه مشبعا، أما سوق الطيران منخفض التكاليف في الولايات المتحدة فيعاني من مشكلات كثيرة، لذلك توجهنا إلى الهند واخترنا سبايس جت«.
وتقول تقارير الخبراء أن 19 مليون هندي قد سافروا على متن رحلات داخلية حتى سبتمبر الماضي، ويتوقع أن يصل الرقم إلى 50 مليونا في العام 2010 .
وتعتبر الهند أسرع أسواق الطيران نموا في العالم بعد الصين التي لا يستبعد قريشي أن يكون لـــ »استثمار« مشاريع فيها في المرحلة المقبلة، ودائما ضمن إطار خدمات الـــ «لو كوست«.
ويقول أن تبدّل مشهد الاحتكارات في صناعة الطيران الهندية لصالح سياسة فتح الأجواء زاد من القدرة التنافسية لهذا القطاع وجذب المستثمرين اليه: »بدأ التحول في التسعينات عندما ألغت الحكومة القيود على شركات طيران القطاع الخاص، فظهرت شركات طيران صغيرة عديدة، وازدهرت شركات أخرى مثل سبايس جت«.
ولا يزال حتى اليوم عدد الهنود الذين يستقلون الطائرات سنويا، أقل من عدد الذين يستقلون القطار يوميا، الا أن قريشي، ومستثمرين آخرين في القطاع، يراهنون على تغير المشهد سريعا:
»هناك معطيات كثيرة تؤكد هذا الافتراض، فسبايس جت تملك حاليا خمس طائرات تخدم من خلالها 11 وجهة مختلفة داخل الهند، وهي من طراز بوينغ 737-800 ومن بينها طائرة تسع لـ189 مسافرا. ومن المتوقع أن ترفع الشركة عدد طائراتها إلى 15 بحلول العام المقبل و25 خلال السنوات الثلاث المقبلة.
وهناك اتفاقات جدية مع بوينغ الأميركية في هذا الصدد«. ويرتفع الطلب الهندي على شراء طائرات جديدة أيضاً وتقدر شركة بوينغ أن تصل مبيعاتها إلى الشركات الهندية إلى 35 مليار دولار خلال الأعوام العشرين المقبلة.
مما يجعل الهند أسرع أسواق الطيران نمواً في العالم بعد الصين.كما أنّ هناك عوامل أخرى تؤكد على نمو قطاع الطيران في الهند، من بينها الإجراءات الجدية التي قامت بها الحكومة من أجل تحسين مستوى الخدمات في المطارات، حيث خصصت مع بداية العام الحالي أكثر من 3 مليارات دولار من أجل رفع مستوى المطارات الرئيسية في مومباي ونيودلهي.
إضافة إلى 300 مليون دولار لإنشاء مطارات في بنجالو وحيدر آباد. كما أن هناك خططاً لا تزال قيد الدراسة من أجل توسيع عناصر البنية التحتية للمطارات خلال العامين المقبلين.
لكنّ التطوّر الأبرز في هذا السياق، كان تشجيع المزيد من الشركات على الاستثمار في القطاع، بعد إلغاء الاحتكار الحكومي الذي مارسته طيلة عقود شركة الخطوط الهندي »اير انديا« التي كانت تسيطر على أكثر من 50% من السوق.
وتؤكد الحكومة الهندية انّه لا عودة إلى »الوقت الرديء«، أي إلى فترة السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم، حيث كانت الخدمة الجوية سيئة للغاية، والتأخيرات امر حتمي.
وكانت الخطوط الجوية الهندية الوطنية و»إيرإنديا« تحتكران الخطوط الجوية الداخلية ولم يكن مسموحاً للشركات الأجنبية بالطيران عليها، وذلك بالرغم ان اسطول »اير انديا« الصغير لا يستطيع تغطية الطلب على الرحلات الجوية الدولية.
من جهة أخرى، لا يعتقد قريشي أن الحصة السوقية لـــ »سبايس جت« في قطاع الطيران الداخلي، تشكل العنوان الأبرز الذي تريد »استثمار« أن تتحرك على ضوئه، خاصة مع توافر أرقام عن سيطرة شركة »جيت ايرويز«، وهي شركة تعمل بنظام »لوكوست« أيضا، على 40% من سوق الطيران الداخلي.
و»اير انديا« على 40% أخرى »لا أعتقد أنّ الأرقام هي المقياس هنا، حيث إن نمو أعمال سبايس جت من شأنه، لا أن يقتطع من السوق الموجود أصلا، وإنما يجعله أكثر اتساعا«.
»سبايس جت« استثناء
ولكن، خلف الصورة المشرقة، تقبع دوما التحديات، والتفاصيل »يسكنها الشيطان«، كما يقال. فحال »سبيس جات«، التي تضع فيها »استثمار« أموالها، ليس حال شركات الطيران الأخرى التي يعاني غالبها من مشكلات مالية تتعلق بمديونية غير متممة لصالح الهيئات الحكومية.
فقد أشارت تقارير نشرتها شبكة »تايمز نيوز« الهندية مؤخرا على الانترنت أنّ شركات الطيران الخاص مثل »جت ايرويز« و»صحاري إيرلاينز« و»اير ديكان« و»كينغ فيشر إيرلاينز« ترزح تحت كميات هائلة من الديون غير المسددة لصالح الحكومة الهندية، تبلغ مجتمعة أكثر من 480 مليون روبية هندية ( حوالي 10.5 ملايين دولار)، بحسب مصادر وزارة الطيران المدني بالهند.
وتأتي هذه الديون بفضل مبالغ مستحقة غير مسددة لقاء خدمات مثل وقوف الطائرات في المطار والإقلاع والصيانة ورسوم المطار وغيرها. إلا أنّ التقرير يذكر أن »سبايس جت هي شركة الطيران الهندية الوحيدة التي لا تقع على كاهلها ديون غير مسددة لصالح الجهات الحكومية الهندية«.
ويعرب قريشي عن وعي الشركة للمشكلات المالية التي تعاني منها باقي شركات الطيران الهندية، »هذا يثبت رؤيتنا بالبحث المعمق واقتناص أفضل الفرص الاستثمارية في الأسواق العالمية«.
إلا أنّ الديون غير المدفوعة لشركات الطيران، ليست المشكلة الوحيدة التي تؤرّق صناعة الطيران في الهند، فالنقص في العمالة الماهرة والمتخصصة أحد أهم العوامل المؤثرة على الصناعة. ورغم أن الأزمة تتركز بشكل خاص في قطاعي التعهيد والتكنولوجيا، فإن قطاع الطيران مرشّح لنقص هام في أعداد العمالة المدربة.
تعاني الشركات العاملة في الهند، المحلية والأجنبية، من نقص العمالة الفنية الماهرة، حيث لا تستطيع الحصول عليها بسهولة والاحتفاظ بها، برغم ارتفاع الأجور المستمر ومع تقدم الاقتصاد الهندي بسرعة كبيرة، إذ ستشتري شركة الطيران الهندية 440 طائرة جديدة تضيفها إلى أسطولها بحلول 2010.
مما يعني 3200 وظيفة جديدة للطيارين. وفي الوقت الحالي، لا توجد عمالة كافية لملء هذه الوظائف ومن الطيارين الجدد الذين تحتاجهم صناعة الطيران التجاري الهندية، هناك نقص بمقدار 100 طيار حالياً.
ومن المرشّح أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع أجور العاملين في قطاع الطيران لزيادة حالة الطلب. وبالفعل، ارتفعت الأجور في قطاعي التعهيد والتكنولوجيا بنسبة 25% سنوياً وارتفعت أجور المديرين في قطاع التقنية بنسبة 30% .
والآن تجد الشركات بما فيها الأجنبية صعوبات في العثور على مديرين. والمتوقع أن تحتاج المصانع الهندية إلى 73 مليون عامل بحلول 2015 حيث إن أعداداً متزايدة من الهنود أصبحت قادرة على شراء سيارات وجرارات وبرادات كهربائية.
ويبلغ هذا العدد المطلوب ضعف ما هو مطلوب الآن من عمالة، حسب تقديرات مؤسسة مكنزي. وفي قطاع التجزئة هناك مخاوف بشأن أزمة عمالة أيضاً في الوقت الحالي، كانت شركة »وول مارت« الأميركية، عملاق التجزئة في العالم، قد أعربت عنها مؤكدة أنها تقف وجه عثرة في وجه مخططاتها ورغبتها بالاستفادة من الثروة المتزايدة للهنود.
وفي مطلق الأحوال، قد ينطبق على فكر شركة »استثمار« التسويقي والتطويري في اقتناص الفرص المناسبة في التوقيت المناسب وضمن أقل تكاليف ممكنة، المقولة اليابانية الشهيرة: »أفضل الغلال ما نبت في حقول الآخرين«، وقد تحتمل المقولة إضافة من قبيل ».. وما غرس بأياد واثقة وخبيرة«.
كتب: إبراهيم توتونجي
