لم تكن قاعة »بيرغرين« بديكورها البديع وفضائها الرومانسي، أول من أمس، كما تعوّدنا عليها في احتضانها الموسيقى الكلاسيكية، حين كانت تستضيف الأمسيات الفنية التي دأبت على تنظيمها جامعة زايد بالتعاون مع الفنانة إلينافون هافن في فندق »رويال ميراج« الذي يزهو بفخامته عند الشاطئ الغربي لإمارة دبي.

كانت القاعة ليلتها على موعد آخر، مع موسيقى أخرى لها جمهورها الخاص، وظلت تنتظر روادها حوالي الساعة من الموعد المقرر في بطاقة الدعوة، وكان الموسيقيون أندري كونداكوف (أوكرانيا)، وفياتيسلاف جيافورنسكي وفلاديمير فولكوف وسيرغي اوستروموف (روسيا) يتهيأون لملاقاة عشاق موسيقى الجاز.

ومع بدء الحفل، امتلأ المكان، ما اضطر البعض إلى الوقوف لمتابعة الأمسية. وكان في مقدمة الحضور الدكتور حنيف حسن مدير جامعة زايد وعدد من أساتذتها وطلابها، بينما طغى على الجمهور الوجود الروسي والأوكراني، حتى ان عائلات حضرت بكاملها. ما يدل أن هذا الرباعي الموسيقي معروف كثيراً في دول الاتحاد السوفييتي السابق.

ووسط هدوء عظيم في القاعة الفخمة التي زادتها المقاعد النبيذية وألوان الخشب في سقفها وجدرانها روعة وجمالاً، استهل رباعي »جاز بوكيه« الأمسية بمقطوعة »فالس أسباني« من تأليف جيافورونسكي الذي عزفت له الفرقة ثلاث مقطوعات أخرى هي:

»تيك 7«، و »مقطوعة اسكتلندية« و»الحصان القديم«، بينما قدمت معزوفات أخرى لكل من: جير شوين »فصل الصيف«، وروندو »تارانيلا« وإلينغتون »كارافان«.

وإذ سادت السكينة في بدايات الأمسية، غير أن الحضور الذي بان عليه عدم التفاعل في أوقات معيّنة، سرعان ما بدأت صيحاته الحماسية تتردّد في أرجاء القاعة مع كل عزف منفرد يقدّمه أحد العازفين، أو حين تتصاعد الموسيقى إلى أوجها مع الآلات مجتمعة.

بعد استراحة وجيزة، عاد الجميع إلى أحضان الموسيقى، حيث استعد الرباعي لتحليق آخر في فضاء الجاز، بقيادة اندري كونداكوف على البيانو، والحق يُقال إن العازفين كلهم كانوا قادة على آلاتهم، وفي أداء المهمة للوصول بعناصر المعزوفة إلى قمة تألقها.

ومرة أخرى يحضر جيافورنسكي في »صندوق الموسيقي« و»تانغو« لتتوالى بعدها معزوفات: إلينغتون »القطار«، وكونداكوف »لامامبا«، وفولكوف »بالاد مول«.

وأثناء عملية التحليق في فضاءات الموسيقى، كانت تبدو مهارات العازفين جليّة في الارتجال وفي الحركة على الخشبة، فضلاً عن إطلاق »القفشات« الموسيقية بين الحين والآخر، كتقليد أصوات الديوك والأطفال، وكل ذلك ضمن السياق الدرامي للموضوعات التي كانوا يتناولونها في عزفهم.

وإذ ظل الحضور مشدودين حتى الختام، لم يشعر العازفون بالكلل، بل كانت السعادة مرتسمة على وجوههم لتفاعل هذه النخبة من الحضور مع أدائهم الموسيقي المتقن والعذب.

كتب ـــ إسماعيل حيدر: