ينتمي فيلم »علاقات عامة« إلى سينما المؤلف-المخرج، وهو العمل الرابع في قائمة أعمال المخرج السوري سمير ذكرى بعد »حادثة النصف متر« عام 1980، »وقائع العام المقبل« 1985 و»تراب الغرباء«، وقد أنتجت الفيلم المؤسسة العامة للسينما هذا العام، ونال الجائزة البرونزية في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة لمهرجان دمشق السينمائي.

وتدور الأحداث حول علاقة غريبة ومشبوهة تجمع امرأة برجلين، المرأة (سلافة معمار) وهي الشخصية المحورية التي في إطار تفاصيل حياتها وحركتها اليومية تلتقي الخطوط الدرامية وتتفرع، وتمنح المبرر الطبيعي لظهور الشخصيات الأخرى، وهي من حيث الانتماء الاجتماعي تنحدر من عائلة يسارية، وتعمل مرشدة سياحية.

الرجلان أحدهما عصام (سلوم حداد) رجل أعمال ذو سلطة ومال، ذكي ومراوغ ومتزوج بالسر من المرشدة السياحية، يتجسس عليها، ويتدخل في شؤونها ويضغط من أجل إسقاط ابنه الذي تحمله في أحشائها، والثاني وسام (فارس الحلو) مهندس كهرباء تلتقي به المرشدة في إحدى جولاتها السياحية، فتغرم به.

وهو خفيف الظل، متواضع، بإمكانها أن تبني معه أسرة شريفة تحميها وتحمي جنينها من الاجهاض، والغريب أن زواجهما يتم بيسر وبمباركة ومساعدة الزوج السري.لكن بعد الزواج تكتشف البطلة أن الزوج الثاني ليس سوى صورة مصغرة وكاريكاتورية عن الأول.

وتنتهي الأحداث بتآمر الزوجين الحالي والسابق على قتلها، لأنها كانت شاهدة على أسرار وفضائح وجرائم أناس يرتبطون بزوجها الأول، أي أنهم يرتبطون بالسلطة.

وتتكشف من خلال الفيلم حالة الفساد والبلطجة وضياع القيم الأخلاقية، ثمة خطوط فرعية تعمّق من الحالة، وتكشف جوانب أخرى منها، تتضح في مسار العائلة التي تنتمي لها المرشدة: الأب (جمال قبش)، والأم (نجوى قندقجي)، والأخت (ديمة قندلفت).كما تحدث جريمة قتل لجارة البطلة.

وترسم هذه الجريمة فساد القضاء وتسلط أجهزة الأمن والتجسس على الحواسيب الشخصية ومراقبة الرسائل، وغير ذلك من المساحات السود التي تمسحها كاميرا المخرج، بمشاهد قصيرة ومقتضبة هي على الأغلب داخلية، تتوزع ما بين منزل المرشدة ومنزل عائلتها.

ويقدم لنا المخرج سمير ذكرى في فيلمه الصور الأكثر قبحا للحياة السرية التي تقبع خلف الجدران، فهو على خلاف تجاربه السابقة يمسك بالحياة من المناطق التي تبدو في غاية الجمال والإشراق، ثم يباشر بنزع أقنعتها، الواحد تلو الآخر لتنجلي الرؤية.

وهو يبدأ فيلمه بلقطات بانورامية مصورة من الجو، تشهد على الجمال والعراقة السورية، وتنبه المتلقي إلى ضرورة تعميم ما سوف يراه من حيوات صغيرة وقصص مقتضبة.

وتظهر الشخصيات في الفيلم أنيقة، وسيمة، باسمة، فاعلة ومتماسكة، لكن سرعان ما تنكشف تشوهات أعماقها وزيف مظهرها عبر الحوار والمواقف الحرجة لتتأكد مسؤوليتها عما يجري من ملابسات وفساد، ومن خلال هذه المعادلة التي تبدأ مفرداتها من الهموم الفردية البسيطة والتفاصيل اليومية، ثم لا تلبث أن تتجذر وتتعمم بالتدريج.

ينطلق أداء المؤلف المخرج والممثلين في صياغة ملامح الشخصيات، ومؤشرات الحدث، وروامز الحالة مع الحفاظ دوما على المفارقة بين ظاهر الحياة وباطنها الذي غالبا ما يتكشف عن قبح عصي على المنطق، في مفارقة تصل حدود الكوميديا السوداء، وتطلق صرختها المدوية والجريئة باتجاه تغيير جذري يلقي بأعبائه على الجميع دون استثناء.

دمشق ـــ تهامة الجندي: