رد الأفارقة باستياء على اتفاق الحل الوسط الذي توصلت إليه منظمة التجارة العالمية بشأن تحرير التجارة قائلين إن أفقر قارة في العالم ستدفع ثمن تصلب الدول الغنية.
وقال اتحاد عمال جنوب إفريقيا (كوساتو) الذي يتمتع بنفوذ قوي »أخفقت الدول الغنية مرة أخرى في مد يد التضامن للفقراء«.
ووصف الاتحاد في بيان اتفاق اللحظة الأخيرة الذي توصلت إليه منظمة التجارة في هونغ كونغ بانه »فشل ساحق«. وأضاف: »سيظل الوضع على ما هو عليه وهو أن من الأفضل أن تكون بقرة في اليابان تحصل على دعم قدره سبعة دولارات يوميا على أن تكون أنسانا يعيش في إفريقيا«.
ويتضمن اتفاق هونغ كونغ موافقة من الاتحاد الأوروبي على إنهاء دعم الصادرات بحلول عام 2013 وتعهد أميركي بخفض بعض الدعم لمزارعي القطن في الولايات المتحدة وهو ما يقول المزارعون الأفارقة انه يحرمهم من فرصة دخول الأسواق العالمية.
لكن الاتفاق جاء دون مطالب إفريقية أوسع نطاقا لفتح الأسواق الغربية أمام منتجاتهم بينما أبقى على الضغوط على الدول النامية لفتح أسواقها في مجال الخدمات أمام المنافسة الأجنبية في خطوة يخشى كثيرون أنها قد تخنق شركات الخدمات الإفريقية التي تكافح من اجل البقاء.
ورغم بعض التقدم في القضايا الزراعية فقد تركت المفاوضات الشاقة كثيرا من المحللين الأفارقة يتساءلون عما إذا كانت الدول المتقدمة ستوافق يوما ما على منح أفقر مواطني العالم مقعدا على المائدة الاقتصادية.
وقالت صحيفة بيزنس داي الجنوب إفريقية في مقال افتتاحي »الخلاصة هي أنه ليس من مصلحة الدول الغنية على المدى القصير سواء اقتصاديا أو سياسيا تحرير التجارة بشكل جذري«.
وقال تشيلش مولينجا رئيس معهد الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية في زامبيا إن التقدم المحدود الذي أحرز في هونغ كونغ يتضاءل في مواجهة الاحتياجات الاقتصادية الهائلة لإفريقيا.
وتبدو مسألة المنتجات الرخيصة التي تغزو الأسواق الإفريقية هي الهاجس الأكبر، فعندما خطط »كوساتو« لاستغلال مسيرة بمناسبة مرور 20 عاما على تأسيسه للترويج لحملة لشراء المنتجات المحلية.
ولكن عندما خرج نحو 20 ألف عضو في الاتحاد في مسيرة هتفوا فيها »جنوب إفريقي بكل فخر« في استاد مدينة دربان سرعان ما سرى الحديث عن أن القمصان الحمراء الزاهية التي يرتديها اعضاء الاتحاد صنعت في الصين.
وفي رد فعل خلع الآلاف من الأعضاء الصاخبين لاتحاد صناعة النسيج »ساكتو« الذي يقود حملة ضد طوفان واردات المنسوجات الصينية الرخيصة قمصانهم وألقوا بها في كومة في وسط الاستاد.
وقال جون زيكالي رئيس اتحاد صناعة النسيج لرويترز في وقت لاحق »رد فعل الناس على هذه القمصان هو مؤشر واضح على أنهم نالوا كفايتهم من هذه المنتجات الرخيصة من الخارج«.
ويتصاعد الغضب من جنوب إفريقيا إلى ليسوتو إلى زامبيا ونيجيريا حيال ما وصفه أحد قادة الاتحادات العمالية »بطوفان السلع الصينية الرخيصة« الذي يقول الكثيرون انه يخنق الصناعات المحلية ويقضي على فرص العمل.
وتزيد حساسية هذا الأمر في قطاع صناعات المنسوجات أكثر من أي قطاع آخر والذي يعد أحد أوائل الصناعات التي بدأت مع حصول العديد من الدول الإفريقية الواقعة جنوبي الصحراء الكبرى على استقلالها في ستينات القرن الماضي.
ويقدر اتحاد عمال صناعة المنسوجات والملابس والحياكة النيجيري أن نحو 350 ألف وظيفة فقدت كنتيجة مباشرة للمنافسة الصينية و1.5مليون وظيفة فقدت بشكل غير مباشر بعد أن اضطرت 50 شركة لصناعة المنسوجات إلى إغلاق أبوابها في الأعوام الخمسة الماضية.
وقال عيسى أريمو الأمين العام للاتحاد لـــ »رويترز« »إن معظم المخازن في لاجوس تحولت إلى كنائس لأنه لا توجد بضائع مصنعة يمكن تخزينها«.ويقدر اتحاد صناعة المنسوجات الجنوب إفريقي ان 800 وحدة تصنيع و60 ألف وظيفة اختفت في البلاد منذ عام 2001 نتيجة لما يسميه بالمنافسة غير العادلة من الصين.
وأربك اقتصاد الصين الصاعد وقوتها التصنيعية حتى قوى اقتصادية عظمى مثل الولايات المتحدة. ولم تعثر واشنطن على حاجز سهل في مواجهة فيضان المنسوجات الصينية منذ انتهاء أجل حصص منظمة التجارة العالمية على الواردات الصينية في وقت سابق هذا العام.
وفرضت بريتوريا رسوم إغراق على عدد من المنتجات الصينية لكن بعض المحللين اعتبروا ذلك خطوة رمزية ربما بسبب عدم رغبة جنوب إفريقيا في استعداء العملاق الاقتصادي الآسيوي الذي ينمو بخطى متسارعة.
ويقول خبراء انه في عام 2004 صدرت الصين سلعا إلى إفريقيا بقيمة إجمالية 13.82 مليار دولار مقابل واردات من القارة بقيمة 15.65 مليار دولار لكن هذه الأرقام تخفي اختلالا أساسيا حيث تستورد الصين بالأساس المواد الخام مما لا يضيف قيمة تذكر للنمو الصناعي في الدول الإفريقية.
وطوال عقود واجهت الدول الإفريقية معضلة التعامل مع الصين في القضايا التجارية بسبب تضامن بكين مع إفريقيا في حربها ضد الاستعمار في خمسينات وستينات القرن الماضي ودعمها لحركات التحرر في جنوب القارة.
وقادت »صداقة« الصين مع الدول الإفريقية إلى تدفق مواطنيها على القارة حيث يديرون الآن كل شيء من متاجر البقالة ومحلات مواد البناء إلى المطاعم والأكشاك حتى في البلدات الإقليمية النائية في القارة.
وفي ليسوتو وهي بلد فقير يعتمد على المنسوجات في 90 في المئة من دخل الصادرات انهارت صناعة الملابس بصورة مأساوية هذا العام بعد ان أنهت منظمة التجارة العالمية القيود على الصادرات الصينية مما قضى على طلبيات الشراء الأميركية من منسوجات ليسوتو.
وكان مستثمرون من الصين وتايوان قاموا بإنشاء مصانع في ليسوتو في عام 1999 للاستفادة من قانون النمو والفرص الإفريقية الذي سنته الولايات المتحدة ويمنح صادرات المنسوجات من الدول الإفريقية المؤهلة حق الدخول إلى الأسواق الأميركية دون جمارك.
وأغلق هؤلاء ببساطة أنشطتهم ورحلوا عندما جفت طلبيات الشراء الأميركية تاركين وراءهم آلاف العمال ـ معظمهم من النساء ـ دون عمل في بلد يبلغ معدل البطالة فيه 40 في المئة.