يعتبر القطاع الصناعي في الإمارات ذا طبيعة خاصة بالنظر الى كونه قطاعاً ناشئاً في اقتصاد ناشئ، ومن حيث خصوصية العقبات والمشاكل التي تواجهه محلياً وخارجياً، ومن حيث أهميته النسبية لاقتصاد الإمارات كقطاع ارتكازي يعول عليه الكثير في تنويع مصادر الدخل واستيعاب الاستثمارات المحلية والأجنبية ونقل التقنيات المتقدمة ورفع معدل الاكتفاء الذاتي والإحلال محل الواردات.

وتوظيف القوى العاملة وتدريبها وتطويرها ورفع كفاءة أداء قطاع التجارة الخارجية ومن ثم تعديل الخلل في الميزان التجاري. ومن ثم فإن دراسة الآثار المتوقعة على الصناعة بعد انضمام الدولة الى المنظمة يستوجب الأخذ في الاعتبار النظر إلى مسائل متعددة. وحول هذا الموضوع أكدت د. سهير السبع المستشارة الاقتصادية بهيئة دبي للاستثمار والتطوير في الدراسة التي تناولتها حول تأثير الانضمام لمنظمة التجارة العالمية على الصناعة الوطنية أن «منظمة التجارة العالمية» تعتبر من أهم العوامل المؤثرة على الصناعات المحلية، ليس فقط من خلال تحرير التجارة .

وإلغاء القيود على تداول السلع وزيادة المنافسة في الأسواق العالمية، بل من خلال آثارها المباشرة وغير المباشرة على عمليات الإنتاج وعلى البيئة المحيطة وعلى السياسات الصناعية التي تلتزم بها الدولة في توجيه الاستثمارات. ويحدث هذا التأثير عموماً من خلال التزام الدولة بعدد من الإجراءات من أهمها:

تقديم قائمة بالسلع والخدمات مع تحديد الحد الأقصى للتعرفة الجمركية، وإلغاء الدعم المقدم للصناعات الوطنية إن وجد، وفتح الأسواق أمام السلع المستوردة، وإجراء تغييرات جذرية في الأنظمة التجارية، ومعالجة الخلل في هيكل التجارة الخارجية.

والالتزام بحقوق الملكية على اختلاف أنواعها، والتفاوض بشأن المسائل الجديدة التي طرحت في الجولة الأخيرة مثل إلغاء القيود على الاستثمارات وإلغاء التمييز في المشتريات الحكومية، وذلك على أساس ما تسفر عنه المفاوضات التي تجريها الدولة مع الدول الأعضاء.

وتبرز الحاجة الى تحليل الآثار المتوقعة للانضمام للمنظمة على القطاعات الاقتصادية كل على حدة، وذلك للأسباب التالية:

ـ أن الفترة المنصرمة منذ تأسيس المنظمة حتى الآن لا تصلح مؤشرا للتأثيرات المتوقعة على القطاعات الاقتصادية، لأنها كانت فترات سماح تستثني الدول النامية من كثير من الأحكام، التي انتهى معظمها.

ـ أن لكل دولة الحق في تقديم الالتزامات الخاصة على أساس التفاوض بينها وبين الدول الأخرى. لذا فإن وضع الدراسات التحليلية التي تحصر الأرباح والخسائر المتوقعة لكل قطاع تقدم أساساً للمفاوض الوطني يرتكز عليه في التفاوض بشأن التزامات الدولة ومطالبها.

ـ أن الصورة الوردية التي جذبت كثيراً من الدول النامية للانضمام الى المنظمة قد بدأت تتغير عندما وضعت الممارسات الاقتصادية الدولية على المحك، فبدا واضحاً أن السيطرة في المنظمة للدول الكبرى التي أشارت الإحصائيات الى أنها استأثرت بالمكاسب الاقتصادية طوال العقود الماضية على حساب الدول النامية التي تكبدت وحدها الخسائر.

ـ هناك بعض الإشارات التي أثارت حفيظة بعض الدول النامية، مثل قرار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية برفع اسم بعض الدول النامية، ومن بينها دولتا الإمارات العربية المتحدة وقطر، من قائمة الدول النامية، وهو ما يعني حرمانها من كثير من المزايا والاستثناءات التي تتمتع بها هذه الدول.

ـ لم يكن فشل الاجتماعات الوزارية للمنظمة، بدءاً من اجتماع سياتل وانتهاء باجتماع كانكون، بسبب تردد الدول النامية في فتح أسواقها أو التمسك بسياساتها الحمائية، بل كان بسبب إصرار الدول المتقدمة على دعم منتجاتها ومبالغتها في تطبيق السياسات الحمائية لمنع منتجات الدول النامية من دخول أسواقها.

ـ أدركت الدول النامية أن التزامها بتطبيق بعض الاتفاقيات انعكس سلباً على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فيها، وهدد بوقف الإنتاج في بعض قطاعاتها الحيوية، كالصناعات الدوائية مثلاً.

ـ أسفر التطبيق العملي عن أن «فترات السماح» التي أتاحتها المنظمة للدول النامية لم يكن لها أثر إيجابي في الحد من الهوة بين الدول المتقدمة والدول النامية الى الدرجة التي تصبح معها أكثر قدرة على التنافس في الأسواق العالمية.

ـ يترتب على إدراك أهمية هذه الحقائق والتأثير المتوقع لها على اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة ضرورة إفراد دراسات لتحليل آثار انضمام الدولة للمنظمة على كل قطاع اقتصادي على حدة، لما لذلك من أهمية في إتاحة المعلومات المطلوبة للمفاوض الوطني وصانع القرار.

ومن ثم يختص هذا البحث بتحليل الآثار الإيجابية والسلبية المتوقعة على القطاع الصناعي المحلي، استنادا الى الاتفاقيات والبنود المتعلقة بالمجالات التالية:

ـ الدعم والإغراق

ـ الملكية الفكرية

ـ المنافسة ( الداخلية والخارجية)

ـ نقل التقنية

ـ تصدير المنتجات الصناعية

ـ العوائق الفنية أمام التجارة الدولية

ـ الدعم ( المباشر وغير المباشر)

ـ حل المنازعات

ـ تشجيع الاستثمار الصناعي وجذب الاستثمارات الأجنبية

ـ المعاملة الخاصة والتفضيلية

وأوضحت د .سهير السبع ان دراسة الآثار المتوقعة على الصناعة بعد انضمام الدولة الى المنظمة تتركز حول المحاور الأساسية التالية :

1 ـ الآثار المتوقعة على حماية الصناعات المحلية في السوق الداخلية

2 ـ الآثار المتوقعة على تصدير المنتجات الصناعية المحلية

3 ـ الآثار المتوقعة على نقل وتوطين التقنيات الصناعية المتطورة

4 ـ الآثار المتوقعة على تحسين مستوى جودة المنتجات الصناعية المحلية

5 ـ الآثار المتوقعة على الاستثمارات الصناعية في الدولة

* حماية الصناعات المحلية في السوق الداخلية

وأشارت الخبيرة الاقتصادية إلى أن الاقتصاد المحلي اتسم على مدى تاريخه بالانفتاح الشديد على العالم الخارجي، ومع تعدد الفوائد التي عادت على الدولة من هذا الانفتاح فقد كان له بعض التأثيرات السلبية التي عانى منها القطاع الصناعي، متمثلة في الصعوبات التي تواجه المصانع المحلية في تسويق منتجاتها في أسواق الدولة، نتيجة المنافسة غير المتكافئة بينها وبين الواردات الأجنبية.

وهنا تكمن أهمية الانضمام لمنظمة التجارة العالمية في توفير الحد الأدنى من وسائل حماية المنتج المحلي من الممارسات التجارية الضارة مثل الإغراق.

وربما تتمثل المفارقة هنا في أن الاتفاقيات التي تستهدف بالأساس تحرير التجارة العالمية سوف تستخدم في حالة الاقتصاد المحلي لغرض حمائي نسبيا. وتأتي المفارقة في أن هذا التناقض يأتي نتيجة التطبيق العملي لتضافر اثنين من الأسس التي قامت عليها اتفاقيات الجات وهما:

ـ تخفيض الحماية الممنوحة للمنتجات المحلية الى حدودها الدنيا والعمل على إزالتها حيثما أمكن.

ـ ضمان تحقيق المنافسة العادلة في التجارة العالمية من خلال قواعد معينة حول الدعم والإغراق.

ولما كانت الحماية المطبقة في الإمارات هي بالفعل عند حدودها الدنيا التي تستهدفها قواعد المنظمة ـ حتى من قبل انضمام الدولة إليها ـ كان من المتوقع أن يحقق الانضمام لمنظمة التجارة العالمية بعض الحماية للصناعات المحلية من خلال تطبيق الاتفاقيات والمبادئ التالية:

* مبدأ ربط التعرفة الجمركية

على عكس الحال في كثير من الدول أعضاء المنظمة، لن تضطر دولة الإمارات العربية المتحدة الى تخفيض التعريفة الجمركية على وارداتها من السلع، حيث التزمت الدولة بأن لا تتجاوز التعرفة الجمركية على الواردات (15%) إلا بالنسبة لعدد محدود من السلع المستثناة مثل منتجات التبغ والمشروبات الروحية، وبعض المنتجات الكيماوية والصيدلانية والبلاستيك ومنتجاته المفترض تخفيض التعرفة الجمركية على وارداتها خلال 10 أعوام الى صفر%.

وهو ما لا يمثل أية مشكلة مقارنة مع الرسوم الجمركية الحالية. يعني هذا أن الإمارات لا تزال أمامها فرص لرفع القوة التنافسية لمنتجاتها المحلية عن طريق رفع سقف التعرفة الجمركية على الواردات على أغلب السلع الصناعية.

ويكتسب الفارق بين التعرفة الجمركية الحالية والتعرفة الأعلى الممكن تطبيقها أهمية كبيرة إذا أخذ في الاعتبار أن شريحة يعتد بها من الواردات يمكن أن تنخفض أسعارها أيضا نتيجة التزام الدول المنتجة لها بخفض ضرائب التصدير المفروضة عليها، على حين أن شريحة أخرى من الواردات سترتفع أسعارها محليا نتيجة التزام الدول المصدرة لها بإلغاء الدعم الممنوح لتصديرها.

ومن المتوقع أن ينعكس ذلك أيضاً على خفض أو رفع أسعار المنتجات الصناعية المحلية التي تعتمد على مدخلات (مواد خام، سلع شبه مصنعة) أو آلات ومعدات مستوردة كرد فعل لانخفاض أو ارتفاع أسعارها بسبب تخفيض الجمارك على الصادرات أو تخفيض أو إلغاء الدعم التصديري في دول المنشأ.

*اتفاقيات حظر الدعم والإعانات

وفقاً لمفهوم اتفاق الدعم والإجراءات التعويضية، تعتبر الصناعة الوطنية صناعة تتلقى دعماً إذا تم بشكل من الأشكال التالية:

ـ التحويل من الموارد الحكومية المباشرة كالمنح والهبات، القروض وضماناتها وشراء أسهم الشركات.

ـ تنازل الحكومة عن تحصيل كل الإيرادات المستحقة لها أو بعضها.

ـ تقديم السلع أو الخدمات من الحكومة أو شراء المنتجات عن طريقها.

ومع ذلك، لا يهدف الاتفاق إلى منع الحكومات من اتخاذ سياسة لدعم الإنتاج الصناعي بصفة عامة، بل يهدف إلى منع الحكومات من استخدام الدعم الذي يؤدي إلى آثار سلبية على التجارة الدولية، وعدم تشجيعها على استخدامه. وقد فرق الاتفاق، في هذا السياق، بين الدعم المسموح والدعم المحظور.

ـ الدعم المحظور

وفقاً لنص المادة (3) من الاتفاق، يُحظر الدعم الذي يعتمد على أداء الصادرات، أو الدعم الممنوح باستخدام سلع محلية دون السلع المستوردة. مثل: الدعم المباشر الذي يرتبط بالأداء التصديري، توافر مدخلات إنتاج مدعومة لإنتاج سلعة تصديري.

مكافآت للتصدير، الإعفاء من الضرائب المباشرة كالأرباح على الصادرات، الإعفاء من الضرائب غير المباشرة المفروضة على الصادرات، رد أو استرداد رسوم الاستيراد التي تزيد على تلك المفروضة على مدخلات السلع التصديرية، تنفيذ برامج ضمان التصدير بأقساط غير كافية لتغطية تكاليف البرنامج على المدى الطويل، فتح اعتمادات بمعدلات فائدة متميزة.

ـ الدعم المسموح وهو نوعان

ـ الدعم القابل للتقاضي

وهو الدعم الذي يبرر التقاضي، ويطلق عليه تسمية «العلامة الصفراء»، حيث يندرج معظم أنواع الدعم، كدعم الإنتاج وهذا النوع غير محظور، غير أنه عرضة للطعن سواء من خلال تسوية متعددة الأطراف، أو عن طريق إجراء مقابل في حالة إحداثه آثاراً معاكسة لمصالح عضو آخر.

من الواضح أن الصناعة المحلية لن تتعرض لخسارة تذكر جراء التزام الدولة باتفاقيات منع الدعم والإعانات، لاسيما الدعم الذي يترتب عليه تحقيق مزايا نسبية لصناعة ما تؤثر على إمكانياتها التسويقية أو التصديرية أو تسبب الضرر لصناعات منافسة داخلياً أو خارجياً مثل دعم الصادرات الذي تحظره الاتفاقيات، نظراً لعدم تطبيق أي شكل من أشكال الدعم في الدولة.

ـ الدعم المسموح وغير القابل للتقاضي:

إضافة الى ذلك فإن الدولة سيظل أمامها فرصة جيدة لدعم الصناعات المحلية من خلال تقديم أنواع الدعم المسموح به وغير القابل للتقاضي، وذلك في الحالات التالية التي تعد كلها ذات أهمية ملحة بالنسبة للاستثمار الصناعي المحلي:

ـ الدعم المقدم للمشروعات الصغيرة والمتوسطة: وتلك ميزة هائلة يجب أن تستفيد منها الصناعة المحلية على ضوء الجهود الحكومية المبذولة لتشجيع هذه الشريحة من الصناعات.

ـ تتيح اتفاقية الجات أيضا للحكومة تقديم دعم للأبحاث والتطوير في القطاع الصناعي تصل نسبته الى 70% من إجمالي كلفة الأبحاث التي تقوم بها الشركات لرفع مستوى عملياتها أو منتجاتها.

ـ الدعم المقدم لتكييف مرافق الإنتاج لتتوافق مع متطلبات الحفاظ على البيئة، وذلك في حدود 20% من التكلفة المطلوبة على أن تقدم للمؤسسة المعنية مرة واحدة فقط.

ـ الدعم المقدم للمساعدة في تطوير الصناعات في المناطق المحرومة بقصد تنميتها.

*الاتفاق بشأن المشتريات الحكومية

سمحت اتفاقية الجات عام للحكومات بمنح المنتجات المحلية أفضلية في مشترياتها بشرط ألا تتجاوز زيادة أسعارها عن الواردات البديلة ما بين 10% ـ 15%. لذا التزم القانون الصناعي رقم (1) لسنة 1979 بنسبة 10% أساساً لتفضيل المنتجات المحلية، وقرن ذلك مع مراعاة عناصر الجودة وسرعة التسليم.

ورغم أن نص القانون بخصوص المشتريات الحكومية لم ينفذ إلا على نطاق ضيق، فإن الإمارات لم تقدم حتى الآن أي تنازلات في هذا الصدد، بل طالب فريقها التفاوضي بضرورة أن تأخذ المفاوضات بعين الاعتبار أولويات التنمية لدى الدول الأعضاء.

وأن تقتصر المفاوضات على جانب الشفافية ومن ثم لا تحد من حق الدول النامية في منح أفضليات للموردين المحليين بالإضافة الى الالتزام بتقديم المساعدات الفنية المناسبة والدعم اللازم لبناء قدراتها خلال المفاوضات، وألا تتضمن الأخيرة التدخل في عملية النفاذ الى الأسواق والحد من حرية الدول في وضع القيود والشروط اللازمة لأولويات التنمية.

* الاتفاق الخاص بمكافحة الإغراق

ترجع صعوبة التصدي لهذه الظاهرة في الدولة لغياب قوانين مواجهة الإغراق، ولما يحتاجه التطبيق العملي من جهود تتجاوز إمكانيات الشركات الفردية مما يحتم إصدار قانون مكافحة إغراق وتأسيس هيئة حكومية لإثبات حالات الإغراق محليا.

إن الانضمام الى منظمة التجارة العالمية من شأنه أن يؤمن للصناعات المحلية فرصة لمكافحة الإغراق، وذلك بمقتضى المادة السادسة من اتفاقية الجات التي تسمح للدول الأعضاء في المنظمة اتخاذ تدابير مكافحة الإغراق للتصدي لمحاولات مصدري الدولة عضو أخرى إغراق سوقها المحلية، وذلك بفرض رسوم محددة في الحالات التي يضر فيها الإغراق بصناعة وطنية محددة أو يهددها، أو فرض رسوم .

أو تدابير تعويضية في بعض الحالات الخاصة التي حددتها الاتفاقية، على ألا تتجاوز قيمتها قيمة هامش الإغراق، مشترطة في ذلك إثبات ثلاثة شروط هي: وجود الإغراق يتحدد بتصدير السلعة بأقل من سعرها في البلد المصدر، تحديد هامش الإغراق وإثبات وجود الضرر.

وانطلاقاً من حرص دولة الإمارات على حماية السلع المحلية الصنع من الإغراق ناقش الوفد التفاوضي للدولة في الاجتماعات التي عقدتها أجهزة منظمة التجارة العالمية المعنية بالمفاوضات موضوع إنشاء آلية للوقاية العاجلة في الحالات التي تكون الصناعات الوطنية مهددة من الواردات الأجنبية، كما شرعت الدولة في إصدار قانون مكافحة الإغراق.

* تشجيع المنافسة العادلة في السوق المحلية

يصعب الإدعاء بأن تطبيق بنود مكافحة الإغراق في السوق المحلية سيكون على حساب المنافسة العادلة التي تعد مطلباً أساسياً لرفع المستوى النوعي للمنتجات المحلية، ذلك أن التزام الدولة والدول الأخرى بقواعد الجات وما تلاها يحول دون انسياب سلع متدنية النوعية أو مهربة بأساليب غير قانونية.

لا سيما وأن الاتفاقية تتيح للإمارات الاستفادة من هامش لا يزال قائما لرفع الرسوم الجمركية على الواردات إذا لزم الأمر، وتحمي في الوقت نفسه السوق المحلية والصناعات المحلية من المنافسة غير الشريفة مع الواردات وذلك من خلال التزام الدول الأعضاء بتطبيق البنود والاتفاقيات التالية:

ـ حظر القيود الكمية والإجراءات التقييدية غير الجمركية، والقواعد التي تنظم دخول السلع الى جمارك الدولة المستوردة بما في ذلك:

ـ اتفاق التقييم الجمركي: الذي ينظم تحديد القيم الخاضعة للرسوم الجمركية

ـ اتفاق المعاينة قبل الشحن (PSI)

ـ المعايير الإلزامية والاختيارية للمنتجات وأنظمة الصحة والصحة النباتية: الاتفاق بشأن الحواجز التقنية أمام التجارة (TBT ) والاتفاق بشأن الصحة النباتية SPC

ـ إجراءات الترخيص لعمليات الاستيراد ( الاتفاق الخاص بإجراءات ترخيص الاستيراد)

ـ القواعد التي تضبط دعم المنتجات الصناعية في الدول الأخرى مصدر الواردات والتي تؤثر على الكفاءة التنافسية للصادرات، بما في ذلك أنواع الدعم المحظورة، ومنها على سبيل المثال:

ـ منع الإعانات الممنوحة للصادرات الصناعية

ـ منع الإعانات الممنوحة للمنشآت التي تستخدم مدخلات محلية في عملياتها الإنتاجية.

ـ يضمن تطبيق الاتفاق حول الجوانب المتصلة بالتجارة في حقوق الملكية الفكرية (TRIPS) منع انسياب السلع المقلدة وغير الأصلية التي يمكن ترويجها بصورة غير قانونية في الدولة يتضرر منها المستهلك والمنتج على حد سواء.

وإذا كانت أحكام المنظمة الخاصة بإزالة الدعم المحظور لن تنطبق على الصناعات المحلية بشكل مباشر بسبب غياب الدعم فعليا، فإن هذه الأحكام ستؤثر على المنتجات الصناعية المحلية وعلى قدرتها التنافسية في الأسواق المحلية من خلال التأثيرات التالية:

ـ إن إزالة الدعم الذي تقدمه الدول الأخرى لإنتاج أو تصدير منتجاتها التي تستخدم كمدخلات أو مواد خام في الصناعات المحلية يؤدي الى رفع تكلفة المنتجات الصناعية المحلية ومن ثم زيادة أسعارها.

ـ إن إزالة الدعم المقدم للمنتجات الصناعية المستوردة سيرفع أسعار بيعها للمستهلك المحلي، مما يعيد بعض من التوازن بين الطلب على المنتجات المحلية والطلب على الواردات، ولكن عند نقطة أعلى على منحنى السعر بعد ارتفاع أسعار كليهما.

ـ العامل الذي سيحسم مدى الاستفادة النسبية من الوضع الجديد بعد زيادة أسعار الواردات والمنتجات المحلية هو مقدرة كل منهما على استعادة الحصة التي خسرتها في السوق المحلية من خلال تخفيض أسعار البيع، أو تطبيق الوسائل غير السعرية، وذلك على النحو التالي:

ـ المنتجات المحلية ستتجه الى استخدام مدخلات ومواد خام محلية الصنع كلما كان ذلك ممكنا، وفي ذلك فائدة للاقتصاد المحلي عموما حيث يرتفع الطلب على المنتجات المحلية بما يزيد إنتاج المصانع القائمة ويشجع على تأسيس مصانع جديدة متخصصة في إنتاج المدخلات والسلع الصناعية التي زاد الطلب عليها.

كما يؤدي في الوقت ذاته الى زيادة الترابطات الأمامية والخلفية في الاقتصاد بما يحقق مزيداً من الاكتفاء الذاتي والاستقرار الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل.

ـ الواردات لديها فرصة أكبر لتخفيض أسعارها عن طريق تخفيض هامش الربح الذي تحققه في السوق المحلية - وهي ميزة قد لا تكون متاحة للمنتجين المحليين في كثير من الأحيان.

* الآثار المتوقعة على تصدير المنتجات الصناعية المحلية

على عكس الصورة الإيجابية للتأثيرات المتوقعة من انضمام الإمارات للمنظمة على حماية القطاع الصناعي، يرى كثير من المحللين أن هذا القطاع عرضة لكثير من الضرر الذي يتهدده بفعل الصعوبات العملية المتوقع أن تحد من استفادة الصادرات المحلية من المبادئ الأساسية التي قامت عليها منظمة التجارة العالمية مثل:

ـ التجارة دون تمييز: وهي التجارة التي تقوم على:

ـ مبدأ الدولة الأولى بالرعاية

ـ أثر مبدأ المعاملة الوطنية على الصادرات الصناعية

ـ مبدأ تخفيض الرسوم الجمركية وربطها

ـ حظر القيود الكمية على حركة التجارة

ـ ترويج المنافسة العادلة

غير أن التصور النظري لانفتاح الأسواق العالمية أمام صادرات الإمارات الصناعية قد اصطدم حال التطبيق العملي ببعض العراقيل التي تحول دون نفاذها الى تلك الأسواق، مثل الممارسات العملية التي تنتهجها الدول المتقدمة للحد من نفاذ صادرات الدول النامية الى أسواقها، بينما يعود بعضها الآخر الى تطبيق، أو سوء تطبيق، البنود والأحكام الواردة في اتفاقيات الجات وما تلاها، على التفصيل التالي:

ـ عدم دقة تعبير «انفتاح الأسواق العالمية أمام الصادرات المحلية» الذي يرد ذكره في سياق المكاسب التي تجنيها الإمارات. إذ أن هذه الأسواق سيتم تحريرها أمام صادرات كل دول العالم مما سيعرض الصادرات المحلية لمنافسة أكثر شراسة في الأسواق الخارجية.

ـ الاتجاه المتزايد عالميا نحو تأسيس التكتلات الاقتصادية بين الدول المتقدمة وغيرها سيذهب بكثير من المزايا التي تتوقعها الدول النامية، ومنها الإمارات.

ـ الممارسات الخاصة التي تتداولها الدول المتقدمة فيما يتعلق بوضع المعايير القياسية والاعتراف المتبادل بها ستفرض على الدول النامية تعديل معاييرها القياسية لتتماشى مع تلك المعمول بها في الدول المتقدمة.

ـ من المحتمل أن يؤدي إلغاء نظام الحصص على المنسوجات والألبسة إذا تم تنفيذه، إلى حرمان الإمارات من أحد عناصر جذب الاستثمار في هذه الصناعة.

ـ لا تزال الدول الصناعية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تضع العقبات أمام وارداتها، وقد بدا ذلك جليا في أن فشل اجتماعات منظمة التجارة العالمية منذ اجتماعات «سياتل» و«كانكون بسبب إخلال الدول المتقدمة بتنفيذ تعهداتها في تحرير تجارتها وفتح أسواقها أمام الواردات، والواردات من الدول النامية على وجه التحديد. فعلى سبيل المثال:

لم يؤد برنامج إدماج المنسوجات والملابس في نظام الجات لعام 1994 إلى تحرير واردات الدول المتقدمة من المنسوجات والملابس بمقدار النسبة التراكمية المنصوص عليها، والتي كان مفترضا أن تصل إلى نحو 50 % عام 2002.

بل قامت الدول المتقدمة بتحرير ما بين 5-10 % فقط من وارداتها من المنسوجات والملابس. في الوقت ذاته واجهت صادرات الدول النامية عقبات مهمة أخرى تتعلق بفرض الدول المتقدمة الإجراءات الوقائية المسموح استخدامها خلال الفترة الانتقالية (1995 ـ 2004) ضد واردات المنسوجات والملابس من الدول النامية.

ولا تزال التعرفة الجمركية التي تفرضها الدول المتقدمة على واردات المنسوجات والملابس عالية وتصاعدية، رغم أن اتفاقية المنسوجات والملابس تركز على تحرير تجارة هذه السلع من قيود الحصص الذي تفرضها الدول المتقدمة.

ـ عمليا، لم تتحقق الاستفادة من مبدأ المعاملة الخاصة والتفضيلية الذي تضمنته اتفاقيات الجات، بوصفه تعهدا من الدول المتقدمة بمساعدة الدول النامية على الاستفادة من الفرص التجارية في أسواق الدول المتقدمة.

ومن أحكام المنظمة عموما لتسريع اندماجها في النظام العالمي، لأن هذه التعهدات تمت صياغتها في الاتفاقيات على أنها تعهدات لبذل أقصى جهد Best Endeavor Commitment فلم تكن ملزمة للدول المتقدمة.

لذا ركز الوفد التفاوضي للدولة في الاجتماعات التي عقدتها أجهزة منظمة التجارة العالمية المعنية بالمفاوضات في أكتوبر2002 على المفاوضات الخاصة بمشاكل تنفيذ الاتفاقيات الحالية والمعاملة الخاصة والأكثر رعاية لفائدة الدول .

ـ تتزايد شكاوى الدول النامية من كثرة استخدام الدول المتقدمة لقيود اتفاقية الحواجز الفنية للتجارة بالنسبة للسلع المصنعة واتفاقية تطبيق الإجراءات الصحية والنباتية، وذلك بسبب ما تشترطاه من قدرات فنّية وإمكانات مادية غير متوفرة في معظم الدول النامية.

ـ يعتبر تشدد الدول المتقدمة في مكافحة الإغراق من أكثر العوامل التي تقلص صادرات الدول النامية اليها، بما يمثل انتهاكا صارخا لما ورد في المادة الرابعة من الجات بخصوص مكافحة الإغراق والتي تنص على ضرورة تحلي الدول المتقدمة ببعض التقدير لأوضاع الدول النامية لدى تطبيق إجراءات مكافحة الإغراق.

ـ من الملاحظ أن الإجراءات التي اتخذتها الدول الصناعية استهدفت دفع المنظمة لتبني وجهات نظرها فقط في تحرير التجارة العالمية. وتتمثل الإشكالية الحقيقية في إصرار الدول الصناعية على تحرير التجارة بالأسواق الخارجية في الوقت الذي تتبع فيه إجراءات حمائية لأسواقها الداخلية.

ـ لا تزال الدول المتقدمة تعارض تحرير المشتقات البتروكيماوية، التي تمثل نسبة متزايدة من الصادرات المحلية، من القيود الجمركية والضرائب الباهظة التي تفرضها عليها الدول المستهلكة، وذلك على الرغم من الأرباح الهائلة التي تجنيها الدول المستهلكة للنفط من الضرائب التي تفرضها على النفط ومشتقاته وهي تعادل ثلاثة أمثال العائدات التي تتلقاها الدول المنتجة في الوقت الحاضر.

ـ كان واضحا عدم تنفيذ الدول المتقدمة تعهداتها الواردة في المادة (4) من اتفاقية الجاتس بشأن زيادة القدرات الهيكلية في الخدمات للدول النامية، كتحسين النفاذ لشبكة المعلومات ونقل التقنية إلى هذه الدول.

وقد اقترحت بعض الدول النامية إعادة صياغة تعهدات الدول المتقدمة بشأن المعاملة الخاصة والتفضيلية للدول النامية بتحويلها من نوايا طيبة إلى التزامات محددة، خاصة تلك التي تتناول عقبات الإنتاج والنفاذ إلى الأسواق التي تواجها الدول النامية.

ـ ظهرت صعوبات تنفيذ العديد من الاتفاقيات التي عرقلتها الدول المتقدمة منذ البداية، حين عبّرت بعض الدول الأعضاء في إعلان سنغافورة (1996) عن عدم ارتياحها لتنفيذ اتفاقيات جولة أوروجواي في بعض جوانبها، التي كان من بينها أن الفترات الزمنية المحددة غير كافية للتنفيذ الكامل لبعض الاتفاقيات التي لها علاقة وثيقة مع مقدرتها على اختراق الأسواق الأجنبية كحماية الملكية الفكرية والإجراءات المتعلقة بالاستثمار والتثمين الجمركي والإعانات الرسمية للتصدير، والتي نصت الاتفاقية على انتهاء تطبيقها بنهاية عام 1999.

واستنادا الى الصعوبات العديدة التي تعوق انطلاق صادرات الدولة الى أسواق الدول المتقدمة فإن الفريق التفاوضي لدولة الإمارات يجب أن يعمد الى التركيز على النقاط التالية:

ـ العمل على تقييد ممارسات الدول المتقدمة لدعم منتجاتها بهدف زيادة كفاءتها التنافسية، مع ضرورة العمل على خفض مستوى الرسوم التي تفرضها على صادراتها المهمة للدول النامية.

ـ العمل على زيادة الحصص المتاحة للدول النامية في الأسواق العالمية وابتكار مبادئ أكثر دقة وإجراءات أكثر شفافية بالنسبة لتنفيذ تلك الحصص لضمان تحقق فرص دخول السوق والحيز المتاح للواردات والمنافسة مع المنتجات المحلية بصورة فعالة.

ـ ضرورة مشاركة الدولة في هيئات وضع المعايير القياسية ومراقبة التطورات التي تستجد في المعايير المهمة بالنسبة لتلك الدول حتى لا تكون مشاركة الدول النامية هامشية في معظم الأحوال.

ـ العمل على زيادة فترات السماح المتاحة للدول النامية بفترات أطول لإصدار تعليقاتها على الأخطار التي تتلقاها بتغيير المواصفات القياسية الدولية، والسماح بفترات معقولة بين تلقي الأخطار وتاريخ سريان الإجراء المطلوب.

ـ العمل على تقوية النصوص وتأييد الاقتراحات المقدمة لمساعدة صادرات الدول النامية على التأقلم مع مواصفات الدول المتقدمة وقبول النصوص والحلول التوفيقية التي تقضي بالدخول في مشاورات إذا فرضت دولة متقدمة إجراء يضر صادرات دول نامية. وكذلك الإصرار على استمرار المراجعة الثلاثية، واشتراط أن تكون مراجعة حقيقية وليست روتينية.

ـ بذل الجهود لإعادة النظر في إمكان توسيع نطاق هامش الإغراق بالنسبة للمنتجات التي تصدرها الدول النامية وزيادة الحيز الذي تعتبر عنده الصادرات القادمة من الدول النامية تلحق الضرر بالجهة المستوردة لها، إذ يتسم الحد الحالي وهو 2% من سعر الصادرات منخفض بعدم الواقعية.

كتب عبد الرحمن بدوي: