دعت دراسة علمية حديثة طلاب كلية الهندسة المعمارية إلى التفكير في البعد الثالث أثناء دراسة الحل الوظيفي للمبنى وجعلت دراسة البعد الثالث ملازماً لدراسة المسقط.وأشادت الدراسة إلى أن واجهات المباني المعمارية كواجهة الإنسان يمكن أن نقرأ منها أصالته الداخلية، وسماته، وصفاته، وما يعتريه من مشاعر.
ومن هنا فإن الدراسة تخلص إلى أن واجهات المباني السكنية والتجارية هي (الفيزا) التي تسمح لنا باستقراء الوظيفة الداخلية التي أنشئ من أجلها المبنى.ويقول المراقبون إن دبي ـ على سبيل المثال ـ خرجت على المألوف والسائد في القطاع الهندسي المعماري ونجحت في خلق تجربة معمارية خاصة بها وتميزها عن غيرها من المدن العالمية.
ويؤكد المراقبون أن دبي لم تغفل جانباً مهماً وهو الحفاظ على هويتها، كما عملت على ترسيخ العلاقة الجدلية بين واجهة المبنى المعمارية ووظيفته الداخلية.ويقول الدكتور المهندس هاني هاشم الأستاذ المساعد بكلية الهندسة المعمارية بسوريا «ان المبنى كائناً حياً في بنيته، وكتلة من الأحاسيس والشعور تعكسها واجهاته.
إذ يمكن التعبير عن شيء من خلال إلقاء نظرة أولية فنقوم بوصفه (شكله، لونه، واستخدامه..إلخ) وكل هذا بشكل أولي.. وهناك مقولة تقول: «بأن المكتوب يقرأ من عنوانه» وعنوان المبنى واجهاته فهل يمكننا قراءة التعبير عن مكنوناته الداخلية من خلال هذه الواجهات. ويضيف هاشم في دراسة تحليلية حملت عنوان «دراسة تحليلية لواجهات المباني المعمارية» وهدفت إلى:
1 ـ كيفية تعبير واجهات المباني وشكل المبنى الخارجي عن وظيفته الداخلية من الناحية العلمية والأكاديمية.
2 ـ إيجاد تصنيف لنماذج هذه الواجهات.
* العمارة مرآة
إذا كانت العمارة هي المرآة التي تعكس جميع جوانب الحياة المختلفة (اجتماعية، اقتصادية، فنية، بيئية، سياسية.. الخ) لعصر من العصور، فما الذي يمكننا أن نقوله عن واجهة بناء من أبنية هذه العمارة؟ لقد ذكر المعماري الأميركي (سوليفان) مقولته: «الشكل يتبع الوظيفة» كقاعدة للعمارة الحديثة فالبناء كالإنسان كتلة من الأحاسيس والشعور تعكسها واجهاته. فكما للإنسان الصفات يتحلى بها وهي مجسدة بنوعين.
الصفات خارجية متضمنة ما يلي:
1 ـ الصفات الجسمية: متجسدة بما يلي:
ـ لون البشرة (أبيض، أسمر، أسود، أشقر.. الخ)
ـ لون العينين (سود، زرق، عسلية.. الخ)
ـ لون الشعر (أسود سابل، أسود مجعد، أشقر، خرنوبي.. الخ)
ـ القامة (طويل، قصير، سمين، ضعيف.. الخ)
2 ـ الصفات الحسية: مجسدة بما يلي:
ـ الصوت (ناعم، أجش، جهوري.. الخ)
ـ الحركة (حركته، سيره، ركضه.. الخ)
وهناك المؤثرات الخارجية التي تنعكس على صفاته الخارجية بشكل أو بآخر وتكون بذلك آنية مثل (الفرح، الحزن، الغضب، الانزعاج، الارتياح.. الخ).
ونصل إلى النتيجة الأولى (كأن نقول لشخص في لحظة معينة ملامح وجهك تقول أنك سعيد أو حزين.. الخ من المؤثرات الخارجية السابقة الذكر).
* صفاته الداخلية
وهي المكنونات الداخلية التي يحملها شخص مثل (الوفاء، الشهامة، الكرم، الأخلاق الحميدة، المكر، الخداع، الكذب، الصدق، الذكاء.. الخ).
وبذلك نصل إلى النتيجة الثانية (نقول عن شخص من النظرة الأولى بأن عينيه فيها الذكاء أو ملامح وجهه فيه الطيبة والوفاء.. الخ من المؤثرات السابقة الذكر).
من النتيجة الأولى استطعنا أن نستقرئ حالة الشخص (فرح، حزن.. الخ) من خلال مؤثرات بدت على وجهه وهذه المؤثرات ما هي إلا كساء آني يزول بزوال المسببات ويتبدل الاستقراء حسب المؤثرات الخارجية التي تحيط به.
من النتيجة الثانية استطعنا الغوص في أعماق الشخص وذلك من خلال انعكاس المفردات الجسمية والحسية الموروثة من الأهل، وبالتالي أعطيناه صفة داخلية أحسسنا بأنه يتمتع ويعمل بها سواء كانت (صدق، كذب، إخلاص.. الخ).
وبالتالي يمكننا استقراء حالتين لوجه شخص من النظرة الأولى له:
الحالة الأولى: معرفة حالته الآنية (فرح، حزن، غضب.. الخ)
الحالة الثانية: معرفة ما بداخله من صفات وميزات (طيب، صادق، ماكر.. الخ).
فكيف يمكننا أن نعكس هذه الحالات في الأبنية المعمارية كونها كائن حي، وكيف يتم استقراء واجهة المبنى في الحالتين السابقتين؟.
بمقارنة المبنى المعماري مع ما سبق من الصفات الداخلية والخارجية للإنسان نجد أن:
* الصفات الخارجية للمبنى
1ـ الصفات الجسمية: المتمثلة بما يلي:
أ ـ المفردات المعمارية المتشكلة من:
أ ـ 1 ـ (الفتحات: أبواب أو نوافذ ـ طولية، عرضية، ضيقة، واسعة.. الخ)
أ ـ 2 ـ (أقواس: بأنواعها ـ أموي، عباسي، فاطمي، أندلسي، عثماني، أوروبي، رومانسك، غوطي، نهضة، باروك.. الخ).
أ ـ 3 ـ المشربيات.
أ ـ 4 ـ الأعمدة.
أ ـ 5 ـ الزخارف.
ب ـ التشكيل المعماري (كتل كبيرة، صغيرة، أفقية، شاقولية.. الخ).
ج ـ الأسقف (قباب، جملوني، مائل، حرة...).
2 ـ الصفات الحسية للمبنى مجسدة بما يلي:
2 ـ أ ـ الجمال.
2 ـ ب ـ الانسجام.
2 ـ ج ـ الطابع.
2 ـ د ـ الوحدة.
2 ـ هـ ـ التوازن.. الخ.
وهناك المؤثرات الخارجية التي تنعكس على صفات المبنى الخارجية بشكل أو بآخر وتكون بذلك قابلة للتبديل مثل:
1ـ (الألوان الخارجية المطلي بها المبنى).
2 ـ الإكساء الخارجي للمبنى (الحجر بأنواعه، سيراميك.. الخ).
وبذلك عند سير إنسان في شارع ورؤيته لمبنى معين يقول بعفوية (ما أجمل أو أقبح هذا المبنى ويتابعها مباشرة إنه منسجم أو غير منسجم).
* الصفات الداخلية للمبنى:
مجسدة بالأعمال والوظائف التي يقدمها ويقوم بها المبنى (الوظيفة الداخلية للمبنى) مثل: مبنى صحي، ثقافي، إدارية، تعليمي، سكني، تجاري.. الخ.
وبشكل لا شعوري يمكن أن يكون استقراؤنا صحيحاً عن وظيفة المبنى، بقدر ما يستطيع المصمم عكس هذه الوظيفة إلى خارج المبنى ويتم ذلك عن دراسة هذه الواجهات بالشكل المناسب.
عند قول أحد المارة (أجمل فيلا!). فمن هذه الجملة المؤلفة من كلمتين نكون قد لخصنا كل ما سبق.
فكلمة (أجمل) بشكل عفوي دلت على الصفات الخارجية للمبنى (المفردات، والتشكيل، والإحساس).
وكلمة (فيلا) عبرت عن الوظيفة الداخلية للمبنى وهي هنا السكن.
«فمن التشكيل الخارجي والتكوين العام للواجهات استطعنا استقراء وظيفة المبنى والتعبير عنه».
ومن المعروف ان المظهر الخارجي والتكوين الشكلي للمبنى هو الذي يجعل الإنسان يحكم بنجاح أو عدم نجاح تصميم ذلك المبنى.
إذن الواجهة المعمارية هي المرآة التي تعكس حالة المبنى الظاهرية والتعبير عن وظيفته الداخلية بإيحاء معين. وتتعدد هذه الإيحاءات والتعابير بدراسة الواجهات فيمكننا تصنيف هذه الواجهات كما يلي:
1ـ الواجهات الأكاديمية.
2ـ الواجهات الفنية (الفانتازيا).
3ـ الواجهات التعبيرية.
4ـ الواجهات الرمزية (ذات الطابع الفلسفي).
* الواجهات الأكاديمية
هي المتبع تدريسها في كليات الهندسة المعمارية، حتى يتحسس الطالب من سنواته الدراسية الأولى المسقط الذي رسمه ويعطي استقراء لكل وظيفة من وظائف هذا المسقط في واجهة المبنى، وإلا فلا يكون قد توصل إلى الواجهة المطلوبة والمعبرة عن وظيفة المبنى، وذلك بأن نقرأ في واجهة البناء أقسامه الداخلية (القسم الإداري، الخدمي، الثقافي، الترفيهي، ... حسب متطلبات المشروع).
وهنالك واجهات مبان تحوي بعض المدلولات مجرد رؤيتها في المبنى عرفت وظيفة المبنى الداخلية مثل:
مثلاً كأن يكون لدينا مشروع تجاري ومكاتب فكيف يمكن التعبير في الواجهة عن الوظائف السابقة.
وكذلك يمكننا استقراء البيئة والمناخ لموقع مشروع معين سواء كانت هذا الموقع في منطقة (حارة أو باردة):
من خلال بعض العناصر في واجهة هذا المبنى التي تتميز بها كل منطقة من المناطق السابقة الذكر.
* الواجهات الفنية (الفانتازيا)
الواجهات الفنية في العمارة هي الواجهات التي تستقي تشكيلها من مدارس الفنون الجميلة بأشكالها المختلفة (التقليدي، التجريدي، التكعيبي، الانطباعي، التعبيري، السريالي... الخ من المدارس المتنوعة) وبالتالي لابد من أن تعكس هذه الواجهات وظيفة المبنى إلى خارجه بصورة أو بأخرى، وبالتالي تكون مثل هذه الواجهات غايتها الأساسية لفت أنظار المارة (وتعتبر بمثابة عنصر جذب للسياح لا سيما إذا كان المبنى ذا طابع سياحي ثقافي).
* الواجهات التعبيرية
هذا النوع من الواجهات يعكس الوظيفة الداخلية للمبنى بطرق مختلفة (الإنشاء، مواد البناء، الإكساء...) ويكون لهذه الطرق الدور الأساسي للتعبير عن مكنونات الوظيفة الداخلية للمبنى.بنظرة لمركز جورج بومبيدو في فرنسا، فإنه للوهلة الأولى للناظر يوحي له المبنى وكأنه مبنى ذو وظيفة إنتاجية (مصنع، ورشة إنتاج، ..... الخ).
لكن استطاع المعماريان (بومبيدو وروجرس بيانو) التعبير عما يجري ضمن المركز من حركات وظيفية كثيرة بالمصنع الذي يحتوي الكثير من الوظائف (وهذه الوظائف في المصنع لا تنعكس على واجهاته بشكل اعتيادي فغالباً ما تكون وجهات المصنع بسيطة على عكس وظيفته الداخلية).وكذلك الحال عند نظرتنا الأولى لبنك شانغهاي في اليابان للمعماري نورمان فوستر. فإن إظهار القوة الإنشائية في الواجهات واستخدام المعدنية الصريحة، استطاع أن يعبر عن مدى كثرة الوظائف الداخلية للمبنى ومدى العلاقات القوية بين هذه الوظائف.
* الواجهات الرمزية (ذات الطابع الفلسفي)
فكما للأرقام تعابير ورموز كذلك للأشكال الهندسية وبدءاً من النقطة وحتى الدائرة لها تعابير ورموز أيضاً ومما سبق من رموز وتعابير للأشكال الهندسية يمكننا أن نستقرئ التشكيل المعماري للواجهات التي تحمل طابع الرمزية وبدراسة هذه الواجهات يتم التعبير عن الوظيفة الداخلية للمبنى بشكل روحاني فلسفي وأمثلة هذا النوع من دراسة الواجهات كثير فعلى سبيل المثال مكتبة الإسكندرية ـ مصر.
جاء التصميم على شكل قرص وليرمز به إلى الشمس وإن النور المنبثق من هذا القرص ما هو إلا العلم والمعرفة.
* نتائج وتوصيات
وخرج الدكتور هشام في ضوء نتائج دراسية بمجموعة توصيات أبرزها:
أولاً ـ من الناحية الأكاديمية:
1ـ الاهتمام بدراسة الواجهات في المباني بقدر الاهتمام بدراسة الحلول الوظيفية الداخلية، وذلك لأن واجهات المباني هي المطلة على العالم الخارجي وبالتالي هي التي تعطي الانعكاس الأولي للمبنى.
2ـ حث طلاب كلية الهندسة المعمارية على التفكير في البُعد الثالث أثناء دراسة الحل الوظيفي للمبنى وجعل دراسة البُعد الثالث ملازماً لدراسة المسقط، وبالتالي تنتج الوحدة المتلازمة بين المسقط والواجهات.
3ـ إدراك الطالب للعلاقة الجدلية بين المسقط والواجهات سواء كانت هذه الواجهات (أكاديمية أو فنية أو تعبيرية أو رمزية).
1ـ واجهة المبنى كواجهة الإنسان، نستقرئ منها (حالته الداخلية ـ السمات التي يحملها ـ والخارجية ـ حالته الآنية، فرح، حزن، يأس...) وكما مرّ ذكره في البحث.
2ـ الواجهات المعمارية هي الفيزا التي تسمح لنا باستقراء الوظيفة الداخلية التي أنشئ من أجلها المبنى.
3ـ تم التوصل إلى تصنيف دراسة الواجهات وتمييز بينها بأربعة نماذج:
* الواجهات الأكاديمية.
* الواجهات الفنية (فانتازيا)
* الواجهات التعبيرية.
* الواجهات الرمزية (ذات الطابع الفلسفي)
4ـ استخدام المفردات المعمارية المناسبة في واجهات المباني بما يلائم وظيفة المبنى الداخلية.
5ـ استخدام العناصر التي بواسطتها يمكن إعطاء مدلول عن البيئة المناخية التي يقع فيها المبنى (أسلوب التسقيف، واستخدام الفتحات المناسبة).
6ـ استخدام القفلة المناسبة في النهايات الشاقولية لواجهات المباني (سواء كان هذه القفلة كتلة أو مفردة من المفردات المعمارية)
كتب ـ مشرق علي حيدر



