يعتبر مصطلح التمويل من المصطلحات الاقتصادية الحديثة والتي ظهرت في بداية القرن العشرين و ذلك نتيجة للتقدم التقني الهائل في أساليب الإنتاج وما صاحبه من ظهور للمشروعات الاقتصادية الضخمة التي تتطلب روؤس الأموال الكبيرة والتي يعجز عن توفيرها الأفراد، لذا فتوفير هذه الأموال يطلق عليه مصطلح التمويل.
وقد ارتبطت العملية التمويلية بالبنوك حيث لعبت دور الوسيط بين الممولين (المدخرين) وطالبي التمويل (المستثمرين) من خلال آلية سعر الفائدة ( نسبة محددة من العائد مرتبطة بالزمن).
وقد حرم الإسلام هذا الأسلوب باعتباره أحد فرعي الربا (ربا النساء أو ربا الديون) الذي كان معروفا في الجاهلية، كما قال تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربا).
وعوضا عن الربا المحرم فقد أباح الإسلام جميع أساليب التمويل التي تعتمد على مبدأ المشاركة في العملية التمويلية (الأرباح والخسائر) وفقا للقاعدة الفقهية (الغنم بالغرم)، وبذلك تمتاز أساليب التمويل الإسلامي بقدرتها العالية على تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية بين أطراف العملية التمويلية إضافة إلى ارتفاع مستوى الكفاءة الإنتاجية لرأس المال والذي يؤدي إلى تخصيص افضل للموارد الاقتصادية ومساهمة فعالة في التنمية الاقتصادية.
وتعتبر المرابحة من أهم أساليب التمويل في الاقتصاد الإسلامي بشكل عام والبنوك الإسلامية بشكل خاص وهي في الاصطلاح الفقهي البيع بمثل رأسمال المبيع مع زيادة ربح معلوم، ويشترط لصحتها أن يكون الثمن والربح معلومين وان لا يكون المعقود عليهما من الأموال الربوية.
وتعتبر المرابحة من أساليب التمويل الشائعة في البنوك الإسلامية وصورتها أن يتقدم العميل إلى البنك بطلب شراء سلعة معينة مع وعد بشرائها فيقوم البنك بشرائها ثم بيعها للعميل ـ الذي طلبها ـ بيعا آجلا بثمن يزيد عن الثمن الذي اشتراها. وقد لعبت المرابحة دورًا كبيرًا في تمويل السلع الاستهلاكية والإنتاجية كالأثاث والسيارات والمساكن وغيرها.. الخ
وتتمثل مخاطر التمويل بالمرابحة في رفض العميل للسلعة التي اشتراها البنك إضافة إلى تأخر المشتري في سداد الأقساط، ولتفادي هذه المخاطر تأخذ البنوك عادةً تأميناً نقدياً أو أي ضمان عيني أو كفالة شخص ثالث مليء يمكن الرجوع إليه فإن رفض الآمر بالشراء السلعة المشتراة له فللبنك الحق في بيع السلعة واستيفاء الفرق (المتمثل في الضرر الفعلي) من الضمان النقدي الذي بيده وإن لم يكف فللبنك الحق بالرجوع على الضامن للمطالبة بالفرق.
وتعتبر المضاربة أيضاً من الأساليب المهمة، وهي مأخوذة من الضرب في الأرض وهو السفر لغرض التجارة، وتعرف في اصطلاح الفقهاء بان يدفع رجل ماله إلى آخر ليتجر له فيه على أن ما حصل من الربح يكون بينهما حسب ما يشترطانه.
وتحقق المضاربة التكامل بين من لديه مال يريد توظيفه وتنميته ولا يستطيع ذلك ومن لديه القدرة على ممارسة النشاط ولا يملك مالاً ويمتاز التمويل بالمضاربة بانخفاض تكلفة التمويل لأن النفقات تحمل على الإنتاج أما الخسارة فهي على رأس المال.
وتعتبر المضاربة من الأساليب التمويلية محدودة التطبيق في البنوك الإسلامية نظرا لاعتمادها على أمانة المضارب لأن المضارب لا يضمن رأس المال إلا في حالات التعدي أو التقصير فيصعب مراقبتهم مما يتسبب في خسارة البنك.
كما يدخل «السلم» أيضاً ضمن الأساليب المهمة وهو في الاصطلاح الفقهي عقد على موصوف في الذمة بثمن معجل في مجلس العقد ويشترط لصحته أن يكون المسلم فيه غير موجود في وقت العقد وان يسهل ضبطه بالوصف وان يكون الأجل معلوماً ومقبوضاً في مجلس العقد وان لا يكون المسلم فيه من الأموال الربوية
وتستخدم صيغة السلم في البنوك الإسلامية في تمويل المشروعات الزراعية والصناعية والحرفية حيث يمكن حصول المنتجين على مبالغ نقدية فورية لشراء مستلزمات الإنتاج والمواد الأولية من خلال بيع منتجاتهم واستلام قيمتها قبل تسليمها للمشتري.
وتتمثل مخاطر التمويل بالسلم في عدم تمكن البائع من الوفاء بالتزامه لأسباب خارجة عن إرادته بالنسبة لنوع السلعة وجودتها وكميتها أي إذا أخفق في تسليم ما تعهد به. وأسلوب السلم هو من الأساليب غير الشائعة في معظم البنوك الإسلامية بالرغم من تطبيقه في بعض البنوك الإسلامية في السودان وباكستان. وهناك أسلوب الاستصناع وهو في الاصطلاح الفقهي عقد على مبيع في الذمة مضبوط في الصفة شرط فيه العمل.
ويطبق عقد السلم في البنوك الإسلامية لتمويل المعدات والمباني وكل ما يمكن صنعه وضبطه بالمواصفات الفنية، ولا يجري الاستصناع فيما لا تدخله الصنعة كالمنتجات الزراعية كما لا يشترط فيه تعجيل الثمن كالسلم لأن فيه عملاً إلى جانب بيع المواد أي أن دفع الثمن يكون على مراحل تقدم العمل وتقدير قيمته، ويعتمد على خبرة طرف ثالث في المتابعة والتقييم. ومن المحاذير التمويلية في صيغة السلم عدم إجادة الصانع للصنعة أو عدم التزامه بالزمن المحدد في تسليم السلعة.
أما الإجارة: فهي في الفقه الإسلامي عقد على منفعة مباحة من عين معلومة أو موصوفة في الذمة أو عمل بعوض معلوم، وتطبق البنوك الإسلامية الإجارة على صورتين، تتمثل الأولى في الإجارة التشغيلية، وهي عبارة عن اقتناء موجودات أو أصول لحاجة السوق إليها مثل آلات أو معدات إنتاجية، وبما أن ثمن هذه السلع في الغالب لا يكون في متناول أيدي من يرغبون شراءها فيمكن تأجيرها لهم إذ يتولون هم تشغيلها واستيفاء المنفعة منها وتسديد الأجرة على أقساط خلال فترة زمنية محددة يتفق عليها وإجمالي الإيجار المتحصل من المستأجر يتكون من ثمن شراء السلعة مضافاً إليه العائد ضمناً.
أما الثانية فهي الإجارة التمويلية والمعروفة بالإجارة المنتهية بالتمليك وتتمثل في قيام البنك بشراء السلعة وتأجيرها بناء على رغبة العميل مع وعد بتملكها بعد سداد الأقساط سواء بالهبة أو بالبيع وتستخدم هذه الصيغة لتمويل العقارات والمعدات.. الخ
ومن مخاطر التمويل بصيغة الإجارة تقاعس المشتري عن تكملة الأقساط مما يلجيء البنك لبيع العين المؤجرة لاستيفاء حقوقه. ويبرز أسلوب المشاركة أيضاً ضمن الأساليب المهمة، وهي في الفقه الإسلامي الاجتماع في استحقاق أو تصرف ويدخل في ذلك جميع المشاركات سواء في رأس المال أو العمل أو الربح وقد قسم الفقهاء الشركات إلى شركة أملاك وشركة عقود ( عنان ـ وجوه ـ ابدان ).
وتطبق البنوك الإسلامية المشاركة بعدة صور منها المشاركة على أساس صفقة معينة والمشاركة المتناقصة أو المنتهية بالتملك وهي امتلاك حصة في رأسمال مشروع قائم أو تحت الإنشاء باتفاق على أن صاحب المشروع ومن خلال عوائده التشغيلية يشتري تدريجياً حصة البنك أو للشركة الاستثمارية امتلاك المشروع كله ، ويحكم هذه العلاقة اتفاق يحدد طريقة التملك للحصص الخاصة بالبنك أو الشركة وعند الانتهاء من تملك صاحب المشروع حصص البنك أو الشركة يتملك المشروع بأكمله.
وتتمثل مخاطر التمويل بالمشاركة الخسارة المحتملة إذا كانت إدارة المشروع سيئة وتعذر تشغيله وبالتالي تحقيق عوائد تمكنه من تسديد ثمن حصص البنك واضطر المستثمر إلى بيع نصيبه لطرف ثالث بأقل من قيمة استثماره ، وتلبي صيغة التمويل بالمشاركة معظم الأنشطة الاقتصادية مثل إنشاء المصانع والمزارع والمستشفيات والمشاريع المماثلة والمنتجة.
تطبيق أساليب التمويل الإسلامية
لقد ساهمت مجموعة دلة البركة في تأصيل وبلورة أساليب التمويل الإسلامية على المستويين النظري والعملي. ففي الجانب النظري كان لندوات البركة للاقتصاد الإسلامي التي يعقدها سنوياً رئيس مجموعة دلة البركة الشيخ صالح كامل منذ ست وعشرين عاما دور كبير في تأصيل الجانب النظري لأساليب التمويل الإسلامية وتكيفها لتكون ملائمة للتطبيق العملي.
وفي الجانب العملي ساهمت المجموعة في تطوير أساليب التمويل الإسلامي من خلال التطبيق الفعلي في مصارفها وشركاتها المالية وخاصة شركة التوفيق للصناديق الاستثمارية التي تعتبر من أوائل المؤسسات المالية التي التزمت بتطبيق الاستثمار الإسلامي.
حيث بلغ عدد العمليات التمويلية التي نفذتها خلال العقد السابق 4202 عملية تجاوزت قيمتها 3 مليارات دولار أميركي تم استثمارها في مشاريع تنموية في شتى المجالات الاقتصادية في كل من المملكة العربية السعودية ودول الخليج ومعظم الدول العربية والإسلامية منها:
استثمارات في القطاع التجاري تجاوزت مبلغ 732 مليون دولار ، استثمارات في قطاع البترول والمعادن 409 ملايين دولار ، اضافة إلى استثمارات في القطاع العقاري «المقاولات» الخدمات 615 مليون دولار ، و استثمارات في القطاع الصحي 155 مليون دولار ، و استثمارات في القطاع السياحي 129 مليون دولار في قطاع التعليم 69 مليون دولار ، و استثمارات في القطاع الصناعي 87 مليون دولار ، و استثمارات في القطاع الزراعي والنقل والمواصلات 43 مليون دولار و استثمارات في دعم صغار المستثمرين 761 مليون دولار
إعداد عمر حامد الحرازي
ـ مدير عام الإدارة العامة للاستثمار والتمويل بشركة التوفيق للصناديق الاستثمارية
