أثارت مسألة حصول تركيا على وضع اقتصاد السوق جدلاً كبيراً في الأوساط الاقتصادية، ففي حين يرى الكثير من الخبراء أن تركيا حققت تقدماً ملحوظاً في المجال الاقتصادي ويمكن أن تصنف ضمن اقتصادات السوق الفاعلة إذا ما حافظت بقوة على الاستقرار وإنجازات الإصلاح التي تحققت في الآونة الأخيرة، يرى البعض في الجانب الآخر أنها لا تزال مكبلة بحزمة من القيود التي تفرضها عليها المؤسسات المانحة وعلى رأسها صندوق النقد الدولي. والمؤكد أن منح تركيا وضعية اقتصاد السوق يعطي المزيد من الثقة للمستثمرين الأجانب والمحليين.

وكانت تركيا قد بدأت محادثات الالتحاق بالاتّحاد الأوروبيّ منذ ما يزيد عن شهر فقط، ويتوقع أن تستغرق تلك المحادثات 10 سنوات على الأقلّ لتنفيذ الإصلاحات الموعودة وتبني القانون الأوروبي.

وبالنسبة لأصحاب الرأي الأول فقد حقق الاقتصاد التركي في السنوات الأربع الأخيرة سلسلة من الإنجازات الملفتة للنظر التي لم تكن في حسبان المحللين الاقتصاديين،

ونجح في الخروج من عنق الزجاجة بعد الأزمة الاقتصادية التي عصفت به بداية الألفية الثانية. وتأتي عملية إعادة هيكلة بنيته التحتية ورفع قدراته التنافسية على الصعيد الدولي، بالإضافة إلى نجاح الحكومة التركية في إصلاح الموازنة العامة والحفاظ على استقرارها من أجل إعادة كسب ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية في قوة وعافية الاقتصاد التركي في مقدمة المبررات التي يدعم بها المؤيدون لتركيا رأيهم. وبدا واضحاً أن الأموال الأجنبية داخل تركيا بدأت تنصب بتسارع عال خلال الفترة الأخيرة، مزودة التوسع الاقتصادي بالطاقة للدرجة التي تجعل كثير من المستثمرين والمحللين يمتدحون سيادة البلاد وإصلاحاتها.

ويقول أحد المحللين إن الطفرة التي حققها الاقتصاد التركي في السنوات الأربع الأخيرة، تشكل مفاجأة كبيرة للمراقبين الاقتصاديين، وذلك بعد أن ساد إجماع عام في قطاع الاقتصاد العالمي على أن ضعف البنية التحتية للاقتصاد التركي وضعف قدراته التنافسية.

لكن في المعسكر الآخر يسود رأي مفاده أن الأزمات الاقتصادية التي مرت بتركيا جعلتها ترهن نفسها بشكل شبه كامل لصندوق النقد الدولي مقابل برنامج اقتصادي مدعوم بقروض قدرها 31 مليار دولار لمواجهة أزمة الديون المحلية الهائلة. ويشكك محللون في تقارير الحكومة التركية التي تؤكد تحسن المؤشرات الاقتصادية، ويقولون إن أمام الحكومة الكثير لتفعله للخروج من الأزمات الحالية.

وكان صندوق النقد الدولي قد طالب في أعقاب الأزمة الاقتصادية التي شهدتها تركيا في عام 2001 بضرورة استقرار الإطار المؤسساتي التركي بصورة عامة، والاقتصادي بصورة خاصة. وفي الوقت نفسه ربط مساعداته المالية لتركيا بسلسلة من الشروط التي اضطرت حكومتها إلى القبول بها مثل تحرير الاقتصاد من القيود القانونية وخلق مناخ استثماري أفضل، علاوة على تسريع عملية خصخصة الاقتصاد التركي.

وبعد أن بلغ الدين العام عجزاً وصل إلى 70% من اقتصاد البلاد، أجبر صندوق النقد الحكومة على القبول بمعدلات فائدة عالية للقروض التي يقدمها، الأمر الذي اعتبره المحللون جانباً مدمراً من جوانب برنامج صندوق النقد الدولي لتركيا. وجعلت هذه الوضعية الكثيرين ينظرون إلى الاقتصاد التركي وكأنه يدار بواسطة فقاعة مضاربات أدت إلى رفع نسبة البطالة بأربعة نقاط مؤوية إلى 5,10%، وانهيار قيمة الأجور.

وجاءت عملية الخصخصة خلال الفترة الأخيرة الماضية لتشكل في نظر الكثيرين المنقذ الحقيقي للاقتصاد التركي، وتجاوزت قيمة العطاءات التي تم ترسيتها في إطار عملية الخصخصة الآن أكثر من 24 مليار دولار، منها نحو 14 مليار دولار خلال العام الحالي وحده.

ويتوقع المراقبون ازدياد ثقة المستثمرين في الاقتصاد التركي الذي يشكل أرضية خصبة للاستثمارات المباشرة. فهناك عدد من شركات صناعة السيارات والأنسجة وصناعات الأدوية ومستحضرات التجميل التي تملك خطوط إنتاج في المدن التركية. كما لا يقتصر الوجود الأجنبي على الشركات الضخمة والبنوك فحسب، بل ان الشركات المتوسطة الحجم التي تشكل عماد الاقتصاد الأوروبي اتجهت في السنوات الأخيرة إلى فتح أفرع لها هناك.

الديون والبطالة أكبر المشكلات

يحاول صناع القرار في أنقرة إيجاد طريقة للخروج من الأزمات العاصفة التي تمر بها البلاد والمتمثلة في مشاكل الديون وارتفاع معدلات البطالة والفقر.

وتعتبر قضية الديون الداخلية والخارجية هي الأخطر، ويقدر الدين العام بأكثر من 180 مليار دولار ويشكل نسبة كبيرة من مجمل الدخل القومي. وتقدر مصادر اقتصادية أن عبء الفرد الواحد في تركيا من الديون يزيد عن ثلاثة آلاف دولار. وبلغ مجموع الفوائد والديون المستحقة التي دفعتها تركيا خلال 2002 نحو 5. 8 مليارات دولار، منها 400. 2 مليار دولار عن الديون المستحقة خلال الشهور العشرة الأولى من عام 2001،

فيما حسم صندوق النقد مبلغ 1. 6 مليارات دولار من القرض الذي وافق الصندوق على تقديمه مطلع العام الجاري بقيمة 16 مليار دولار، كما بلغت مصروفات الفوائد خلال العام 2001 نحو 6. 22 في المئة من إجمالي الدخل القومي مقابل 2. 16 في المئة عام 2000. وتعد تركيا أكبر مدين لصندوق النقد الدولي، وقد حصلت منذ اندلاع الأزمة التي ضربتها في فبراير عام 2001 وحتى الآن على نحو 32 مليار دولار.

أما على الصعيد الاجتماعي فقد أدت الأزمة الاقتصادية الحادة التي مرت بها تركيا إضافة إلى الزيادة التي تم تسجيلها في إجمالي عدد سكان البلاد الذي وصل إلى أكثر من 68 مليون نسمة إلى انخفاض كبير في متوسط دخل الفرد في البلاد ليصل إلى أقل من 2200 دولار سنوياً. وأدى انخفاض معدلات الدخل، إلى تفاقم ظاهرة الفقر وزيادة عدد الفقراء. وأشارت دراسة متخصصة إلى أن تكلفة تلبية احتياجات المأكل الخاص بأسرة صغيرة ارتفع إلى 192 دولاراً شهرياً، علما بأن الحد الأدنى للأجور يبلغ أقل من 120 دولاراً.

كما أنه وكانعكاس للأزمة الاقتصادية الحادة التي ضربت البلاد فقد ارتفعت معدلات البطالة بشكل لم يسبق له مثيل، ووصل عدد الذين تركوا العمل بسبب الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا إلى أكثر من مليون ونصف المليون شخص.

دبي ـ مشهد البيان