جرت خلال الفترة الأخيرة مفاوضات وصلت إلى حد الخلاف بين الأطراف الدولية المختلفة حول مسألة الدعم الزراعي. وأسفرت الأسابيع الماضية عن انفراج جزئي حيث عرض الاتحاد الأوروبي إجراء المزيد من الخفض على الرسوم المفروضة على وارداته الزراعية، ليسمح للدول الأعضاء في المنظمة بالتقارب عند نقطة وسط، في المفاوضات الخاصة بالزراعة.
وأبدت المفوضية الأوروبية ـ في بيان لها ـ استعدادها لتنفيذ أكبر خفض في تاريخها على رسوم وارداتها الزراعية، بحيث يصل متوسط نسبة الخفض إلى 47% على أن يكون الحد الأعلى للخفض 60%. وأشارت المفوضية إلى أنها ستلغي كل أشكال الدعم المقدم لمزارعيها إذا قدم شركاؤها التجاريون عرضاً مماثلاً في اجتماع هونغ كونغ.
وكان الرئيس الأميركي جورج بوش قد وعد في مدينة برازيليا، بالعمل من أجل إزالة الدعم، الذي تقدمه بلاده لقطاعها الزراعي، باعتبارها خطوة أساسية في اتجاه تحرير التجارة العالمية، لكن «بوش» اشترط تطبيق تخفيضات مماثلة من قبل دول الاتحاد الأوروبي واليابان، والدول الغنية الأخرى.
وقالت واشنطن ان بوسعها خفض الدعم الزراعي بنسبة 60%، بينما تريد من الاتحاد الأوروبي واليابان خفض الدعم بنسبة 80% نظراً لأنهما ينفقان حالياً على الدعم أكثر بكثير من الولايات المتحدة.
وقالت الولايات المتحدة إنها تخطو لإلغاء الدعم الحكومي للصادرات الزراعية على مدى خمسة أعوام اعتباراً من العام الحالي. وجاء هذا بناء على اقتراح تقدم به السفير الأميركي ألان جونسون المفاوض الزراعي في المحادثات غير الرسمية الجارية في مقر منظمة التجارة العالمية ونص الاقتراح على تطبيق التخفيضات على دفعات سنوية وبحصص متساوية على مدى خمسة أعوام.
وتقول المصادر الأميركية ان دعم الصادرات في أوروبا يبلغ حوالي 90% من إجمالي المساعدات العالمية وحوالي مئة ضعف ما ننفقه في الولايات المتحدة.
وتأتي أهمية الحديث عن الدعم الزراعي انطلاقاً من الحاجة الماسة للغذاء في مختلف دول العالم، وأظهر تقرير صدر عن المعهد الدولي للسياسات الزراعية والتجارية، أن مستوى الإغراق في أربع سلع كبرى للولايات المتحدة قد ازداد منذ 1995 عندما بدأت منظمة التجارة العالمية تنفيذ سلطتها، حتى رغم ان هدف المنظمة المعلن هو «تقليل الممارسات المشوهة في التجارة»
فبينما كانت التكلفة الكاملة للقمح في الولايات المتحدة عام 2001 هي 24. 6 دولارات للإردب بلغت أسعار التصدير 5. 3 دولارات للإردب. وبالنسبة لفول الصويا التكلفة الإجمالية كانت 98. 6 دولارات للإردب، بينما بلغ سعر التصدير 93. 4 دولارات للإردب.
وكانت تكلفة إنتاج الذرة 47. 3 دولارات للإردب، بينما أسعار التصدير بلغت 28. 2 دولارات للإردب بإغراق قدره 57%، وكان إنتاج الأرز يتكلف 66. 18 دولاراً للإردب، ويباع دولياً بـ 55. 14 دولاراً وقفز الإغراق خلال الفترة الأخيرة من 23% إلى 44% في حالة القمح، ومن 9% إلى 29% لفول الصويا، ومن 11% إلى 33% للذرة، ومن 17% إلى 57% في حالة القطن.
وبينما تقول اتفاقية منظمة التجارة العالمية للتجارة في الزراعة إنها حققت تقليلاً في الدعم المالي الذي قدمته الدول الغنية لمزارعيها، زادت فاتورة المزارع في الدول الغنية من 83 مليار دولار إلى 248 ملياراً سنوياً. هذه الزيادة الكبيرة تهدد سبل رزق العالم الثالث، طبقاً للبنك الدولي فإن أسعار القطن الأميركي المنخفضة بسبب الدعم الكبير كلفت البلدان الإفريقية 250 مليون دولار سنوياً.
وفي ظل الخطورة الجاثمة أمام المزارعين والمقيمين في الدول الفقيرة طالبت مجموعة الـ 22 التي تضم دولاً نامية وفقيرة بإلغاء الدعم المالي للتصدير بتشديد الأحكام على الإغراق في البلاد التي تستمر في دعم صادراتها مالياً وتخفض أسعارها بشكل مصطنع.
وقد تنوعت عضوية المجموعة منذ نشأتها في لقاء كانكون لوزارة التجارة في المكسيك منذ عامين، ولكنها ظلت ثابتة بفضل القوى الاقتصادية الكبرى مثل الصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا. ويمثل عدد سكان دول المجموعة نحو 65 في المئة تقريباً من سكان العالم. وكان إصرار هذه المجموعة على ضرورة الحصول على حرية أكبر في الوصول إلى الأسواق الغنية في الغرب، كما احتجت الدول النامية في الوقت نفسه على استخدام الدعم الزراعي الضخم، وخاصة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
وتعد الزراعة أحد أسباب القلق الرئيسية لدول الإفريقية الأخرى، لارتباطها بالتنمية وتخفيض الفقر وتأمين الغذاء. وبغض النظر عن الامتيازات الغربية المعروضة فإن للدى العديد من خبراء الدول النامية وجهة نظر متشائمة تجاه الاحتمالات الممكنة في هونغ كونغ، وتجاه منظمة التجارة العالمية، وتقول دينا حشمت عضو المجموعة المصرية لمناهضة العولمة: «إن انطلاق هذه الجولة لن يعني إلا فرض المزيد من القواعد الخاصة بالتجارة الحرة على السلع والخدمات التي تقدمها دول العالم الثالث».
وتؤكد أن الفشل سيلازم دورة هونغ كونغ، مثل كانكون وسياتل، ليس فقط بسبب المناهضين للعولمة، وإنما بسبب المشكلات المحلية والاقتصادية المرتبطة بالتجارة الحرة. ويذهب البعض إلى أبعد من ذلك ويرون أن الأطر الحالية ليست إلا صيغة للتدمير البيئي، والقضاء على المزارع العائلية، والإضرار بصحة المواطنين، ويقولون إن دعاوى إعادة إنتاج وتوزيع الغذاء تتوارى خلف الحياد الظاهري لقواعد منظمة التجارة العالمية،
وتهدف إلى تمكين الدول الغنية من إغراق الأسواق الأخرى بمنتجاتها، وهو أمر أسهم في تدمير أسواق الدول النامية وأدى إلى انهيار دخول المزارعين وتآكل القوة الشرائية وبالتالي القدرة على الشراء، مما أدى إلى مشكلات اجتماعية كبيرة في أوساط المزارعين الذين يشكلون الشريحة الكبرى في تلك الدول