بدأت الثلاثاء في هونغ كونغ اجتماعات وزراء الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية وسط جو مشحون بالاتهامات والمخاوف التجارية ليس بين دول الشمال والجنوب فقط بل بين دول الشمال في حد ذاتها. وتسيطر على الاجتماع قضايا أساسية على رأسها الدعم الزراعي ومسألتا تحرير المنتجات المعدنية وتحقيق التوازن في حركة البضائع والسلع بين الدول.

ولا يعول الكثير من المراقبين كثيراً على هذا المؤتمر الذي ينتهي غداً الأحد ويأتي امتداداً لاجتماعات الدوحة التي خرجت بمقررات اصطدم استكمالها بالعديد من العقبات، وتخللت الفترة الزمنية بين الاجتماعين، عدة اجتماعات على مستويات مختلفة لكن جميعها شهد خلافات واسعة النطاق ولم تفض إلى نتائج ملموسة تمهد لإنجاح الدورة الحالية.

وقال محللون اقتصاديون ان عدم التوصل لاتفاق بين الأطراف الرئيسية حول الخلافات المرتبطة بالدعم الزراعي قد يعرض مجمل اتفاقيات تحرير التجارة للخطر. ومنذ أن أُطلقت المحادثات حول تحرير التجارة العالمية في العاصمة القطرية الدوحة في نوفمبر 2001 ظل موضوع الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية لمزارعيها يشكل العائق الأساسي للتوصل لاتفاق نهائي بشأن تحرير التجارة، وهو الاتفاق الذي كان يفترض أن يتم قبل نهاية العام الماضي بحسب توقعات المسؤولين في منظمة التجارة العالمية.

ويؤمل الكثير من المسؤولين على اتفاقية تحرير التجارة في زيادة الدخل الإجمالي العالمي، وبحسب تقديرات البنك الدولي، فإن التوقيع على اتفاقية تحرير التجارة من شأنه أن يضيف 520 مليار دولار لإجمالي الدخول العالمية، بحلول عام 2015، كما سيعمل على إخراج 144 مليون شخص من دائرة الفقر. ويقول مراقبون إن أي فشل لهذا الاجتماع سيكون بمثابة «إعلان وفاة» لجولة مفاوضات الدوحة.

وأثارت الخلافات الخطيرة التي سبقت الاجتماع مخاوف المراقبين من احتمال أن ينتهي دون إحراز نتائج ملموسة وبالتالي الإعلان عن وفاة جولة ؟؟ وشدد المفوض التجاري الأوروبي «بيتر ماندلسون» على ضرورة عدم تكرار ما حدث في اجتماعي كانكون وسياتل اللذين شهدا خلافات حادة، أدت إلى فشلهما.

وفي إشارة إلى المعارضة العارمة من قبل الدول الفقيرة قال مدير المنطقة باسكال لامي ان إفشال دورة الدوحة سيلحق الضرر بصادرات تلك الدول، لأنه سيمنح الصلاحية للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لزيادة نسبة دعم صادراتهما الزراعية.

وشهدت الاجتماعات الوزارية الثلاثة الأخيرة التي عقدت في كانكون وسياتل وجنيف مواجهات حادة بين دول الشمال الغنية ودول الجنوب الفقيرة، مما أدى إلى فشل التوصل لاتفاق، طوال السنوات السابقة.

ويبدو أن التوازن في المفاوضات لا يزال مفقوداً، ففي حين تضغط الدول الغنية من أجل الحصول على تخفيضات حادة في الرسوم الجمركية على منتجاتنا الصناعية فإنها لا تزال تختلف حول مسألة تقديم التنازلات المطلوبة في المجال الزراعي، خصوصاً مسألتي الدعم الكبير الذي تقدمه لمزارعيها، والرسوم الجمركية العالية التي تفرضها على منتجاتها الزراعية، ومن جانبها تحرص الدول الفقيرة على الحصول على المعاملة التفضيلية، في دخول بضائعها لأسواق الدول الغنية.

كما تريد الدول الفقيرة أن تتوقف الدول الغنية وفي مقدمتها دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، عن دعم صادراتها الزراعية بشكل مباشر، حتى يحصل مزارعو الدول الفقيرة على فرصة أفضل في الأسواق العالمية، حيث تعتمد كثير من الدول الفقيرة في اقتصادها على الصادرات الزراعية وتسعى للوصول إلى اتفاق بخصوص المنتجات الزراعية أولاً، قبل أن تفتح أسواقها أمام السلع والخدمات الأخرى.

وبينما تقود البرازيل تيار الدول النامية والفقيرة الداعي لعدم الرضوخ لمطالب الدول الغنية دون الحصول على التنازلات المطلوبة منها في الجانب الزراعي، فإن فرنسا تقود في الجانب الآخر تيار الأغنياء الرافض للتنازلات، وتتخذ موقفاً متشدداً من التخفيضات في الرسوم الجمركية على المنتجات الزراعية، وصلت إلى حد انتقال سياسات المفوضية الأوروبية واتهام المفوض التجاري بتجاوز ما كلفته دول الاتحاد الأوروبي بالتفاوض عليه، وترى أنه قدم الكثير من التنازلات فيما يتعلق بالزراعة.

ويفرض الاتحاد الأوروبي رسوماً جمركية مرتفعة على الواردات الزراعية، ويريد المزارعون الأوروبيون المحافظة على الدعم الزراعي، والاستمرار في إمدادات المنتجات الزراعية، لضمان استقرار الأسعار، وهو ما يراه الآخرون مخالفاً لقواعد تحرير التجارة ويطالبون بتخفيض كبير في هذا الجانب.

وفي المقابل يطالب الاتحاد بخفض كبير للرسوم المفروضة على السلع المصنعة، لإحداث نوع من التوازن بينها وبين التخفيضات في مجال الزراعة، لكن وعلى الرغم من المعارضة الداخلية العارمة التي يواجهها المفوض التجاري الأوروبي، بدا خلال الأيام القليلة الماضية

وكأنه قد أحدث تقدماً في جهوده الرامية لتقريب وجهات النظر بين بعض الدول الرئيسية في الاتحاد خصوصاً فرنسا وبريطانيا، وأعلن أن المفوضية ستطرح عرضاً جديداً بتخفيضات أكبر في رسوم استيراد السلع الزراعية، وذلك في محاولة لإحياء المحادثات الرامية للتوصل إلى صفقة جديدة للتجارة العالمية. وقالت المفوضية في بيان: إنها ستخفض الرسوم على الحاصلات الزراعية في الاتحاد الأوروبي، بنسب يبلغ متوسطها 47 في المئة، على أن يكون الحد الأعلى للخفض 60 في المئة.

وكانت الولايات المتحدة ودول أخرى قالت ان عرضاً سابقاً من الاتحاد الأوروبي بتخفيضات، يقل متوسطها عن 25 في المئة غير كاف. وكان رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروسو قد أكد أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى «نتائج طموحة ومتوازنة بشأن الزراعة» في محادثات هونغ كونغ.

وقال بعد اجتماع مع الرئيس الأميركي جورج بوش في البيت الأبيض قبل بضعة أسابيع: «نريد نتائج طموحة ومتوازنة في الزراعة، لكن ليس فقط في الزراعة، وأود أن أؤكد هذه النقطة، فالخدمات على سبيل المثال مهمة للغاية حتى يمكن لمواطنينا أن يلمسوا بالفعل فوائد العولمة».

من جانبه قال مسؤول تجاري أميركي إنه يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يحسن عرضه؛ لخفض التعرفات الجمركية على الواردات الزراعية، بأن يجمع بين تخفيضات حادة، وعدد صغير من المنتجات «الحساسة» أو المحمية. وعلى الرغم من التشاؤم الذي يسود الأطراف المختلفة يقول الاتحاد الأوروبي ان أحدث عرض قدمه لخفض الرسوم الجمركية على الحاصلات الزراعية يتيح للشركاء فرصة إعادة التوازن إلى محادثات التجارة العالمية،

وتجاوز التركيز المعوق على التجارة الزراعية، لكنه أشار إلى أن المحادثات التجارية أصبحت رهينة كبار المنتجين الزراعيين في العالم، وأن المستويات التي تطمح إليها الولايات المتحدة والبرازيل في خفض الرسوم الزراعية غير مقبولة.

وتقول المنظمات الدولية المهتمة بالإغاثة والشأن الزراعي ان المجتمع الدولي ضيع الكثير من الفرص التي كانت كفيلة بحسم الأمر قبل فترة طويلة مضت. وفي هذا الإطار قالت منظمة أوكسفام التي تنظم حملة تحت شعار (لنجعل التجارة عادلة) ان المحادثات التجارية العالمية تمر بأزمة حقيقية، وإن المفاوضين لا يزالون بعيدين أميالاً عن التوصل إلى توافق حتى على مسودة الموضوعات المفترض طرحها للنقاش.

ورأت ان مجموعة الثماني بددت فرصة ثمينة كانت كفيلة بإعطاء محادثات التجارة العالمية المتوقفة الدفعة التي تحتاجها كما أن التصريحات التي صدرت عن زعماء قمة مجموعة الثماني الأخير عصفت بمفاوضات جنيف مشيرة إلى أن عناد دول المجموعة الغنية ومصالحها الذاتية عرضت جولة مفاوضات الدوحة بأسرها إلى خطر الفشل. وحثت المنظمة الدول الغنية إلى التوقف عن طرح سؤال ما الفائدة التي ستعود علينا واستبداله بسؤال كيف يمكننا إحراز تقدم يساعد الجميع

دبي ـ « مشهد البيان»: