أصبحت العولمة محددة بعدد من المسارات التي تطور معظمها منذ الحرب العالمية الثانية. وهي تشتمل على تغييرات عالمية طالت السلع، المال، المعلومات، الناس، المؤسسات، التطور التكنولوجي، الأنظمة القانونية أو البنية التحتية.. وكل هذه العوامل تجيز التغيير، لكن يجب التذكير في الوقت نفسه أن الوجود الفعلي لهذه المسارات هو مثار جدل.
على الصعيد الاقتصادي، نمت التجارة العالمية بمعدل أسرع من السابق حيث كانت الحواجز الجمركية ومبدأ الحماية يتحكمان بمسار التجارة، كما ارتفعت حصة الشركات متعددة الجنسية في الاقتصاد العالمي، وحدث تطور ونمو في عدد من المنظمات الدولية مثل منظمة التجارة العالمية (WTO) و(WIPO) منظمة حماية الملكية الفكرية، وصندوق النقد الدولي (IMF)
. وأصبحت تلك المنظمات تحكم باتفاقيات التجارة الدولية سواء كانت بين مجموعات إقليمية ودولة أو بين دولة ودولة، أو بين مجموعة وأخرى. وإضافة إلى المتغيرات السابقة، يدخل عنصر تطور الأنظمة المالية العالمية، والتوسع في الانتشار الثقافي اعتماداً على التطور الحاصل في وسائل الاتصال حيث أصبح الفرد يتمتع بحرية واسعة للتعرف على مختلف الثقافات من دون عائق.
وعلى الصعيد الثقافي، أصبح من الممكن أن تؤثر الثقافة المستوردة في بعض أو كل أوجه الثقافة الوطنية، وبالتالي يمكننا مشاهدة تنوع ثقافي في مجتمع ما أو طغيان ثقافي في جانب ما أو ان نرى تغريباً ثقافياً في جانب آخر، وعليه فقد أصبحنا نسمع بالأمركة مثلاً وفي ظل الموجة السينمائية نسمّيه بالهوليوودية.
وتطور مفهوم السفر والسياحة الدوليين وبالتالي بروز ظاهرة الهجرة غير القانونية. وحدث توسع في اعتماد المعايير المطبقة عالمياً في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والعلمية مترافقاً مع ظهور قوانين حماية الملكية الفكرية، كما تناسى التوجيه المتصاعد لدى مختلف الهيئات الحقوقية لتشكيل المحاكم الدولية التي تتماشى مع النمو البارز في كل أوجه العلاقات الدولية وأيضاً ظهور، وبشكل مميز، الحركات والمنظمات التي تدافع عن مجموعة ما أو فرد ما أو قضية ما أمام المحافل الدولية.
غالباً ما يُنظر إلى العولمة على أنها تغريب عالمي، وحول هذه النقطة هناك اتفاق حقيقي بين المؤيدين للعولمة ومن هم ضدها، وأولئك الذين ينظرون بتفاؤل باتجاهها إذ يرونها مساهمة رائعة من الحضارة الغربية باتجاه العالم بأكمله.
من ناحية أخرى، هناك أسلوب متميز لتاريخ التطورات العظيمة التي حصلت في أوروبا، فبداية كانت النهضة، ثم كان التنوُّر الثقافي والثورة الصناعية، وكل هذه قادت إلى زيادة هائلة في مستوى الحياة في الغرب. الآن، هذه الإنجازات العظيمة في الغرب تنتشر في كل أرجاء العالم. ومن خلال هذه الرؤية، فإن العولمة ليست جيدة فقط، إنما هي هدية من الغرب للعالم.
إن أبطال قراءة هذا التاريخ تحديداً يميلون إلى الشعور بالغضب لأن هدية الغرب العظيمة يُنظر إليها على أنها لعنة، وبالتالي يُستهان ويُستخف بها، كما انها (أي العولمة) تُعاقب وتُؤنب من قِبل العالم الناكر للجميل.
من خلال منظور معاكس، يُنظر إلى السيطرة الغربية في بعض الأحيان على أنها استمرار للاستعمار الغربي، وعلى أنها الشيطان الأكبر.
إلى ذلك، فإن الرأسمالية المعاصرة التي تقودها الدول الغربية الأوروبية الجشعة وشمال أميركا، والتي أنشأت قوانين التجارة والعلاقات التجارية العالمية لا تخدم مصالح الفقراء في العالم بل تخدم مصالحها فقط.
أما بالنسبة للاعتزاز بالهويات ـ غيرالغربية المتنوعة ـ تلك المعرفة بالدين (الأصولية الإسلامية) ـ أو عبر المنطقة الجغرافية (الدفاع عن القيم الآسيوية) ـ أو الثقافة (تمجيد الأخلاق الكونفوشيوسية) ـ فستضيف وقوداً إلى نار المواجهة مع الغرب المسيطر.
على خط موازٍ، فإن عدداً كبيراً من واضعي النظريات الاجتماعية يناقش مسألة أن العالم منظم بازدياد وتفشي العولمة، التي تقوي سيطرة النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي، حيث تحل المنظمات والمؤسسات التي تتخطى الحدود القومية، محل أولوية الدول القومية وتجرف الثقافات والعادات المحلية من خلال ثقافة عالمية.
إن الماركسيين، وكلاء الدفاع عن نظرية أنظمة العالم، وأولئك أصحاب المذهب العملي وغيرهم من واضعي النظريات المعاصرين، جميعهم يتفقون على موقف واحد ألا وهو أن العولمة هي مسار مهم يختص بالمرحلة الحالية ويحددها.
إضافة إلى ما سبق، فإن محامي الدفاع العصريين يناقشون مسألة التطور الرأسمالية المتخطية الحدود القومية، المنتجة لمفهوم تاريخي عالمي جديد ما بعد ثورة عصر الفورد (خطوط الإنتاد)، أو ما بعد الحداثة، كمفهوم ثقافي جديد أيضاً للرأسمالية (هارفي 1989 ـ سوجا 1989 ـ جايمسون 1991 ـ وغوتداينر 1995).
أما ما يجب أخذه بعين الاعتبار من خلال النظريات الاجتماعية الحديثة وتلك المتعلقة بما بعد الحداثة، فإن العولمة هي ظاهرة بارزة في عصرنا الحالي. هنا، يُطرح سؤال فحواه: هل العولمة لعنة غربية جديدة؟ أما الجواب فينضوي معناه في أن الحقيقة ليست جديدة وليست بالضرورة غربية، كما انها بالتالي ليست لعنة.
فمنذ آلاف السنين، أدت العولمة إلى ازدهار العالم من خلال السفر، التجارة، الهجرة، انتشار التأثير الثقافي، وإشاعة المعرفة والإدراك (يتضمن ذلك العلوم والتكنولوجيا). إن علاقة التبادل العالمية كان لها دور منتج في تنمية عدد من الدول، لم تأخذ هذه الدول بالضرورة شكلاً معيناً للأثر الغربي المتزايد.
وفي الواقع، إن العوامل الفعلية للعولمة كانت قائمة بعيداً عن (الغرب)، وتحديداً نستطيع أن نقول إن الشرق هو مهد الحضارات وبالتالي اتجاه العولمة كان من الشرق إلى الغرب. ولتوضيح هذه الفكرة، أقترح عليكم تأمل العالم في بداية الألفية السابقة، وتحديداً نحو 1000 AD، ستجدون أن المد العالمي للعلوم والتكنولوجيا والرياضيات كان في اتجاه مغاير لما نراه اليوم، وبصورة مبسطة من الشرق إلى الغرب.
فالتكنولوجيا العالية في العالم في 1000AD، تمثلت ب: الورق، المطابع، القوس، النشاب، البارود، سلاسل الجسور الحديدية، الطائرات الورقية، البوصلة المغناطيسية، الطب، الرياضيات، والفلسفة.
كانت هذه الأدوات والنماذج في الألفية الماضية مستخدمة إلى حد بعيد في الصين، لكنها لم تكن معروفة حكماً في أمكنة أخرى. وإذا رجعنا أكثر بالتاريخ لنصل إلى ميلاد الحروف الأبجدية إلى مملكة اوغاريت والتي كان يقطنها الكنعانيون نجدهم اخترعوها وصدّروها إلى العالم، وفيما بعد أصبحوا يتقنون لغات عدة.
إذاً هذه العولمة هي التي نشرت المعرفة عبر العالم وهي التي أسست للعولمة الحديثة. ولعل الرياضيات تُعتبر أكبر مثال على أن ما يحصل اليوم، حصل بالأمس، أو حصل ما يشبهه. والرياضيات «الغربية» هي خير مثال على هذا الموضوع. فنظام الكسر العشري انبثق وتطور بصورة كبيرة في القرن السادس في ظل الامبراطورية الإسلامية، ويُستخدم هذا النظام حتى يومنا هذا وقد استخدمه علماء الرياضيات منذ ذلك الحين.
أما بالنسبة للأفكار والابتكارات الجديدة في الرياضيات، فهي وصلت إلى أوروبا في الربع الأخير من القرن العاشر، وبدأ أثرها بالظهور في السنوات الأولى من الألفية الثانية، كما لعبت دوراً كبيراً في الثورة العلمية التي ساعدت في تبديل معالم أوروبا الحضارية.
يعني هذا أن العولمة ليست أوروبية ولا غربية على سبيل الحصر، وليست بالضرورة مرتبطة بالسيطرة الغربية. في الواقع، إن أوروبا تحديداً كانت فقيرة اقتصادياً، ثقافياً، وعلمياً ـ وفي ذلك الوقت قاومت عولمة الرياضيات، العلوم، والتكنولوجيا.. أما اليوم، فالمبدأ نفسه يتم تطبيقه لكن في المنحى المعاكس، أي (من الغرب إلى الشرق).
إن رفض عولمة العلوم والتكنولوجيا لأنها تمثل السيطرة الغربية والاستعمارية، لا يتلخص بتخطي المساهمات العالمية ـ المستمدة من أجزاء مختلفة من العالم ـ التي تتمدَّد خلف ما يُسمَّى «بمتانة» العلوم والتكنولوجيا الغربية، لكن هذا القرار يمكن أن يكون سخيفاً، في ظل وجود نطاق كبير لاستفادة العالم من خلال ما يُسمَّى بالعولمة.
باحث اقتصادي
بقلم : د. شوقي إبراهيم