ظل الاقتصاد الياباني يعيش خلال السنوات العشر الماضية حالة من التذبذب صعوداً وهبوطاً مما عرض مركزه لخطر التحول إلى أي من اقتصادي الصين وكوريا الجنوبية الصاعدين بقوة. وأدى تكتل الاتحاد الأوروبي وبروزه كوحدة اقتصادية قوية أيضاً إلى إصابة الاقتصاد الياباني بشيء من عدم التوازن، إذ فقد الكثير من أسواقه التقليدية.
وبلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي دخلت الصين حتى عام 2004 أكثر من 560 مليار دولار، وإلى جانب هذا تطور الشركات الصينية المحلية نفسها بسرعة وبعضها أصبحت لديه القدرة على إنتاج كل أنواع المنتجات.
وفرض دخول الشركات الغربية العملاقة الأخرى إلى الصين على الشركات اليابانية منافسة ضارية، تواجه المنتجات اليابانية والتقليدية مثل الالكترونيات منافسة شرسة في الأسواق العالمية بسبب غزو المنتجات الصينية الرخيصة، ومن السهل أن نتوقع استمرار تأثير تضارب المصالح بين الشركات اليابانية ورغبات الحكومة اليابانية على السياسة الخارجية لطوكيو في المستقبل بصورة أكبر، بعد أن كانت العلاقة وطيدة بين الشركات اليابانية وحكومة بلادها بشكل تقليدي في الماضي.
ويرى المحللون ان مسيرة الإصلاح البطيئة التي تنتهجها اليابان تخاطر بفقد القوة الدافعة للاقتصاد التي حققتها خلال السنوات الماضية، كما أن المؤشرات الحيوية لصحة الاقتصاد مثل الاستهلاك الشخصي والاستثمارات في مجال الأعمال ما زالت ضعيفة.
وفي حين أن الانخفاض في إنفاق رأس المال توقف عن الارتفاع خلال الفترة الأخيرة، لكن الإنفاق الاستهلاكي مستمر في التقلص، وعديد من الشركات تعيد ترتيب نظام الأجور، والمكافآت وقوة العمل، ووصلت البطالة لمستويات عالية غير متوقعة مقارنة بسجلات الخمسينيات، والمؤكد أن الإنفاق الاستهلاكي لن ينتعش ما لم تتحسن صورة العمل.
وكان الاقتصاد الياباني قد تمكن من خلال الشراكة القوية والتحكم في التكنولوجيا الحديثة وخفض الإنفاق العسكري للبلاد، من تحقيق طفرة اقتصادية سريعة حتى أصبح ثاني الاقتصاديات في العالم بعد الولايات المتحدة، قبل أن يواجه المنافسة الصينية ـ الكورية الحالية.
لكن وعلى الرغم من التراجع الأخير ما زال الاقتصاد الياباني يمتلك مقومات أساسية مهمة مثل وجود علاقات قوية بين الصناعيين، المتعاملين والموزعين ونقابات عمالية قوية مع وجود عدد قليل من النزاعات، إضافة إلى ضمان حق العمل مدى الحياة لشريحة كبيرة من عمال قطاع الصناعات، الأمر الذي يؤدي إلى الاستقرار في هذا القطاع.
وتعتبر الصناعة هي القطاع المهيمن على الاقتصاد، وتعتمد بشكل أساسي على صادرات المواد الأولية والطاقة، وعلى الرغم من أن القطاع الزراعي يشغل حجماً أصغر في اقتصاد البلاد، إلا أنه يحظى بدعم كبير من الحكومة.
وانطلاقاً من هذه المقومات عرف الاقتصاد الياباني نمواً كبيراً خلال السنوات الماضية بلغت 10% سنوياً خلال الستينات، 5% سنوياً خلال السبعينات، 4% سنوياً خلال الثمانينات. ثم تناقصت وتيرة النمو خلال التسعينات بسبب الاستثمارات الضخمة خلال الثمانينات والسياسة التقشفية التي انتهجتها الحكومة للتخلص من الفائض في الأسواق المالية والعقارية، وزاد الأمور سوءاً الركود الذي عرفته اقتصاديات كل من الولايات المتحدة ثم بلدان آسيا في الفترة نفسها.
ونشأ الاقتصاد الياباني على أنقاض الحرب العالمية الثانية، وكان من المتوقع أن يكسب رهان الصراع الاقتصادي في القرن الحالي أو على الأقل أن يبقى قطباً اقتصادياً له ثقله في الاقتصاد العالمي، فمنذ عشرين عاماً فقط كان الناتج القومي الإجمالي للفرد في اليابان لا يتجاوز نصف مثيله في الولايات المتحدة، ولكنه يفوقه الآن من الناحية الفنية بمقدار 22%.
فبينما لم يكن يوجد في عام 1970 بنك ياباني واحد بين أكبر خمسة عشر بنكاً في العالم كانت توجد في عام 1990 عشرة بنوك يابانية من هذه البنوك الكبرى، على حين كانت بنوك القمة الستة كلها يابانية، وكانت اليابان في عام 1970 تملك 5% من سوق السيارات الأميركية، إلا أنها كانت في عام 1990 تمتلك 28% منها، كما اكتسحت اليابان صناعة الالكترونيات الاستهلاكية الأميركية. وأصبحت أيضاً أكبر دائن صاف في العالم، وأصبح لديها أكبر فائض تجاري.
وتتميز اليابان باهتمامها بالاستثمار في الموارد البشرية والتركيز على النظام التعليمي، ويزيد الإنفاق في البحث والتطوير في القطاع المدني الياباني على مثيله في الولايات المتحدة بمقدار 50% ويزيد كذلك على مثيله في ألمانيا وباقي دول أوروبا