رسم الرئيس الأميركي جورج بوش في آخر حديث له عن الوضع الاقتصادي صورة وردية لاقتصاد الولايات المتحدة، لكن في الجانب الآخر تعكس آراء الخبراء واستطلاعات الرأي العام واقعاً مغايراً. وكرّر بوش القول إن وتيرة النمو الأميركي هي الأسرع في العالم.

وتتناقض رؤية بوش تماماً مع تقارير الهيئات الاقتصادية الأميركية، حيث أكد مجلس الاحتياطي الأميركي أن ضغوط التضخم لا تزال تحاصر اقتصاد البلاد، وقال بن برنانكي رئيس مجلس الاحتياطي إن ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع ثقة المستهلكين وتفاقم مشكلة البطالة كلها مشكلات تمثل تحدياً أساسياً أمام عجلة الاقتصاد الأميركي.

ويقول المدافعون عن بوش إنه ورث لدى وصوله الحكم في يناير 2001 اقتصاداً يعاني من الانكماش الذي تفاقم أكثر بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، ثم ارتفاع النفقات العسكرية نتيجة للتدخلات الأميركية في أفغانستان والعراق، وأخيراً أضيفت مشكلتا ارتفاع الطاقة وإعصار كاترينا.

واعترف بن برنانكي بأن أسعار النفط المرتفعة تشكِّل عبئاً على الأسر والشركات وتكلفات الإنتاج، إلا أنه اعتبر أن الاقتصاد الأميركي لم يتباطأ بفعل هذه المسألة فقط، وأشار إلى مشكلات أخرى مثل مشكلة ارتفاع تكاليف الخدمات الصحية التي تخفض الدخل الحقيقي للأسر.

لكن في الجانب الآخر يذهب المنتقدون إلى القول إن الطريقة التي يدير بها بوش وطاقمه دفة الاقتصاد والمتمثلة في محاولة السيطرة على وضع الدولار عن طريق سياسة الرفع المستمر لأسعار الفائدة وتخفيض النفقات الاجتماعية، وعدم ملامسة المشكلة الحقيقية المتمثلة في تراجع الناتج الصناعي والتركيز على الصناعات العسكرية، إضافة إلى أن أخطاء السياسات الخارجية هي التي أفضت إلى الوضع الحالي.

وكان رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق غرينسبان قد دق ناقوس الخطر قبل بضعة أسابيع من مغادرته، وأبدى صراحة كبيرة بشأن عجز الميزانية، وقال إن احتمال مستقبل الأمور المالية تشكل عائقاً كبيراً أمام الوصول إلى استقرار طويل الأمد، ذلك لأن عجز الميزانية لا يخضع بسهولة لقوى السوق التي تعطي الاستقرار أكثر من غيرها.

وحذّر غرينسبان من أن المستثمرين الأجانب الذين يبدون الرغبة في إقراض الولايات المتحدة بما فيهم البنوك المركزية الأجنبية قد يتوقفون عن شراء الأسهم والسندات الأميركية التي تتأثر بقوة بأسعار الطاقة وثقة المستهلكين المتأرجحة.

وسجل الاقتصاد الأميركي أبطأ نسبة نمو منذ عامين خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2005، حسب أرقام أصدرتها وزارة المال الأميركية. وتُعتبر المؤشرات الاقتصادية الأميركية الأخيرة هي الأضعف منذ الربع الأول منذ عام 2003 الذي شهد نمواً لم يتخط نسبة 9,1%. وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية في أكتوبر الماضي أن عجز الموازنة الفيدرالية بلغ مستوى قياسياً بوصوله إلى 413 مليار دولار لعام 2004 مسجلاً ثاني مستوى قياسي على التوالي منذ تولّت إدارة الرئيس جورج بوش السلطة.

ويتوقع الخبراء أن يرتفع عجز الموازنة الأميركية خلال الفترة المقبلة إلى أرقام غير مسبوقة رغم الهدوء النسبي في أسعار النفط. ويشكِّل العجز المستقبلي للخزانة الأميركية خطراً على الاقتصاد الذي يعاني من مشكلات أخرى مثل عدم التوازن التجاري الذي بلغ مستويات قياسية، ومعدلات الادخار التي بلغت أيضاً انخفاضاً قياسياً.

وفي هذا الإطار، تضمّن التقرير الذي رفعته اللجنة الأميركية الخاصة بمتابعة العلاقات الاقتصادية مع الصين مؤشرات خطيرة حول وضعية الميزان التجاري مع بكين، وتوقع أن يصل العجز في الميزان إلى 200 مليار دولار بنهاية العام الحالي لمصلحة التنين الأحمر.

ودفع التقرير بعض الأقلام لصبّ جام غضبها على الجانب الصيني، بينما كان البعض الآخر منطقياً في محاولته إيجاد الأسباب التي أدت إلى وصول العجز إلى هذه الأرقام المخيفة وفي مقدمتها تآكل البنية التصنيعية في الولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة التي شهدت تركيزاً كاملاً على التصنيع الحربي على حساب تطوير البنيات الصناعية الأخرى،

مما دفع جون كوتلير رئيس مصرف جيفيريس كوارترديك للاستثمار الذي يركز نشاطه في وول ستريت ويُعتبر أحد أهم المصارف الاستثمارية التي تدير نشاط الأسهم هناك إلى القول: «تشكِّل العولمة التحدي الأخير للولايات المتحدة الأميركية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إذ إن مصانع وشركات التصنيع الحربي ستتحوَّل إلى مموِّل أساسي للاقتصاد الأميركي»