باعتياد المستثمرين على حركة التداول، وتغير مستويات الأسعار بشكل يومي بات العمل في سوق الأسهم مشمولاً بمسمى العمل »الروتيني«، ولكن المتابع لأداء الأسهم داخل قاعة التداول في سوق دبي المالي يلاحظ، نكهة خاصة أضفاها العنصر الأنثوي، على التعاملات وطبيعة الجو العام داخل القاعة، إلى درجة أصبح عدد منهن معلماً رئيسياً من معالم السوق، ووجودهن يبعث شيئاً من الطمأنينة والارتياح في نفوس من يعرفوهن ويستقون أفكارهم وقراراتهم منهن!!

حالات نادرة

»وفاء« شابة، مستثمرة، إماراتية، وجودها في قاعة التداول ركن أساسي من أركان السوق، لا أحد يمكنه إحصاء عدد المكالمات الهاتفية التي تنفذها في الدقيقة الواحدة، أو المساحة التي تستخدمها من أرضية القاعة في استقراء الأسهم لكثرة تحركها بين المستثمرين، يستوقفها هذا وتستوقفها تلك، كل يسأل »شو رأيك؟«، »على أي سعر نشتري؟«، »شو السهم الأفضل؟«، ودون أي تردد تدلي بدلوها وتقدم النصائح للمستثمرين والمستثمرات.

وتقول وفاء »أنا متواجدة في سوق دبي المالي منذ فترة تجاوزت العام، ولدي الآن خبرة لا يستهان بها في هذا المجال، وتمكنت بحمد الله أن أعلم نفسي بنفسي، ولكنني اقتنعت بالدخول في السوق بعد عملي في قسم المقاصة التابع للسوق، واستقلت بعدها لظروف خاصة، فقررت ان أدخل السوق وأمارس تجارة الأسهم كأي مستثمر في السوق، لأني كنت على قناعة بأنني سأحقق أرباحا وتقدماً في هذا المجال«.

قد تكون حالة وفاء نادرة من نوعها من بين المستثمرات الحاصلات على أرقام مستثمر، واللاتي بلغ عددهن حتى نهاية نوفمبر الماضي 73.042 مستثمرة، وهو ما يؤكد المقولة التي تفيد بأن الزحف النسائي طال كل الفعاليات الإقتصادية في الدولة، فلا شيء يمنع دخولهن إلى أي باب استثماري أو تجاري،

في ظل التطور الحاصل في كافة المحافل الإقتصادية في الدولة والتي لطالما لاقت تشجيعاً ملموساً من المسؤولين لتشكل عنصر جذب للنساء اللاتي يجدن في أنفسهن القدرة على خوض هذه المضامير. وأظهرت النتائج الصادرة عن سوق دبي المالي ارتفاع عدد النساء المستثمرات في سوق دبي المالي بنسبة 70% بمقدار 30 ألف سيدة دخلت السوق منذ يناير 2005 وحتى نهاية نوفمبر من العام الجاري.

محفظة نسائية

وفي ظل هذه الخبرة التي اكتسبتها وفاء من السوق، أشارت إلى أنها تلقت عددا كبيرا من العروض لإدارة محافظ خاصة، إلا أنها رفضت وعللت ذلك بقولها »العب وحدك تيجي راضي«، فتحركات الأسعار كثيرة ولا أحد يشعر بالراحة إذا كانت أمواله بيد غيره أو أنه مؤتمن على أموال غيره، مشيرة إلى أنها تقدم لأهلها على سبيل المثال النصح فقط وليست على استعداد لتحمل عبء أموالهم، ولكن هذا لا يعني أنها لا تستعين بأحد فشقيقها متواجد في سوق أبوظبي وهي على اتصال دائم به.

يفضلن الرجال!

وفرت إدارة سوق دبي المالي، قاعة خاصة للنساء ليتمكن من الجلوس فيها دون حاجة للتواجد والوقوف بين الرجال أو التدافع معهم في ظل الازدحام الذي تشهده القاعة على طول فترة التداول، إلا أن سيدة في أواخر الخمسين، تقف في القاعة بجانب الحائط وتنظر بتركيز واهتمام لا متناهيين في الشاشات، بطريقة مختلفة عن غيرها من السيدات،

وعند سؤالها عن مدى اهتمامها في السوق، أشارت إلى أنها هنا – في قاعة التداول – لتتمكن من التداول على أسهمها، واتخاذ قراراتها دون تشويش، ولتتمكن من كل هذا، إذا لا بد من أن تتواجد في القاعة الرئيسية لتسمع كل كلمة وهمسة ولتكون قريبة من ابن أختها الذي شجعها أصلاً على دخول السوق واستثمار أسهمها، وتقول: »التواجد في قاعة النساء مبعث للقلق والتشويش،

ولا تستطيع اتخاذ قرارك بالبيع أو الشراء في ظل كثرة الأحاديث الجانبية و»السوالف« التي لا تنتهي، إضافة إلى ذلك فإن معظم النساء يتصلن باستمرار بأزواجهن وأبنائهن ليتخذن قرارهن بالنسبة لهذا السهم أو ذاك، لذا فإن وجودي مع ابن أختي في قلب القاعة يوفر علي الكثير«، هذا ما أكدته وفاء أيضاً.

فقد أشارت إلى أن البعض يسعى إلى تضليل المستثمرين من حوله وكأن كل واحد منهم يريد تحقيق الربح لنفسه بمنأى عن الآخرين، مما جعلها تتجه إلى قاعة التداول الرئيسية، ولكن هذا لم يجعلها تهتم بالشائعات، وتقول »أنا من جهتي لا أحب السماع للشائعات

وأقوم بإغلاق أذني إذا ما حاول أحد أن يعمد إلى تبليغي إشاعة واردة، فأنا لا أهتم إلا بالإفصاح والقرارات الواضحة التي من شأنها أن تساعدني على اتخاذ قراراتي فضلا عن تقارير وآراء المحللين ونصائح الوسطاء والعائلة«.

ويشير أحد الوسطاء إلى ان أغلب النساء اللاتي يتعاملن معه لا يواجه معهن أي مشاكل أو عقبات بل على العكس فأغلب النساء يقدمن طلباً واضحاً، وقلما يتراجعن عنه ، ويضيف »أشعر بأنهن عمليات أكثر من الرجال في شأن التداولات واتخاذ القرار، وروح المغامرة عندهن عالية،

وقلما يخرجن من السوق بشكل سريع، إلا أننا لاحظنا خلال هذا العام أن عدداً لا بأس به منهن يتداولون الأسهم كمضاربات محترفات، ويمكنهن أن يحركن التداولات بشكل واضح، من خلال عرض أو عرضين ينزلن به إلى السوق، وأنا شخصياً أعرف أناساً يتحدثون مع بعض السيدات المستثمرات في السوق لأخذ النصيحة والمشورة منهن«.

أما بالنسبة للمستثمرة ساشا (هندية الجنسية) فقد قالت »أنا هنا بجانب وسيطي وشقيقي، وأستطيع سماع الأحاديث المختلفة عن التداولات وتحركات الأسعار وفهم السوق دون تكبد عناء الذهاب إلى قاعة النساء التي كان الغرض من إنشائها للنساء اللاتي لسن على استعداد للوقوف بين الرجال وتحمل زحمة البشر في القاعة، كما ان النساء المتواجدات في الأعلى هم عربيات وأنا لا يمكنني فهم ما يتحدثن به، لذا فإن التواجد مع الرجال يفيدني إلى حد بعيد.

بيع وشراء

وتشير إحصاءات السوق إلى أن قيمة الأسهم التي تم شراؤها حتى نهاية نوفمبر من قبل النساء بلغت 22.411 مليار درهم بارتفاع نسبته 1700% عن قيمة الأسهم التي تم شراؤها في نفس الفترة من العام الماضي بإجمالي بلغ 1.244 مليار درهم، أما بالنسبة لكمية الأسهم التي تم شرائها فقد بلغت 1.457 مليار سهم بنسبة ارتفاع بلغت 990% مقارنة مع كمية الأسهم التي تم شراؤها في العام الماضي والبالغ مجموعها 133.786 مليون سهم.

وعلى الجانب الآخر فقد أظهرت الإحصائيات، أن قيمة الأسهم التي تم بيعها في سوق دبي حتى نهاية نوفمبر بلغت 22.701 مليار درهم، بنسبة ارتفاع بلغت 1361% عن قيمة الأسهم المباعة في العام الماضي بمجموع بلغ 1.553 مليار درهم، وارتفعت كمية الأسهم المباعة إلى 1.463 مليار سهم بنسبة بلغت 902% مقارنة مع مجموع الأسهم التي تم بيعها في العام الماضي بمجموع بلغ 146.034 مليون سهم.

وعلى هذا الأساس تشير وفاء إلى ان عددا من النساء يفضلن أسهماً عن غيرها مثل سهم إعمار وأربتيك واللوجستية وتبريد، مشيرة إلى أن أغلب النساء لا يبحثن عن المضاربة والربح السريع بقدر الاستثمار طويل الأجل وهو سر النجاح الذي يبعدهن عن الوقوع في شرك الخسائر التي مني بها أغلب المستثمرين في التصحيح الأخير الذي أدى إلى قلق لا مبرر له من جانب المستثمرين.

كتب سمير حماد