يرد إلى مسامعك: »لا وجود لأساس واحد متين للتمييز بين مبنى جيّد وآخر سيّئ، وبين مدن جيّدة وأخرى سيّئة، وأنّ الفرق في الواقع هو مسألة نسبيّة«. لا وجود إلاّ لطريقة واحدة للبناء، طريقة لم يغيّرها الزمان. عمرها آلاف السنوات وهي اليوم كما كانت عليه دائماً.

فلطالما صنع ناس، أقرب ما يكونون إلى جوهر هذه الطريقة، المبانيَ التقليديّة العظيمة من الماضي، والقرى والخيام، حيث شعر الإنسان فيها أنّه في بيته. ولا يمكن بناء مبانٍ عظيمة، مدن عظيمة، أماكن جميلة، أماكن تشعر فيها بذاتك، تشعر فيها بتدفّق الحياة فيك، إلاّ باتّباع هذه الطريقة.

فهي تقود أيّ شخصٍ يبحث عنها إلى مبانٍ شكلها قديم كما هي الأشجار والتلال، كما هي وجوهنا... قديمة. هي عمليّة بناء ينمو عبرها نظامُ مبنى أو مدن مباشرة من الطبيعة الداخليّة للناس، للحيوانات، للنبات وللمادّة الموجودة كلّها فيها.

هي عمليّة تتيح للحياة الكامنة في إنسان، في عائلة، في مدينة بأن تنمو، بعفويّة وحريّة، نموّاً مفعماً بالحيويّة حتّى إنّها تعطي الحياة، بإرادتها، للنظام الطبيعيّ الضروريّ للحفاظ على الحياة.

ولكلّ منّا، في منزلة ما من قلبه، حلمٌ بأن يصنع عالماً حيًّا، كوناً حيًّا. ونحن، مَن كانت الهندسة علمَنا، تسكننا هذه الرغبة: رغبة بأن نبني في يوم ما، في مكان ما، بطريقة ما، بناءً يخطف الأنظار ويسلب الأنفاس ببداعته وجماله، مكان يمكن الناس أن يمشوا ويحلموا فيه لقرون وقرون.

بشكل ما، لكلّ إنسان حلمٌ شبيه بذلك الحلم: فمهما تكن، لعلّك تحلم بأن تبني يوماً ما أجمل بيت لعائلتك، يضمّ حديقة، نافورة مياه، بركة سمك، غرفة كبيرة بضوء خافت... والأزهار تنتشر في خارجه والعشب النديّ يفوح عطراً.

وبأسلوب ما، أقلّ وضوحاً، لكلّ من يهتمّ في المدن الحلم ذاته. فالقدرة على بناء مبان جميلة تكمن بالفعل في كلّ منّا؛ هي جوهر يبلغ من البساطة والعمق حدّاً حتّى إنّه مطبوع فينا منذ ولادتنا؛ ولا أقول لكم تعبيراً مجازيّاً بل أقول لكم الحقيقة.

تخيّلوا أجمل الأماكن وأعظمها ممّا وقع نظركم عليه أو حلمتم به يوماً؛ فإنّما تملكون القدرة على خلقه.وهذه القدرة التي نملكها متجذّرة ومتماسكة بصلابة في كلّ منّا حتّى إنّها ما إنْ تُحَرّر تسمح لنا بأن نفهم العمليّة التي تبني النظام من لا شيء.

وهذه القدرة، الكامنة فينا، نظام غنيّ يترنّح، يتضخّم، يموت، يغنّي، يضحك، يصرخ، يبكي وينام... ولو أنّنا نسمح لهذا النظام بأن يقود ما نقوم به من بناء وما نساعد في بنائه من مدن، نغدو غابات القلب الإنسانيّ ومروجه الخضراء.

علينا أوّلاً أن نتعلّم القاعدة التي تلقّننا العلاقة الحقيقيّة بين أنفسنا وما يحيط بنا. علينا أوّلاً أن ندرك تلك الميزة المجرّدة من اسم، لنسعى إلى طريقة البناء التي لا يغيّرها زمان.فثمّة ميزة رئيسيّة هي المعيار الجذريّ للحياة والروح في إنسان، مدينة، مبنى، أو بريّة. وهذه الميزة موضوعيّة ودقيقة ولكنّ تسميتها محال.

ولا تكون يوماً هي نفسها لأنّها دائماً ما تتّخذ شكل المكان الذي تحدث فيه. فهي هادئة هنا وعاصفة هناك؛ هي مرتّبة في هذا الإنسان ومهملة في ذلك؛ هي ساطعة في بيت وداكنة في آخر؛ هي لطيفة وصامتة في غرفة وشاحبة في أخرى. هي حبّ النزهات في عائلة وحبّ الرقص واللعب في أخرى. وهي، في مجموعة أخرى من الناس، ليست أبداً الحياة العائليّة.

هي نوع رقيق من الحريّة النابعة من تناقضات داخليّة. يتمتّع نظام بهذه الميزة متى صالح ذاته؛ ويفقدها متى تقسّم.يتمتّع بها متى كان صادقاً مع قواه الداخليّة؛ يتمتّع بها متى سالم ذاته.وبالفعل، فإنّ هذه الحريّة الرقيقة والمعقّدة النابعة من تناقضات داخليّة هي الميزة ذاتها التي تجعل الأشياء حيّة.

في عالم الأشياء الحيّة، لا يمكن كلّ نظام أن يكون حقيقيّاً صادقاً مع ذاته عبر تقليد أيّ معيار مفروض من الخارج لما يجدر به أن يكون عليه.فهذه الفرادة، إن تمتّعنا بها أو افتقرنا إليها، هي الميزة الأساسيّة لكلّ شيء؛ فهي تشمل كلّ شيء؛ تشمل القصيدة والناس، تشمل البناء، تشمل الغابة والمدينة.

وهي تحدث لأنّ الميزة الأساسيّة الوحيدة التي تميّز بين الجيّد والسيّئ ليست بمسألة نسبيّة، ولكنّها مجرّدة من اسم لأنّه من المستحيل بكلّ بساطة إطلاق اسم عليها؛ لأنّ تلك الميزة فيها من الدقّة ما يقيها الوقوع في الخطأ، فيها من الدقّة ما يتخطّى أيّ كلمة.