أكد المفوض التجاري الأوروبي بيتر ماندلسون أمس أن مفاوضات تحرير التجارة العالمية الدائرة في هونج كونج لليوم الرابع على التوالي دخلت مرحلة »مقلقة« مع استمرار رفض الدول المشاركة الوصول إلى حل وسط. وأضاف »تراجع مستوى الطموحات.. والاتجاه الظاهر الآن في الاجتماعات هو القلق«.

وأوضح ماندلسون إنه مع دخول مفاوضات منظمة التجارة العالمية اليوم الرابع دون تحقيق تقدم حقيقي على صعيد الملف الزراعي أو المساعدات الغذائية للدول الفقيرة لا يوجد أساس واضح للمفاوضات. وأضاف »يواجه بعض الناس في هونج كونج خطر افتقاد رؤية الأهداف الاستراتيجية في الوقت الذي تتبنى فيه خيارات تكتيكية«.

وجاء تحذير المفوض التجاري الأوروبي في الوقت الذي تتعثر فيه مفاوضات منظمة التجارة العالمية نتيجة رفض الاتحاد الأوروبي مطالب البرازيل والولايات المتحدة والهند بوقف الدعم الزراعي في الاتحاد بحلول 2010.

وقال ماندلسون إن الاتحاد الذي يضم 25 دولة سيوافق على هذا الطلب إذا قدمت الدول الأخرى تنازلات مقابلة مشيرا إلى ضرورة توقف الولايات المتحدة عن إغراق أسواق الدول النامية بفائضها من المنتجات الغذائية في صورة مساعدات غذائية وقيام أستراليا ونيوزيلندا بفرض قيود أشد صرامة على التكتلات الزراعية التي تديرها الحكومة في الدولتين.

وتعثرت محادثات هونج كونج الرامية للتمهيد لإجراء مفاوضات نهائية في العام المقبل حول جولة جديدة من مباحثات منظمة التجارة العالمية. وتعرض الاتحاد الأوروبي لضغوط من دول مثل الولايات المتحدة والبرازيل واستراليا لعدم تقديم تنازلات كافية فيما يتعلق بتجارة الحاصلات الزراعية.

لكن أوروبا تقول إنها بذلت جهدا كافيا وأنها تريد الآن من الولايات المتحدة واستراليا وكندا ونيوزيلندا الموافقة على إصلاح نظمها لدعم الصادرات الزراعية قبل أن توافق على تحديد موعد لإنهاء دعم الصادرات الأوروبية.

ويقول المحللون إن المفاوضون عاجزون عن إغلاق مفاوضاتها حول قضايا الدعم الزراعي وخفض الحواجز الجمركية في وقت استمر خلاف الدول النامية والولايات المتحدة مع الاتحاد الأوروبي مخيما على الاجتماعات حول قضية الدعم.. فيما هدد الأفارقة بإفشال الاجتماع إذا لم يتم تحقيق أي تقدم في الشق الزراعي وفي قضية القطن تحديدا.

وخلال اليوم الثالث تزايدت أعداد الدول المتشائمة من إمكانية التوصل إلى أي اتفاق خلال المؤتمر الحالي وأصبح الحديث أكثر اتساعا عن إمكانية نقل المفاوضات الحالية إلى جنيف في ابريل المقبل ليكون استكمالا لمؤتمر هونغ كونغ وتلطيفا للغة الفشل المحتمل غير المحببة لدى المنظمين والدولة المستضيفة.

وأعلن رئيس المؤتمر وزير التجارة في هونغ كونغ جون تسانغ في ختام اجتماعات أمس عن أن مفاوضات الخدمات والشق الزراعي لم تحرز أي تقدم خاصة فيما يتعلق بالدعم الزراعي الذي تقدمه الدول المتقدمة لمزارعيها والذي تطالب الدول النامية بإزالته أو تخفيضه إلى حدوده الدنيا.. فيما أبقى الباب مفتوحا لمزيد من المفاوضات والنقاشات حول هذه القضايا خلال اليومين المقبلين.

وأشار رئيس المؤتمر إلى تقديم الدول الأعضاء لمقترحاتها حول المواضيع الأخرى مثل التجارة والتنمية والتجارة الالكترونية وقضايا التنفيذ والتي ستتم دراستها خلال الأيام المقبلة.

وأعلن همايون أختر خان وزير التجارة الباكستاني وأحد ميسري مباحثات النفاذ لأسواق السلع غير الزراعية عن عدم التوصل إلى أي اتفاق حول هذه القضية..مستبعدا التوصل إلى أي صيغة تساعد على تحديد نسبة الرسوم الجمركية على هذه المنتجات.

واتبع أختر سياسة الباب المفتوح أيضا عندما أشار إلى تقديم بعض الدول لمقترحات حول تخفيض الرسوم الجمركية على المنتجات غير الزراعية.واعتبر سعيد النصيبي مدير شؤون منظمة التجارة العالمية في وزارة الاقتصاد والتخطيط أن أمام المفاوضين فرصة أخيرة اليوم لإمكانية التوصل إلى حلول توافقية حول القضايا المتعثرة ومنها الشق الزراعي..

مشيرا إلى صعوبة التوصل إلى مثل هذه الحلول خلال اليومين الأخيرين للمؤتمر. وكشف النصيبي أن فشل مفاوضات هونغ كونغ يعني نقل المفاوضات مرة أخرى إلى جنيف والتي يمكن أن تكون في إبريل المقبل.

في هذه الأثناء رفضت الدول النامية أي تنازلات في قضايا المفاوضات وخاصة في النفاذ لأسواق السلع غير الزراعية..واشترطت تقديم مثل هذه التنازلات في هذه القضية الحصول على تنازلات مقابلة من الدول المتقدمة حول الدعم الزراعي.

وفي تطور لافت لمحادثات النفاذ لأسواق السلع غير الزراعية قامت مجموعة مركزية مكونة من تسع دول نامية بقيادة الهند وجنوب إفريقيا بإرسال خطاب لرئيس المؤتمر أكدوا فيه أن أسس المفاوضات الحالية لا تعكس قضايا التنمية بشكل ملائم.

وأعلنت المجموعة أنه قد طلب من أعضائها إجراء تخفيضات جمركية غير متكافئة.. مؤكدة أن الدول النامية لا يمكنها تحمل نفقات الإصلاحات المطلوبة في القطاعات الزراعية للدول المتقدمة.

وفي إشارة للتجارة الزراعية بشكل رئيسي طالبت المجموعة بتقييم أهداف النفاذ لأسواق السلع غير الزراعية مقارنة بالأهداف التي تم تحقيقها في المفاوضات الأخرى للنفاذ للأسواق.

من جهة ثانية هددت الدول الإفريقية المنتجة للقطن بعدم المشاركة من جديد في توافق قد يتم التوصل إليه في هونغ كونغ في غياب التزام من الدول الغنية حول خفض دعم صادرات القطن التي تؤثر على الأسعار العالمية.

وقال رئيس رابطة منتجي القطن الإفريقية إبراهيم مالوم »جئنا للتوصل إلى نتائج عملية وليس لسماع مقترحات لن تحترم أبدا«.ولوحظ من خلال كلمات الدول التي ألقيت أمس اتساع الهوة بين مطالب الدول النامية ومواقف الدول المتقدمة في العديد من القضايا خاصة في الشق الزراعي.

وتطالب البلدان النامية البلدان الأغنى مثل الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي بخفض الدعم الذي تقدمه لمزارعيها حيث تقول هذه الدول ان منتجيها ليس بوسعهم المنافسة أمام الأسعار الأقل المدعومة لمنتجات مزارعي البلدان الغنية.

من ناحيته أعرب المفوض التجاري للاتحاد الأوروبي بيتر ماندلسون عن دهشته من استمرار الدول النامية في التركيز على موضوع الزراعة..وقال »هناك إصرار بان نتكلم عن الزراعة ولا شيء غير الزراعة..لكننا نحتاج إلى أن نضع الكثير من المواضيع على الطاولة وليس فقط الملف الزراعي« مشيرا إلى ضرورة التطرق إلى موضوع تحرير التبادل التجاري في المجال الصناعي والخدمات«.

ورأى ماندلسون ان المحادثات لن تنجح إلا في حال أحس كل الأطراف أنهم حققوا شيئا من خلال التنازلات التي قدموها وان على الجميع أن يتأقلم مع هذا الواقع.

وقال ان البلدان النامية ستحصل على الفائدة الأكبر من خلال مفاوضات فتح الأسواق أمام السلع الصناعية والسلع الزراعية والخدمات شريطة توافر المرونة اللازمة لإتاحة الفرصة للبلدان النامية الفقيرة لتوفيق أوضاعها.

وكان ماندلسون قد اعترف سابقا بصعوبة التوصل لاتفاق في هونغ كونغ دون أن تسمح الدول الفقيرة بحرية أكبر لتدفق منتجات الدول الصناعية.وقال ماندلسون إن الاتحاد الأوروبي لن يقدم عرضا أكبر من نسبة الـ (46) في المئة التي اقترحها لخفض الدعم الزراعي في الوقت الذي تطالب فيه الولايات المتحدة الاتحاد بنسبة أكبر.

وكانت بعض الدول الأوروبية وعلى رأسها فرنسا قد توعدت بعرقلة التوصل إلى أي اتفاق قد تنتج عنه تنازلات أخرى تلزم الاتحاد الأوروبي.وعادت واشنطن أمس وكررت نداءها للاتحاد الأوروبي لإنهاء سياسة دعم الزراعات التي يعتمدها فيما أشارت بروكسل إلى أن موضوع الدعم الزراعي ليس إلا احد العقبات التي تؤدي إلى تعثر المفاوضات بين الطرفين.

ويتهم البعض الاتحاد الأوروبي بعرقلة محادثات منظمة التجارة العالمية من خلال إصراره على سياسة دعم الزراعات بينما تطلب الدول الفقيرة رفع هذا الدعم من قبل كل الدول الغنية.

وجدد المندوب الأميركي إلى محادثات هونج كونج روب بورتمان موقفه السابق وأكد على أن الاتفاق حول الملف الزراعي يجب ان يكون وسط اتفاق اشمل حول التبادل التجاري الحر ينجز في إطار منظمة التجارة العالمية.

وقال بورتمان »اني واثق من ان علينا إحداث تقدم وإلا سنتأخر ونرجع إلى الوراء وسنتجه مجددا نحو ما يسمى بحماية السوق وستكون لذلك مساوئ كثيرة ستنعكس على عجلة التنمية في العالم«.

وأعلن بورتمان عن استعداد الولايات المتحدة لتقديم مليارين و(700) مليون دولار للدول النامية في إطار ما يسمى »برنامج المساعدة التجارية« من اجل تحسين القدرة التجارية للبلدان الفقيرة.

في غضون ذلك وأمام هذه التباينات في مواقف التكتلات الاقتصادية اعترف المدير العام لمنظمة التجارة الدولية باسكال لامي بصعوبة التوصل إلى صيغة اتفاق في هونغ كونغ.

وقال إن بعض الدول أعربت عن عدم رغبتها في إحراز تقدم بشأن المفاوضات الخاصة بفتح الأسواق الزراعية إلا إذا قدمت الدول الأخرى مقترحات بشأن تخفيضات للتعريفات على المنتجات الصناعية.. واعتبر أن هذه الخلافات تمثل جزءا من الصورة التي تحيط باجتماعات هونغ كونغ.

وحذر لامي من ان مراوحة المحادثات مكانها خلال مؤتمر منظمة التجارة العالمية في هونغ كونغ ستشكل تراجعا لمجمل عملية التفاوض الرامية إلى خفض العراقيل أمام التجارة الدولية.

وقال إنه إذا لم يتم التوصل إلى أي نتيجة خلال مؤتمر هونغ كونغ الوزاري المنعقد حتى يوم الأحد فانه سيكون انتقاصا »ولن نكون في وضع يمكننا من المضي قدما لاحقا.. لكنه بالمقابل إذا غادرنا هونغ كونغ بنتيجة أيا تكن أهميتها سنتمكن من تسريع العملية لاحقا بهدف التوصل إلى اتفاق حول تحرير التجارة العالمية بحلول نهاية 2006 كما هو متوقع«.