يكرم «مهرجان دبي السينمائي الدولي في دورته الثانية» الفنان عادل إمام الذي يعتبر من الفنانين العرب الذين جهدوا لأن يصلوا إلى مكانة مرموقة في ذاكرة السينما العربية. فقد أعطى إمام كل ما يملك من موهبة وطاقات وقدرات إلى فنه. واحترم جمهوره، فلم يستخف بمداركه أو بمشاعره التي تميز بين الفن الهابط الرديء والمرتفع الجيد.

واستطاع إمام منذ ظهوره الأول على الشاشة الفضية بإدارة المخرج إبراهيم لطفي في فيلم «لصوص لكن ظرفاء» في ستينات القرن المنصرم ان يلفت الانتباه إلى انه يتمتع بموهبة فطرية كوميدية. وقد شارك في بطولة الفيلم النجم الكبير أحمد مظهر الذي أدى أول دور كوميدي مع إمام. وهو الذي تنبأ آنذاك بولادة نجم كوميدي كبير، كما شعر أكثر صناع السينما المصرية والعربية أن إمام سيكون له شأن كبير في مساحات السينما المصرية.

يقول إمام عن «لصوص لكن ظرفاء» «كانت إطلالتي الأولى خجولة إلى حد ما، لكنني اكتسبت الثقة بنفسي سريعاً، من دون أن أقع في غرور النجومية والنجاح، فعشت حياتي عن قرب من الناس أستلهم منهم وأشعر بهمومهم وقضاياهم، وأحاول أن أجسدها في أعمالي ولو كان أكثرها كوميديا، لكن أكثرها تعمل هاجساً إنسانيا «بكل معنى الكلمة».

حول المدى البيئي الذي نشأ وتأثر به عادل إمام فيقول: «أفتخر بأنني ولدت وترعرت في الريف وسط أسرة متدينة كمعظم العائلات المصرية، وكان والدي حافظاً للقرآن الكريم ويتمتع بالشجاعة والحنان في آن. وكان مع والدتي يطمحان إلى أن يربيا أولادهما تربية حسنة، وقد قاما بكل شيء من أجل تعليمنا وأن نحصل على شهادات جامعية. وكان لرضاهما علينا أكبر التأثير في حياتنا أنا وأخوتي الذين ارتبط بهم كثيراً وأعاملهم جميعاً بالتساوي كوني أكبرهم وبمثابة أب لهم».

ـ نظرتك إلى الفروسية والبطولة كيف كونتها؟

ـ ارتبطت ذاكرتي بشكل أو بآخر بسير الأبطال والفرسان والحكماء والكتاب. فأحببت صفات الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لأنه كان فارساً وحكيماً. وأعجبت بفروسية نابليون وأحببت فرسان الكتابة مثل نجيب محفوظ والمنفلوطي ويوسف إدريس، إضافة إلى انني من عشاق قراءة السيرة النبوية الشريفة التي أعيد قراءتها المرة تلو الأخرى.

وأيام دراستي كنت أحترم بعض الأساتذة الذين أرى فيهم ملامح الفروسية في سلوكهم المتفاني. وأكن شديد الاحترام لفروسية الرئيس حسني مبارك، والراحل القائد جمال عبدالناصر، الذي شاهدته مرة واحدة في حياتي في الآونة نفسها التي عرض لي في التلفزيون «أنا ومو دي، وكان الرئيس عبدالناصر في اليسار، وإلى جانبه عبدالحكيم عامر من دون أي مرافقة أو حراسة فرفع يده لي محيياً، ففرحت كثيراً وبدأت أقفز وأرقص في الشارع خاصة وأنني من جيل ينتمي إلى ثورة 23 يوليو العظيمة. التي قادها الفارس النبيل جمال عبدالناصر.

ـ كونك من أبناء ثورة 23 يوليو كيف انعكست عليك نكسة 1967 وعلى نظرتك إلى مفاهيم الفروسية؟

ـ ما حدث في العام 1967، لم يكن ليؤثر على شخص واحد فقط. فقد تأثر كل الشارع العربي وأصيب بإحباط شديد وقوي، وهذا بسبب ارتباطنا بالقيم العليا التي من مضامينها الحكمة والشجاعة والفروسية، ولذلك استطعنا في العام 1973 أن نرد عن أنفسنا الهزيمة وننتصر ونحن نتمسك بالكبرياء.

ـ لماذا تناولت في أفلامك بأكثريتها قضايا سياسية واجتماعية ساخنة؟

ـ الفنان إذا لم يكن على تماس مع قضايا مجتمعه وناسه يكون قد خرج إلى اللامعنى والفن في الأصل رسالة تلتزم التعبير عن الهموم والقضايا الحساسة الكبرى.

ـ ألا تغرق السينما في هذا بوظيفة السياسي؟

ـ الفن ليس عملاً سياسياً على الإطلاق. الفن يقف على مسافة واحدة من كل قطاعات المجتمع. لكنه يلتصق بالناس وبمشاكلهم، فإذا أحب البعض أن يسمي هذا سياسة فهو حر، لكنه بالتأكيد بالنسبة لأي فنان اسمه الفن الصادق والحقيقي.

ـ هل حدث وانتميت إلى حزب سياسي في حياتك؟

ـ في ريعان الشباب كنت قريباً من التيار اليساري، لأنني كنت أراهم الأقرب إلى الشارع. ولكنني لم ألتزم طويلاً، فشعرت وأتمنى أن أقدم أكثر وأنا حر ومن خلال الفن الذي أؤديه.

ـ ماذا غيرت فيك النجومية والشهرة؟

ـ لا تعنيني الشهرة القائمة على «الخزعبلات». الشهرة بالنسبة لي هي دلالة على النجاح الذي يهمني كثيراً في حياتي الخاصة والعامة. ففي النجاح الثقة بالنفس وليس الغرور. وعبره استطيع أن أقول لقد حققت لمجتمعي وأهلي كذا وكذا.. وهي تحققات معنوية أولاً قبل أن تكون مادية.

ـ عملت في المسرح والسينما في أيهما تجد أنك نجحت أكثر؟

ـ في الاثنين قدمت ما آمنت به. ونجحت بهذا وذاك مع كل الفروقات بين الأسلوبين الفنيين في السينما والمسرح. وما ينفع في المسرح قد لا يكون نافعاً في السينما والعكس صحيح أيضاً.

ـ هل أنت ممثل كوميدي فقط؟

ـ لا يمكن تقسيم التمثيل إلى قطاعات، فالممثل الحقيقي هو الذي يستطيع أن يؤدي أي شخصية بطبيعتها، مع ان الأداء الكوميدي أصعب بكثير من تأدية الأدوار التراجيدية، لان الشخصية التراجيدية بطبيعتها متطرفة وهذا أسهل شيء على الفنان وعلى عكس الكوميديا التي هي جزء من الدراما وتتطلب جهداً كبيراً في التعبير وبلغات وأساليب التمثيل.

ـ ما رأيك بأداء ادوار لسير الشخصيات التاريخية ولماذا لم تقدم عليها وأنت المعجب بسير الإبطال والكبار؟ وما رأيك بالإعمال التي قدمها الراحل أحمد زكي في هذا المجال؟

ـ دعني أبدأ بالإجابة على الشق الثاني من السؤال احمد زكي، رحمه الله كان من أفضل الفنانين العرب وأغوته السينما التي تتحدث عن سير الكبار ونجح في هذا الأمر إلى أبعد حدود، وبالنسبة لي لم أجد من يكتب قصة عن سيرة معاصرة بشكل مقنع، فالسيرة إذا كانت لشخص مازالت صورته في ذاكرة ووجدان الناس تتطلب كاتباً مختصاً في هذا المجال ويكون يمتلك قدرة فذة لتحويل المعروف والمعلوم لدى الجمهور إلى لحظة كشف لم تر من قبل، وهذا عمل دقيق لا يمكن التسرع بتنفيذه اضافة إلى ان تأدية ادوار لشخصيات عادية له أهمية وصعوبته أكثر بكثير من شخصيات عامة. إذ انك في مرات كثيرة لا تستطيع ان تدخل إلى صلب تركيبة الشخصية العامة لأن هذا العمل من المحظورات بالنسبة للمؤسسة الرسمية أحياناً، وبالنسبة للجمهور أحيانا أخرى.

ـ لماذا حين بدأت موجة الأعمال «الإرهابية» بالتصاعد داخل مصر وخارجها انبريت لها وقدمت سلسلة أفلام تدين الإرهاب؟

ـ اذا كنت تقصد بأنني ركبت موجة سائدة فأنت مخطئ واستطيع ان أقول بكل بساطة أنني ضد الإرهاب وعقليته وتصرفاته ووجدت انه لابد من إدانته وإنقاذ مجتمعنا من هذه الموجة القاتلة والتي تشوه حقيقة ثقافتنا وديننا وحضارتنا وكما قلت لك واكرر انا ملتزم قضايا مجتمعي وأهلي وناسي.

ـ صورت جزءاِ من فيلمك الأخير «السفارة في العمارة» في دبي، وسيتم تكريمك كنجم عربي في «مهرجان دبي السينمائي الدولي» فكيف تقيم هذا المهرجان؟

ـ الحب الذي أكنه للجمهور العربي في كل أنحاء بلدانه كبير جداً، وجمهور دولة الإمارات المميز والطيب أتبادل معه الحب والاحترام. وارى في مدينة دبي صورة مشرفة عن العرب نفتخر بها في كل العالم لذلك اخترتها لأن تكون مساحة لتصوير قسم من فيلم «السفارة في العمارة». وبالنسبة للمهرجان يعتبر إضافة جديدة وجدية للنهوض بالسينما العربية من خلال حضورها القوي في هذا المهرجان، الذي سمعت من مسؤوليه كلاماً طيباً من خطط لدعم انتاجات سينمائية في المستقبل على المستوى المحلي والمستوى العربي، وهذا أمر مرحب به بقوة ولابد من ان اشكر إدارة المهرجان على تكريمهم لي الذي اعتبره فخراً كبيراً سأعتز به على الدوام.

حاوره: حسين قطايا - جمال آدم