جاء فيلم «دنيا» إلى مهرجان دبي السينمائي الدولي مجبولا ببحة صوت مخرجته اللبنانية جوسلين صعب، لكثرة ما دافعت عنه في المحافل الصحافية المصرية، ودموع نجمته حنان ترك، التي بكت بحرقة وهي تواجه اتهامات نالت من «وطنيتها» وانتمائها المصريين، وغياب نجمه محمد منير الذي انقلب على الفيلم ومخرجته ودوره فيه. ثم هناك تلك القصة، «ختان الإناث»، الحاضرة في الفيلم من دون أن نراها أو نسمع عنها، سوى في مشهدين على الأرجح، لم يشكلا بأي حال من الأحوال صدمة تخفق لها القلوب وترتعش الأبدان.

لكنّ الظلام والظلمة، وتلك «الشبّورة» السوداء الآخذة في الاتساع يوما بعد آخر في سماء عالمنا العربي، تنفث سمومها في وجه المبدعين وأصحاب الرأي المغاير، أمنت للفيلم دعاية مجانية وهي تزجّ به في محرقة من القسوة والتحامل. محرقة وقودها العنصرية تجاه الأجنبي الذي جاء إلى القاهرة ليلتقط صورا لأحيائها الفقيرة ويغازل بها عيون «الخواجات»، كما الرعب الكبير الذي رجّ كيانات ذكورية بطريركية في مواجهتها صورة الأنثى التي تسأل عن الرغبة وتنصت إلى صوت الجسد وتلتقط رائحته وتتوه معه في وصلات من الرقص تستلب الكيان المادي برمته وتسلّم الروح إلى فضاءات أسمى.

دنيا، أو حنان ترك، هي الأنثى التي ظنت أنها فقدت شهوتها بعد أن تعرضت لعملية ختان في الصغر، ثم تزوجت بفتحي عبد الوهاب الذي أقنعها بذلك التوهّم، راغبا بإضعافها كي يتملّكها، قبل أن تحررها علاقة إشكالية بالدكتور المتنوّر بشير (محمد منير) من ذلك الفخ، فتصل الرسالة التي أرادتها جوسلين صعب وهي أن الختان ختان عقل وليس جسد.

بهذا المعنى، تكون دنيا، التي تمسك برأسها بين يديها وتقول لزوجها:» هذا ليس ملكك»، خطرة في تمردها، ليس فقط بالجسد، وإنما أيضا بالعقل، على عقلية يوترها شعر امرأة مفرود (لمّي شعرك قبل ما تنزلي) ويصل بها إلى أقسى درجات العنف إزاء جسد الأنثى حين يصرخ ويقول ما يريد (مشهد ضرب عبد الوهاب لدنيا بعد أدائها رقصة متوترة).

ولا يقتصر الأمر على ذلك، فالفتاة الجامعية التي خرجت من بيئة فقيرة، نصفها صعيدي ونصفها مدني قاهري، لا تنقلب على تاريخ أمّها الراقصة. تصفها بالفنانة وتسعى على طريقها، فتتقدم إلى مسابقة رقص وتدق أبواب العوالم الذين كنّ أصدقاء «الأسطة» قبل موتها.

هي، بهذا المعنى، تتحالف مع صورة الأم وما ترمز إليه، وتقدم نموذجا مغايرا عن «بنات العار» و«عقدة الموروث» التي كرّستها عشرات الأفلام المصرية من قبل، حين قدمت فتيات يسعين للتغلّب على «فضيحة» الأم وقتلها، لتأبى الأقدار ويسقطن في «الوحل» من جديد.

هذا السياق، هو الذي نفهم فيه كلام المخرجة جوسلين صعب عن تقديمها سينما مغايرة، وهو الكلام الذي ردّ عليه من قبل مدعي النقد السينمائي المعبئين بالعنصرية كقنبلة موقوتة «مش عايزين حدّ من برّا يعلمنا السيما».

وإذا كانت تهمة تصوير الأحياء الفقيرة مردود عليها ببديهية، حيث أن عاطف الطيب وخيري بشارة ومحمد خان وغيرهم، قد سبق لهم أن «ارتكبوا الخطيئة ذاتها»، وهوجموا أيضا بوصفهم مخرجي «سينما الصراصير» (أي التي تصور قباحة الشارع بمعنى حقيقيته)، وبهذا المعنى فإن صعب لم تحقق «فتحا جديدا» في هذا المجال، باستثناء أنها قدمت لغتها السينمائية الخاصة في قالب تم استخدامه أكثر من مرة.. فإن اتهام الفيلم بالتشتت مردّه على نقص خطير في قراءته بنضج وتعمق.

فالارتباك الذي ظهرت عليه البطلة طوال الوقت، نظراتها غير الواثقة، اشتعالاتها العاجزة عن التعبير عنها، كلماتها التي تقف عند الشفاه وتموت، ذلك العالم من «الجوانية» الخالصة الذي لم يصل، بجزء منه، إلى مشاهد العرض، هي أدوات تخدم بوضوح وذكاء ملامح الشخصية ولا تدينها.

على المشاهد هنا أن يغادر مقعد المتفرج ويغوص في تلك الاشتعالات المكبوتة، لا أن ينتظر وصول أدخنتها إليه، وإلا اتهم التوليف بالتشتت. منير، الذي رضخ لمزاجية جمهور أغنيات الكاسيت وانقلب على الفيلم وفكرته، أدى دورا من أهم أدواره السينمائية على الإطلاق، فظل محتفظا بمهارات شاهينية التقطها من تجربته الطويلة مع المخرج العالمي يوسف شاهين، لكنه تحرر أيضا من عبء المخرج الذي يريد ان يوصل أفكاره بنظرات العيون وطريقة اللفظ المتوتر، ليكون جسد الممثل، مع جوسلين صعب، قماشة طيّعة لتصدير الانفعالات والأفكار والكلام. قماشة تتسع وتضيق، تتمطى وتنكمش، تخفي ظلاما وتغدو شفافة ليخترقها النور.

عايدة رياض وسوسن بدر لم يشكلا مفاجأة، فهاتان الموهوبتان اللتان استخدمهما طليعيو المخرجين والمؤلفين في السينما المصرية، هما حاضرتان دوما للمؤازرة بودّ وحبّ وجرأة لافتة.

والمشهد الذي جمعهما مع دنيا في المطبخ، وسط أكوام من الخضار واللحوم، تدلوان بدلوهما حول الرغبة والجنس وطريقة مداعبة الرجل، من أجرأ وأجمل مشاهد الفيلم وأكثرها حرفة. فتحي عبد الوهاب لم يحظ بمساحة أرحب للتعبير عن إمكانات كبيرة لديه، إلا أن قدرته على نقل الصراع الذي يختزنه بين الموروث وحبه لدنيا، في مشهد الرقصة العنيفة أو أكل «الجمبري» يؤكدان مرة أخرى على بروزه.

أما حنان ترك، السمراء التي أضحكت جمهور الصالة قبل العرض بتلبسها شخصية «سارة» المتأخر نموها العقلي (أدتها في مسلسل يحمل الاسم ذاته عرضه تلفزيون دبي رمضان الفائت)، فقد استكانت طوال العرض في مقعدها مبهورة بالشاشة كأنها متفرج يشاهد العرض للمرة الأولى. في أدائها الرقص التعبيري في مشاهد من الفيلم، كانت تجسيدا حقيقيا لصورة صوفية تناجي الألم والشوق والشهوة، تسائل الروح والجسد، تختزن اللوعة وآلاف الحكايات عن قهر الأنثى في مجتمعاتنا العربية والتعاطي مع كل ما يمت اليها بصلة بوصفه «عورة».

في أدائها طريقة الجلوس حين تفكر، وتغضب، وتستحم، على الأرض دافنة يديها بين ركبتيها المضمومتين (تماما كما تجلس الطفلة ابنة عايدة رياض في الفيلم قبل تعرضها للختان)، صمتها الذي يقول أكثر من الكلام، حركتها التي تغالب الاهتزاز نحو الوثوق، استطاعت أن تلتقط عصب الشخصية وتجسدها بابهار.

كان الدور يليق بفنانة من طراز حنان ترك وكانت تليق به والتصفيق الكبير الذي حظي به الفيلم بعد عرضه الجماهيري أمس في مسرح «المدينة» في سوق مدينة جميرا أعاد ثقة، ربما تكون قد تزعزعت، للممثلة التي أرهبها هجوم النقاد في مصر فبكت آنذاك حزنا، ثم دمعت عيناها في دبي فرحا.

تبقى الإشادة بالمشهدية البصرية العالية التي ميّزت كل لقطات الفيلم، والاستخدام المحترف للعبة الضوء والظلام والكادرات الضيقة، كما الارتكان إلى جمالية الصوت وايحاءاته في مشاهد الأساور التي ترن ولمبات الانارة التي تحتك ببعضها، كما بدور مدرب الرقص وليد عوني والموسيقى التصويرية والأغنيات التي أداها منير. دنيا فيلم جميل تؤسس تجربته لتيار مناقض ل«سينما نظيفة» تدفع فواتيرها وزارات السياحة والفنادق والمعلنين.

إبراهيم توتونجي