ليست المرة الأولى التي يأتي فيها باتريك فورستييه إلى بيروت، ودائماً عن سابق تصور وتصميم كما في مغامراته المتلاحقة منذ ثلاثة عقود، حين جنّد نفسه، إعلامياً يقارب الموت في كل مهمة، كما حاله اليوم في مجلة »باري ماتش« الفرنسية الواسعة الانتشار.

باتريك فورستييه المعروف بين زملاء المهنة في لبنان وحيث تقوده مغامراته، بـ »رجل المهمات الصعبة« لا يطيق عيشاً بعيداً عن المخاطر. معركته لا تتوقف طالما الحروب قائمة والأزمات متفجرة وثورات الإنسان والطبيعة تتفجّر هنا وهناك من غير شفقة. سلاحه قلم وكاميرا.. بهما يدخل »جحيم العالم« ليواجه تحديات تحمل في كل خطوة منها، اقتراباً أكثر من الموت.

هكذا حاله في تشاد، البلقان، أفغانستان، العراق، فلسطين وفي سنوات النار اللبنانية »التي لم تنته بعد« كما يراها بأشكال متعددة بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري وما أدت إليه من تداعيات.

٭ تعود إلى لبنان على أثر محاولة اغتيال الإعلامية مي شدياق. كونك صحافيا على عناق دائم مع الموت، هل تؤلمك مثل هذه الأحداث التي يتعرض لها زملاء المهنة؟

ـــ طبعا وبالتأكيد أشعر بالتعاطف مع الزملاء لأن ما يصيبهم اليوم قد يصيبني غدا، ليس على الصعيد الجسدي فقط، إنما خصوصاً على الصعيد النفسي، لأن هؤلاء لا يملكون سوى الكلمات سلاحا يخبرون بها ما يتعرض له العالم والإنسان من مخاطر وتحديات واعتداءات. في ديمقراطياتنا العتيقة وكما جاء على لسان وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد »نشعر بالقرف من الصحافيين، نصب عليهم لعناتنا ولا نعيرهم اهتمامنا«...

أما في لبنان، فان التعرض لهؤلاء يهز الرأي العام لأن الناس تعرف بعضها بعضا، ما يجعل للكلمة فعلها وتأثيرها، وان أصحابها يقومون بعمل جيد، أظن إن الصحافيين ورجال الفكر الذين تعرضوا للاغتيال في الشهور القليلة الماضية ومنهم من نجا بأعجوبة كما الزميلة مي شدياق باتوا رموزا لصمود الكلمة اللبنانية الحرة، وفي المقابل إذا أصبح بالإمكان التعرض لهؤلاء فهذا يعني إن كل لبناني بات معرضا للموت بطريقة أو بأخرى، إنها رسالة واضحة تجسد في خططها وتنفيذها كل معالم الإرهاب.

٭ غطيت فصول الحرب اللبنانية بكاملها ثم غبت عن لبنان سنوات طويلة، لماذا العودة في هذه المرحلة بالذات؟

ـــ لأن اغتيال الرئيس الحريري ليس جريمة عادية، لقد قرأت تداعياتها بالخطوط العريضة، ومن حينها آتي إلى بيروت وأغادرها لأن لبنان مهدد، أعاد اغتيال الحريري لبنان إلى واجهة الأحداث الكبرى وهو الذي لم يلتقط أنفاسه بعد من حرب دموية شرسة.

٭ كيف وجدت لبنان بعد غياب طويل عنه، وفي مرحلة ما بعد اغتيال الرئيس الحريري؟

ـــ فوجئت بما شاهدت، لقد سبق أن كتبت مقالا عن انتفاضة 14 مارس وشبهتها بثورة الورود ـــ الثورة المخملية في براغ ومثلها في جورجيا، شعرت بريح جديدة تهب على البلاد وخصوصا في بيروت التي استعادت حريتها بالكامل وعبر عنها مئات ألوف الشباب. ربما يشعرون اليوم بنوع من الإحباط، لكن هذا النوع من الانتفاضات يتطلب وقتا طويلا لتحقيق أهدافه، يجب أن يدرك هؤلاء أن أحدا لا يملك عصى سحرية للانتقال من نظام الوصاية إلى الحرية، ما زلت متفائلا بمستقبل البلاد من خلال اندفاع شبابها.

دخلنا اللعبة الدموية

٭ من خلال تجربتك الطويلة، هل من أحداث طبعت بصماتها على ذاكرتك أكثر من غيرها؟

ـــ نعم، أحببت بيروت أثناء الحرب، بكل صدق، وكائنا من كانت القوى والميليشيات المتصارعة في تلك الفترة، فإننا لم نكن على الرحب والسعة من قبل الجميع، عاش الصحافيون فترات خطرة جدا بفعل تنوع القوى وتحولها من موقع إلى آخر جغرافيا وسياسيا، صحيح إن المراسلين الأجانب كانوا أقل تعرضاً للخطر من الصحافيين المحليين، على الرغم من خطف البعض وسقوط البعض الآخر، لكن ذلك لا يمنعني من القول إننا جميعا دخلنا في الصراع بطريقة أو بأخرى.

٭ المعروف إعلاميا إن على الصحافي أن يحافظ على مسافة ما بينه وبين افرقاء الصراع، كيف تمكنت من ذلك ميدانيا ومن خلال كتاباتك؟

ـــ لأن الحرب اللبنانية استمرت سنوات طويلة، فقد كان البعض يتحول من صالح إلى شرير في لحظة قصيرة، لذا لم يكن احد منا خارج اللعبة الدموية، وكان لا بد من الحفاظ على تلك المسافة مع جميع الافرقاء نظراً للتحولات السريعة التي كانت تحدث لهذا الفريق أو ذاك، أظن إن على الإعلامي المتمكن الحفاظ على المعادلة المعروفة: البقاء على الحياد، أي أن يرى ويسمع ويخبر ليس أكثر، ربما هذا لا يعجب البعض، لكن يجب أن تسير على هذا الوقع.

٭ عندما نمضي سنوات طويلة في هذه الأجواء المرعبة، ألا يؤدي ذلك إلى انخفاض في »الادرينالين«؟

ـــ نعم ولا، احترف هذه المهنة منذ ثلاثين سنة لم أتوقف في خلالها يوما واحدا عن العمل، أنا أعيش وفق هذه الوتيرة وسط الأزمات والصراعات والحروب، ليس في ذلك ما يفرح، لكنها مهنة تدفع صاحبها إلى المغامرة بطريقة أو بأخرى، هناك ما يدهش وما يثير وما يجذب إلى المغامرة، إنما في ساعات الراحة القليلة، وعندما أعود إلى ذاتي أتساءل كيف لي أن أواجه هذه التحديات وما الذي يدفعني إلى ذلك لمعايشة الموت الجاثم في المكان وعلى الرأس في كل لحظة، طبعا اشعر بأسف شديد فالموت يهدد الجميع، من في المعركة ومن في خارجها، لكن على من احترف هذه المهنة الخطرة عدم الدخول في هذه الدائرة وان يبقي أعصابه باردة فيمارس مهنته بما تتطلبه من شرف وموضوعية.

٭ عندما تعود من إحدى مهماتك، ألا تشعر مثلا بضرورة الاستكانة والاكتفاء بمقعد خلف مكتب، كما الكثير من الصحافيين؟

ـــ طبعا اشعر بذلك، لكن هكذا تجري الأمور، هناك من يرتاح خلف مكتبه، وهناك من يجد سعادته في ارض المعركة، أنا مثل الجراح، أحاول أن ابتعد عن فلسفة الأمور والحياة والموت، أقوم بعملي بشروطه ومتطلباته، وإلا عليّ التنحي، لقد تنقلت في ساحات الحرب وقابلت قادة وزعماء في مكاتبهم، كما في الجبال الوعرة، غطيت حرب أفغانستان والحرب الأهلية في أنغولا وتشاد وأميركا اللاتينية وعشت أسابيع بعيدا عن العالم، معزولا في الوديان والجبال، لم تكن تقنية الهاتف المحمول قد وصلت إلينا بعد، ومع ذلك لم اشعر بالخوف، وكنت أبادر عند أول صوت طائرة للانتقال إلى أمكنة أكثر خطورة وتحديا، والحمد لله ما زلت أحافظ على هدوئي وقواي النفسية والجسدية.

لم اخضع للخوف

٭ هل حدث إن خفت مرة وقلت في نفسك »انتهى المشوار«، لا بد بعد اليوم من »استراحة المحارب«؟

ـــ خفت كثيرا لكني لم اخضع للخوف أبداً، حدث مرة ان قصفت طائرات الميغ السوفييتية المجاهدين في أفغانستان، راحت القنابل تتساقط علينا مثل الشتاء، ولم يكن إمامي طريق للفرار أو حتى الاختباء، لقد سقط عشرات المجاهدين إمامي في خلال ساعات، ومع ذلك لم اقسم بطلاق هذه المهنة، صحيح أن مهنتنا ليست طريقاً إلى الانتحار ولا يجب أن تكون على طريقة الكاميكاز، إنما حين أسير في اتجاه الخطر أنسى الخوف ورائي وأتقدم لأن أحداً لا يستطيع تقدير حجم الأخطار إلا في ساحة المعركة، نعم الاحتياط واجب ولكن الخوف مرفوض.

٭ ما الذي تملكه في شخصيتك ويساعدك في مهمتك؟

ـــ أولاً التجربة، ليس للاختباء أو الهروب، إنما لتحليل الأمور بكثير من الواقعية والحكمة، وثانيا ما امتلكه من صفات شخصية، أنا كائن متفائل بطبعي وأيضاً محارب وليس من عادتي أن أرفع علامة الاستسلام.

٭ هل حقيقة آمنت بما تقوم به؟ وهل تساءلت إذا كانت كتاباتك تؤدي رسالة ما؟

ـــ للأسف لم توقف مقالة حربا في يوم من الأيام، اكتب لأكون شاهدا على حدث ما... على صراع لا أجده ضرورياً يقع ضحيته الألوف، إن وجود الصحافي على أرض المعركة يمكن ان يلعب دورا مهدئاً اعتباراً مما يمكن أن يكتبه، عموما يفضل الجلادون القضاء على الشهود من دون ترك أثار، وبعض ما يحدث في العراق يشهد على ذلك.

٭ هل تذكر أحداثاً أثرت فيك وأدمعت عينيك؟

ـــ حدث ذلك في بيروت، وتحديدا في المنطقة الشرقية حيث راحت القذائف تتساقط في كل اتجاه، كنت التقط الصور وفجأة رأيت طفلة شقراء جميلة لا يتعدى عمرها السنوات الست، سقط أهلها ضحايا القصف وبقيت لوحدها، عبثا حاولت تخليصها من هذا الركام، خصوصا إني تذكرت ابنتي وهي طفلة في العمر نفسه، بكيت، نعم بكيت، وعندما عدت للاستفسار عنها قيل لي إنها تعيش مقطوعة الساق مع احد أعمامها، شكرت الله إنها ما زالت حية.

٭ العام الماضي حققت سبقاً صحافياً لم يتجرأ غيرك على القيام به حين حاورت زعيم الجماعة السلفية في الصحراء الجزائرية، الم تشعر بأنها مغامرة قد تقضي على حياتك؟

ـــ صحيح حققت سبقا تحدثت عنه الصحافة العالمية حين قابلت الزعيم المذكور وكان يستعد لجعل الصحراء خط دفاعه الأول في معركته، لقد سبق لهذه الجماعة أن احتجزت ثلاثين سائحا أوروبيا قبل سنتين وهي على علاقة مع »القاعدة« وتهدد اليوم فرنسا، ومع ذلك أقدمت على المخاطرة واجتزت ألفي كيلومتر وسط الرمال والألغام حتى تمكنت من إجراء الحوار مع الزعيم المدعو عبد الرزاق وكانت تلك المرة الأولى التي يتحدث فيها إلى الإعلام.

بيروت ـــ فيوليت غبرو: