معظم من حضر فيلم «دنيا» الذي عرض على هامش فعاليات مهرجان دبي السينمائي الدولي، جاء متحفزاً بعد أن قرأ أو عرف عن تبادل الاتهامات والتراشق بالألفاظ الذي أعقب مشاهدة الفيلم في ندوة أقيمت في مهرجان القاهرة السينمائي، وصل فيها الحد إلى رفع النقاد والصحافيين شعار (الإساءة لسمعة مصر) لمخرجته اللبنانية جوسلين صعب.

إن من حق المخرجة أن تقدم فيلمها بالشكل الذي تراه، ومن حقنا أيضاً أن ننتقده، ونشير إلى مناطق الضعف والإجادة، لا أن نرفع لافتة بطلها في الفيلم د. بشير عندما قال «اللي يختلف معنا نقطع لسانه»، فنوجه سيل الاتهامات للمخرجة، والتشكيك في الوطنية لأبطاله، ونقحم سمعة مصر على فيلم هو بالفعل مثير للجدل والنقاش.

يعد فيلم «دنيا» من الأفلام الكلاسيكية من ناحية تناوله لموضوع «الحب المستحيل» كخط أساسي للقصة، ولكن وراء هذه البساطة الظاهرة، يناقش الفيلم قضايا شائكة عديدة تتعلق بالأنوثة في عالمنا كشرقيين، والتعقيد الذي يشوب العلاقات بين الرجل والمرأة، وخصوصاً رغبات النساء ولذتهن الناقصة.

فيلم «دنيا» يحمل إسماً ثانيا «بلاش تبوسني في عنيه» وهو عنوان أغنية شهيرة لمحمد عبد الوهاب، وكلا الإسمين لهما دلالتهما في الفيلم الذي أرادت مخرجته وكاتبته جوسلين صعب، ان تخرج به عن الخط العام في كل شيء، وأن تعلن بجرأة رائعة عن حرية المرأة في الاختيار، رغم أن هذه الحرية تصطدم أحياناً بمفاهيم اجتماعية خاطئة أو تفسير ديني يرفض كل ماهو إبداع ويضعه بلا أي رحمة تحت الرجم.

يبدأ الفيلم بالفتاة دنيا ـ 23 سنة ـ والتي قدمتها اللامعة حنان ترك باجتهاد يضيف إلى رصيدها الكثير، حيث يعكس بفلاشات سريعة أزمتها كفتاة نزحت من مدينة الأقصر ـ في صعيد مصر ـ إلى العاصمة القاهرة لتدرس وتتعلم الرقص الذي ورثته من أمها الراقصة المشهورة، مترجمة رغبتها في أن تمثل مصر في مسابقة عالمية، وتقترب من أستاذه تقوم بدورها سوسن بدر، وسائقة تاكسي هي عايدة رياض، بينما تحضر رسالة ماجستير عن الحب في الشعر العربي، وتطلب معاونة الكاتب والأديب الدكتور بشير أو محمد منير، الذي يقود بدوره حملة شرسة لمنع مصادرة كتاب «ألف ليلة وليلة» بدعوى أنه مليء بالإباحية، فيتعرض لاعتداء من متطرفين.

في إشارة لما حدث للكاتب العالمي نجيب محفوظ، يفقده بصره، وتذهب دنيا إلى معلم الرقص «وليد عوني»، وهي مهنته أيضاً خارج الفيلم، الذي يطلب منها أن تكون مثل والدتها شجاعة ومحبة للفن، لكن شيئاً ما يمنعها دائماً من ذلك، وترتبط عاطفياً بمهندس يقوم بدوره فتحي عبدالوهاب، ويتزوجان سريعاً، ويرفض الدكتور بشير هذا الزواج ويعتبره معيقاً للنشاط العلمي والفني للفتاة التي كان يمكنها تأجيل هذه الخطوة.

في الوقت نفسه نعرف بالتدريج أن سائقة التاكسي والأستاذة تفعلان الكثير لممارسة جنسية طبيعية، بسبب ما تعرضتا له من ختان وقت الطفولة، ومن أجل ذلك ترفض سائقة التاكسي «ختان» ابنتها الصغيرة، إلا أن الجدة تصر على ذلك، وتنفذه، على شاشة السينما، في مشهد بشع قاس اقشعرت له الأبدان، مبررة ذلك بقولها: حتى تصبح الابنة محترمة عندما تكبر.

وبينما تتوتر العلاقات بين دنيا وزوجها، الذي يطلب منها اعتزال الرقص، ينتهي الفيلم بزواج الحبيبين حنان ترك ومحمد منير، لأن العلاقة المنطقية تكون بين بشير ودنيا فكلاهما يحمل الأفكار نفسها.

تنتهي أحداث فيلم «دنيا» ولا يفارقك الشعور، في أية لحظة، بأن مخرجته جوسلين صعب تصنع فيلماً مختلفاً، ويظهر ذلك في العين الواعية اللاقطة التي أجادت اختيار الزوايا التي قدمت بها القاهرة التي لم يرها أحد من قبل، في نهارها وليلها وشوارعها وحاراتها، ويحسب للمخرجة أيضاً مشاهد الرقص البارعة المعبرة عن حالات ومزاجية بطلة الفيلم، وسيريالية لقطات أرجل (محمد منير) بعد أن فقد بصره، وهو يتعلم المشي والانتقال من خانة إلى أخرى تحت أشعة شمس شباك حجرته، ويحسب كذلك للمخرجة قدرتها على إدارة الممثل وحركة الكاميرا، خصوصاً في المشهد الأخير من الفيلم، الذي تم تنفيذه بحرفية عالية، حيث تبدو القاهرة بفضائها وأرضها وأهلها وكأنها تحتضن «دنيا» التي تتلاشى وتذوب فيها.

لكن هناك بلا شك ملاحظات على الفيلم معظمها مرتبط بالسيناريو، الذي لو أعيد ترتيبه لما لمس المشاهد بعض الملل، وخصوصاً عندما جاءت صدمة جدارية مشهد الختان وقد تأخر أكثر من 85 دقيقة عن مكانه الطبيعي.

كما أن مشاهد الجنس بين الدكتور بشير مع صاحبة البنسيون، أقحمت من دون مبرر، حتى لو كانت الحرية تعني إطلاق الفنان للحواس والعواطف من دون قيود، فالعلاقة التي يقيمها الأستاذ الجامعي المفكر مع صاحبة البنسيون أساءت إليه وحطت من شأنه، واعتقد انها جاءت فقط لتبرير المشهد الأخير الذي تورط فيه الأستاذ الجامعي مع «دنيا»!

كان لدلالة اسم الدكتور بشير، معنى قصرته مخرجة الفيلم ليوحي بالتبشير للأفكار الجديدة والحرية أمام انعكاس الروى التي يعيشها المجتمع العربي، الذي فسدت أفكاره فراح بعض أبنائه يصادرون التراث!

أعتقد أن «محمد منير» أغرته شخصية الدكتور بشير، وبالفعل أطلق للممثل بداخله الاشعاع ليطل علينا بملامح أضافت لنجوميته كمطرب. أما «عايدة رياض» فتأخذك لجدعنة المصرية، التي تقف بجوار أصحابها في الأزمات وتواجه معاكسات الشارع بخفة دم بنت البلد.

فيلم «دنيا» قال كل الحقيقة «ضحكنا معه» وانتبهنا كثيراً، وبين مصدق ومكذب هزتنا إحصائية أن أكثر من 90% من نساء مصر يتعرضن ل«الختان». أجاب «دنيا» عن أسئلة نطرحها ونعرفها، أعلن الحقيقة التي يستطيع الفن أن يقولها، ونسعد بها حتى ولو تألمنا، ونصفق له كثيراً حتى ولو كانت قاسية.

أسامة عسل