EMTC

إحياء ذكرى العقاد في مدينة الاستوديوهات ونادي السيدات

الإرهاب لن يمسح مدناً ولن يثني همماً

قبل موعد الندوة التي نظمتها مدينة دبي للإستوديوهات بالتعاون مع مهرجان دبي السينمائي الدولي بعنوان »في ذكرى مصطفى العقاد« على مسرح مدينة الجميرا بحوالي ساعة كان الحضور كثيفاً أمام القاعة، الجميع جاء على أمل لقاء روح العقاد والتي بالتأكيد ترفرف فوق المكان، الجميع يريد أن يستمع ويشاهد مقاطع من أفلام الفقيد ويستمع إلى مجموعة من الحوارات والمقابلات التي أجريت مع العقاد فترة تصويره لفيلمي »الرسالة« و»عمر المختار«.

الكل جاء قبل الموعد ليقرأ العقاد في وجوه ابنه مالك ورفاق دربه وكل من كان له شرف التعامل مع عقل عبقري أتقن فن الحوار مع الآخر واستطاع أن يخترق دهاليز هوليوود ويكتب اسمه بحروف من ذهب، ويترك إرثاً عريقاً لن تمحيه قنابل الغدر التي أسكتت إبداعاً لن يموت، السواد كان الغالب على القاعة التي وقفت دقيقة صمت تحية لروح الفقيد.

عربي حتى النخاع

شرف منصة التكريم كل من الفنان السوري دريد لحام والممثلة القديرة منى واصف ومالك نجل الفقيد ونبيل ضو رفيق درب العقاد في مجال الإخراج والإنتاج فيما أدار الندوة الكاتب والناقد محمد رضا.

في بداية الحديث قدمت د. أمينة الرستماني كلمة تأبينية قالت فيها: »حفر مصطفى العقاد سطوراً مشرفة في ضمير الإبداع العربي وذاكرة السينما العالمية، ورغم أن الموت غيبه عن هذه التظاهرة وعن حياتنا فهو الحاضر بروحه وأعماله الخالدة التي تشكل قيمة إنسانية وفنية لا يمكن أن تمحى من الذاكرة بسهولة.

وفي كلمات متأثرة قدم الناقد محمد رضا وجهاً مشرقاً للعقاد كان يخفى على الجميع وجه المخرج المناضل العبقري الذي لا يعرف الاستسلام والتردد، وأشار إلى صعوبة تصوير فيلم الرسالة، وتحديداً حجب شكل الرسول صلى الله عليه وسلم، من أحداث الفيلم، وذكر رضا أنه كان تحدياً كبيراً إضافة إلى حساسية الفيلم، وإصرار العقاد على إنجاز نسختين، اعتمد فيهما على الفنانة منى واصف وعبدالله غيث فيما اعتمد في النسخة الإنجليزية على أنطوني كوين وإيرين ياباس.

ورغم أن »عمر المختار« و»الرسالة« قد سبقا عصر الديجتال إلا أن جميع الحركات والأشخاص والأحداث حقيقية، واستطاع الفيلم أن يحقق مشاهدة عالية جداً في جميع دول العالم الغربي رغم أن بعض الدول العربية لم تعرضه، مشيراً إلى أن العقاد كان مولعاً بالتاريخ وضرورة استحضاره من جديد.

بتأثر شديد وكلمات مختنقة بدأ مالك العقاد الكلام بلغة إنجليزية أميركية وأعرب عن تأثره الكبير بهذا الاحتفاء الذي يلقاه والده في دبي والعواصم العربية، وشكر القائمين على المهرجان.

وأضاف قائلاً: »وسط هذا الحشد سوف أتكلم عن العقاد المخرج المرشد والأستاذ وليس الأب لأني عملت إلى جانبه طوال 20 عاماً، ولكن أذكر أنه علمني الأفعال قبل الكلام، لقد كان عظيماً ويقبل على المخاطر المدروسة، ومنذ خروجه من بلده سوريا حمل في قلبه ثقافته ودينه وشعبه، ورغم أن الكثيرين في هوليوود عرضوا عليه تغيير اسمه إلا أنه ظل متمسكاً بجذوره التي كان يعتز بها كثيراً من دون أن يتردد في إظهار ذلك أمام الجميع«.

وختم مالك العقاد كلمته قائلاً: »إن شعار المهرجان في دورته الحالية هو بناء حوار الثقافات ومصطفى عاش من أجل هذا الحلم، وأخبرني أنه عندما حضر إلى أميركا في بداية شبابه كان يترأس رابطة الطلاب العرب ويحرص على إقامة أنشطة مختلفة تعنى بالثقافة والتقاليد«.

لم يخف دريد لحام آلامه وحزنه لفقدان صديقاً غير عادي ورفيق درب الكفاح الفني خاصة أن كليهما يحمل فكراً واحداً وهمّاً عربياً وثقافياً حملاه منذ الصبا، وقال دريد: »رغم أن الرفيق نشأ في بيئة أميركية إلا أنه لم يفقد جذوره العربية والدليل ما زال اسمه مصطفى أبو طارق وزيد ومالك وريما وليس ستيف، وكان دائماً يفخر بهذه الجذور وكرس كل معرفته وخبرته في هوليوود وامتلاكه لأدوات السينما لخدمة قضيته، وهي تصحيح الصورة السابقة والسالفة عن العرب والمسلمين لأنه كان دائماً يعتقد أن الأديان تلتقي في جوهرها وهو الإيمان، بوجود الخالق ولكن الخلاف كان دائماً مع الذين يستغلون الدين لأغراض تآمرية لذلك نجحت »الرسالة« وقدمت الوجه الناصع البطولي للإسلام والعرب«.

أضاف: »الكثيرون لا يعملون أن مصطفى تعب كثيراً لتوفير جهة الإنتاج لـ »الرسالة« ولكن التعب الأكبر كان مع العقول المتحجرة التي حاربت حلمه، وأذكر أن التصوير بدأ في المملكة العربية ثم توقف ثلاثة أشهر وتم إكمال تصويره في صحراء ليبيا بفضل مصطفى العنيد والمغامر رغم ارتفاع التكلفة 100% وللأسف ما زالت رسالة مصطفى الناصعة ممنوعة في بعض الدول«.

وتابع دريد لحام قائلاً: »عندما صور مصطفى فيلم »عمر المختار« لم يصوره على أساس أنه حرب صليبية بين المسلمين والمسيحيين بل ركز على مشروعية المقاومة العربية في مواجهة الإرهاب الفاشي، ومصطفى لم يسع إلى العالمية وإنما هي التي سعت إليه، ويؤسفني أن بعض المخرجين العرب يسعون إلى العالمية بتنفيذ أفكار سيئة غريبة عن ثقافتنا، والعقاد تنبه لشيء مهم أنه ليس المهم أن نخاطب الأذن ولكن علينا معرفة التخاطب مع العقل، لذلك أعتبره آخر الفرسان العرب«.

وأصرت منى واصف على عدم ترجمة كلمتها إلى اللغة الإنجليزية وبررت ذلك بأن جميع الحضور من الجالية العربية، وبأن العقاد عربي رغم حياته البعيدة عن الوطن العربي وقالت: »العقاد كان فرحة تشع للجميع وكان بسمة على جميع الشفاه المحبة لهذا الجسد العربي، وبعد مرور ربع قرن على إنتاج أعظم فيلم يجسد بكل سلاسة بزوغ فجر الإسلام يتم تكريم القيصر ولكنه غائب عن الحياة.

لقد طلب مني أن أقدم كلمة رثاء في افتتاح مهرجان دمشق ولم أجد كلاماً أشرف من زغرودة الشهيد لأن الأبطال لا يموتون بل يقتلون غدراً وخيانة، وجرحي كان عميقاً وأنا أشهد تكريم عمل مر عليه عشرات السنين كنت صبية في عمر الزهور وكان حاضراً معنا ولكن التكريم في أوطاننا يأتي متأخراً ودائماً يقف على أطلال العمر وكان الجرح أن يعود للوطن ملفوفاً ومفخخاً بعد سنوات من الغربة والعطاء بأيدي الإرهاب الذي لن يمسح مدنا ولن يثني همماًً«.

أضافت: »لن أنسى أبداً أن العقاد منحني شرف المشاركة في الرسالة وتعلمت الكثير من هذه التجربة الفريدة، وأذكر أنه كان يصر على تقديم الرسالة باللغتين الإنجليزية والعربية في صالات العرض العالمية ليبين للعالم ان العالم العربي لديه إمكانات بشرية في مجال الفن لا تقل عن الغرب، ولكن تنقصنا التقنية ومنذ 1976 إلى غاية 2005 لا يوجد لدينا إلا فيلمان في حين كان من المفروض أن ننتج عشرات الأفلام في مستوى الرسالة وعمر المختار ولكن للأسف لا أحد يحمل الهم العربي«.

وكان نادي دبي للسيدات قد أقام مساء أول من أمس حفلاً خاصاً تكريماً للمخرج العالمي الفقيد وابنته ريما، وأعربت منى المري نائبة رئيسة النادي عن أسفها لفقدان العالمين العربي والغربي لشخصية مبدعة مثل العقاد، وقالت: »نحن فخورون بتنظيم هذا الحدث الخاص لتكريم إحدى أبرز الشخصيات السينمائية التي لعبت دوراً حيوياً على المستوى العالمي في إبراز قضايا العرب والمسلمين وتعريف الرأي العام الغربي بعدالة قضايانا وأصالة تراثنا وقيمنا العربية والإسلامية«، وختمت: »لقد تميز الراحل بمعدنه الأصيل المتميز، كما كان يتمتع بشخصية ودودة لم تتأثر بوهج الشهرة العالمية«.

وفي ختام الندوة، أعلن مالك العقاد أن أسرة الفنان الراحل بصدد تأسيس جمعية باسم مصطفى العقاد لدعم صناع السينما الشبان، حيث من المنتظر أن تقوم تلك الجمعية بتقديم المنح الدراسية وتوفير التسهيلات التقنية للمخرجين الناشئين وعقد مسابقات تساعد على اكتشاف المواهب الواعدة كما أعلن أنه سيقوم قريباً بإعلان حول ترتيبات خاصة بإنتاج فيلم »صلاح الدين« الذي كان والده يحلم بإخراجه.

وقد تضمن الحفل الذي أقيم تحت عنوان »مصطفى العقاد الرجل والرسالة« معرضاً خاصاً لصور الراحل مع أفراد عائلته إلى جانب عرض مقتطفات من فيلم »الرسالة« كما قام الضيوف بالتوقيع على سجل التعازي الذي ستحتفظ به عائلة العقاد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات