ما ذكره الاقتصادي روبرت صامويلسون في صحيفة الواشطن بوست بأن التضخم قد خرج ولن يعود، فربما قصد إحكام سيطرة الفيدرال على منابع التضخم باستخدام سياسات نقدية متعلقة بأسعار الفوائد.

إلا أن الملاحظ أن التضخم غادر الولايات المتحدة مؤقتا ليحل ضيفا ثقيلا على الدول النامية، في حين شهدت اقتصادات الدول العربية وخاصة النفطية قفزة واضحة في التضخم خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2005 .

وفي مسح أجرته رويترز أن معظم دول التعاون أخذت تواجه ارتفاعا في معدلات التضخم، إذ اعتبر التضخم في قطر هو المؤشر السلبي الوحيد في اقتصادها والذي سيصل إلى 6% نهاية العام الحالي، ويتوقع المصرف المركزي الإمارتي أن يترواح معدل التضخم في الإمارات هذا العام بين 5 - 6 % ، وكذا الحال لبقية دول التعاون وبنسب متفاوتة، واستطاعت معظم دول مجلس التعاون أن تبقي التضخم تحت السيطرة.

ودأبت بنوك دول التعاون المركزية على رفع أسعار الفائدة لتتماشى مع اجراءات مماثلة يجريها المجلس الإحتياطي الاتحادي(البنك المركزي الأميركي) لارتباط مثبت عملتها بالدولار، فالتضخم سمة نقدية ترتبط بزيادة كمية النقود المتداولة والتي تمثل زيادة الطلب الكلي على العرض الكلي، فأي اختلال في التوازن بين السيولة النقدية وكميات السلع والخدمات المعروضة سوف يرافقه ارتفاع عام بالأسعار.

واتفق الاقتصاديون على خطورة هذه الظاهرة وآثارها السلبية ليس فقط من الناحية الاقتصادية بل الاجتماعية والسياسية، ويعد مفهوم التضخم من أهم الظواهر الاقتصادية التي تواجه أي اقتصاد في العالم.

لقد استطاعت دولة الإمارات المحافظة على معدل مقبول من الزيادات السنوية في الأرقام القياسية للاسعار. بالرغم من تعرض معدل صرف عملتها الدرهم مقابل الدولار للانخفاض جراء تراجع الدولار مقابل معظم العملات الرئيسية خلال عام 2004 كما ورد في التقرير السنوي لمصرف الإمارات المركزي.

إذ انخفض الدرهم مقابل اليورو 2 ,9% والجنيه الإسترليني 2 ,10% والين الياباني والفرنك السويسري بنسبة 3 ,7% ووحدة حقوق السحب الخاصة 5,5%، في حين ثبت معدل صرف الدرهم مقابل عملات دول مجلس التعاون في نهاية عام 2004 مقارنة بمعدله في نهاية 2003.

ان تركيب عرض النقد في بلد معين يعكس درجة تطورها الاقتصادي، ويتعلق ذلك بنسبة للودائع الجارية والعملة المتداولة إلى عرض النقد، وبصورة عامة يمكن القول إن البلدان النامية تتميز بارتفاع نسبة العملة في التداول إلى عرض النقد.

ويعني ذلك أن العملة في التداول تشغل في هذه البلدان المركز الذي تشغله الودائع المصرفية في البلدان المتقدمة وتلقي هذه العادات المصرفية بعض الضوء على طبيعة نمط السيولة في هذه الأقطار حيث يزيد الطلب على العملة المتداولة في فترة التوسع الاقتصادي.

ويقل في حالة الانكماش وهذا يعني ان نسبة العملة في التداول إلى الناتج المحلي تتعرض لتغيرات كبيرة في المراحل المختلفة للدورة الاقتصادية. ويدل هذا على أهمية استعمال العملة كوسيلة للتداول بقدر استعمالها كوسائل ادخار..

ومن ناحية أخرى وبمتابعة نسبة عرض النقد إلى الناتج المحلي الإجمالي في البلدان النامية سيظهر أنها نسبة منخفضة وتبقى ثابتة نسبياً على المدى القصير وهذا ناتج عن كون النقود في هذه البلدان تُستعمل غالباً لأغراض المعاملات التي تتغير بنسبة التغير في الدخل ويقل الاحتفاظ بالنقود لأغراض السيولة أو المضاربة.

إذ إن ضعف الأسواق المالية والنقدية والهيكل غير المتكامل للاستثمار يدفعان بالأفراد إلى الاستثمار بالعقارات والأسهم والأدوات الاستثمارية الأخرى واكتناز المعادن الثمينة بحثاً عن العائد الأعلى والذي يفوق مستوى التضخم للحفاظ على قيمة القوة الشرائية لأموالهم، وهذا كله يدل على أن العملة في التداول انعكاس لنمط السيولة ولمستوى الناتج الإجمالي في هذه البلدان.

في حين أن تقدم العمليات المصرفية في الأقطار المتقدمة وارتفاع نسبة الودائع النقدية إلى عرض النقد يعكسان نمطاً ثابتاً تبقى فيه نسبة العملة إلى الناتج المحلي الإجمالي ثابتة نسبياً بينما تخضع الودائع المصرفية إلى الدخل القومي لتغيرات واسعة عاكسة بذلك نمط السيولة في هذه البلدان.

إن وجود شركات ومؤسسات استثمارية أجنبية عاملة في دول مجلس التعاون أدى إلى لجوء الأفراد والمؤسسات للتعامل مع تلك المؤسسات لغرض الاقتراض والإيداع مما رفع من نسبة الودائع الجارية تحت الطلب مقارنة بنسبة العملة في التداول إلى عرض النقد.

وهذا بدوره يعني ان جزءاً كبيراً من العملة المتداولة سوف تتجه نحو المصارف مما يعني ازدياداً في احتياطيات البنوك وبالتالي ارتفاع قابلية الإقراض لدى البنوك التجارية للمؤسسات الاقتصادية المختلفة.

وهكذا فإن مرونة عرض النقد في دول التعاون تظهر خلافاً للاقتصادات النامية الأخرى، إذ لا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمرونة إصدار العملة، وما دامت نسبة العملة في التداول إلى الناتج المحلي الإجمالي تتسم بالثبات النسبي في دول التعاون كما هي عليه الحال في البلدان المتقدمة.

لذلك فإن مطلوبات البنك المركزي متمثلة بالعملة المصدرة لن تتغير تغيراً كثيراً مادامت الودائع المصرفية مستعملة على نطاق واسع حيث إن الأخيرة ستتغير تبعاً للتغيرات التي تطرأ على أسعار الفائدة المحلية والدولية والتغيرات في النشاط الاقتصادي والدخول، ومن المفترض ان استقرار نسبة العملة في التداول إلى عرض النقد في معظم دول التعاون يزيد من قدرة البنوك المركزية .

وسلطاتها النقدية على تحقيق التغيرات المرغوبة في عرض النقد والتأثير على البنوك التجارية من خلال الاحتياطيات النقدية لدى تلك البنوك، إلا أن التأثير في قدرة المصارف التجارية الخليجية على منح القروض والتسهيلات الائتمانية سيبقى محدوداً في ظل السيولة العالية التي تتمتع بها تلك المصارف.

من هنا يظهر دور البنوك المركزية في عملية مكافحة التضخم، فالبنك المركزي يمثل الأداة التنفيذية بالنسبة للحكومة ويتحمل اعباء السياسة المالية، فالمحصلة النهائية لتوسع الانشطة الاقتصادية هو توفير النقد الكافي الذي بدوره يسبب التضخم وكنتيجة لهذا التضخم، فقد أولت البنوك المركزية اهتماماً كبيراً لعرض النقد.

ومراقبة نسب الفائدة. كما تواجه البنوك المركزية قضايا صعبة تخص الوزن النسبي الذي يعطى لتقييم النقد ونسب الفائدة على المدى القريب والبعيد.

وتنقسم السياسات الاقتصادية والتي من خلالها يمكن للسلطات النقدية ان تقدم سياساتها العلاجية إلى قسمين سياسات نقدية ومالية واخرى هيكلية. حيث تعتمد السياسات النقدية على اجراء التغييرات اللازمة في كمية النقود عن طريق خفض معدلات التغيير فيها ربما إلى الصفر احيانا كما تعتمد ايضا على سياسة رفع سعر الفائدة.

اما السياسات المالية فتجرى عن طريق السياسات الانكماشية المتمثلة في خفض الانفاق العام للدولة او رفع معدلات الضرائب. وتعتمد الدول المتقدمة اساسا على السياسات النقدية والمالية في معالجة الركود الاقتصادي اما البنوك المركزية في الدول النامية فإن بإمكانها الاستفادة من هذه السياسات كلما طبقتها باساليب رشيدة .

ولكنها لن تستطيع معالجة الظاهرة التضخمية بها وحدها مهما كان الامر ولابد من التجائها إلى سياسات هيكلية، ومن البرامج الإصلاحية التي اقترحها صندوق النقد الدولي خلال النصف الأول من التسعينات هي تقييد التوسع النقدي ورفع أسعار الفائدة..

. أما تقييد التوسع النقدي فيتم تنفيذه جزئيا عن طريق وضع سقوف للائتمان المصرفي وجزئيا عن طريق الحد من الإصدارات النقدية الجديدة.

وبالنسبة لسعر الفائدة فقد تم رفعه بشدة في بعض الحالات إلى أكثر من 30%، ومع ذلك لم يكن النجاح للدول النامية على شاكلة الدول المتقدمة لأن حجم التمويل المصرفي إلى الموارد اللإجمالية المتاحة للتمويل منخفض في الدول النامية مقارنة بالدول المتقدمة.

والنتيجة من ذلك أن مواجهة التضخم المستمر في البلدان النامية لا بد أن تبدأ بسياسات هيكلية قائمة على تنويع اقتصاداتها وتطويرها لتتوافق مع المتغيرات الاقليمية والدولية .

وايجاد مصادر جديدة للإنتاج وللدخل مع اتباع سياسات مالية ونقدية وتجارية لإيجاد مناخ ملائم يساعد على نمو القطاع الخاص مما يتيح فرص جديدة لعمل المواطنين وبالتالي يؤدي إلى انعكاسات إيجابية على أداء الاقتصاد الوطني وهيكلة الاقتصاد.

ـ باحث اقتصادي