كثيرة هي التحديات والقضايا التي يمكن الحديث عنها في مناسبة انعقاد قمة التعاون الخليجي الأسبوع المقبل في أبوظبي. ولكننا نفضل دائما الحديث عن جوانب التنمية البشرية في دولنا نظرا لكونها حجر الزاوية في أي جهود تنموية حقيقية وصادقة من جهة.
ونظرا لما وصلت اليه أوضاع العمالة والعاطلين عن العمل ومشكلات العمالة الأجنبية واستنزافها ثرواتنا من جهة أخرى. وبإلقاء نظرة سريعة على التركيبة السكانية بدول مجلس التعاون الخليجي، تبرز بشكل واضح الاهمية النسبية لفئات الشباب من اجمالي السكان، حيث ينطوي ذلك على الكثير من التحديات الراهنة والمستقبلية.
ولعل تأهيل الشباب حديثي التخرج للاندماج في سوق العمل يعتبر من اهم هذه التحديات التي تواجه الدول والمؤسسات ونظم التعليم والتدريب في دول المجلس.
فالتغيرات الجذرية والمتسارعة في شكل وطبيعة متطلبات منظمات الاعمال اصبحت تتطلب اكثر من أي وقت مضى ضرورة وضع برامج خاصة يتم فيها الربط بين «التعليم» و«التدريب» و«العمل» تهدف إلى مساعدة الشباب للحصول على اول عمل لهم واندماجهم في عالم العمل وتلبية متطلباته.
ويختلف نمط معطيات العرض من القوى العاملة في دول الخليج العربية عن الوضع الموجود في الدول النامية ذلك ان الدول النامية التي نادرا ما تعاني من نقص في العمال، بل ان العمالة تعتبر عامل وفرة عادة ما تنجم عنه البطالة، وتعاني تلك الدول من مشكلات رأس المال والتقنية الحديثة.
الوضع في دول الخليج العربي معكوس، فرأس المال يسمح بتوسعة القاعدة الاقتصادية، ولكنها تفتقر الى العمالة الكافية من الناحيتين الكمية والنوعية الامر الذي احدث فجوة بين العرض والطلب على العمالة.
واثرت بعض العوامل على انخفاض معدلات مشاركة القوى العاملة الوطنية في سوق العمل، نتيجة للمعوقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، مثل انخفاض اسهام الاناث في الانشطة الاقتصادية والتركيب العمري للسكان.
حيث تتراوح نسبة الاقل من 15 سنة ما بين الثلث الى النصف من جملة السكان، وكذلك عدم اقبال المواطنين على العمل اليدوي لدوافع تتعلق احيانا بالوضع الاجتماعي وغالبا بتدني المردود المادي من هذا العمل.
ويمكن القول إن معوقات اندماج الشباب طالبي العمل في سوق العمل تتمثل في، عدة عوامل تتمثل في اولا صعوبة تحديد الاحتياجات التدريبية. فقد تكاد تكون عملية تحديد الاحتياجات التدريبية المستقبلية اشبه بمن يملك قطعا من الشطرنج دون ان تكون لديه لوحة اللعب المقسمة ذات المربعات البيضاء والسوداء اللازمة لتحريك هذه القطع باتجاه الهدف.
ذلك انه من الصعوبة بمكان التنبؤ بالمهن المستقبلية من خلال الاهداف الاستراتيجية وما تتطلبه من مهارات. وقد يكون من المفيد دارسة بعض التجارب الدولية وما حققته من انجازات، وذلك للاستفادة منها في ايجاد انسب الحلول ملاءمة للواقع الاقتصادي والاجتماعي في دول مجلس التعاون الخليجي.
ومن هذه التجارب ـ على سبيل المثال ـ برنامج التدريب المسبق في ايرلندا والموجه خاصة الى الشباب الذين لا يحملون الشهادة الثانوية ويبحثون عن عمل منذ اكثر من ستة اشهر، ولا يستوجب هذا البرنامج ان يكون المستفيد منه متمتعا بأي قدر من خبرة مهنية سابقة.
وانما يهدف الى مساعدة الشباب كي يكتسبوا الخبرة، ويعايشوا مع التقنيات الجديدة ويركز البرنامج على تنمية الثقة بالنفس لدى هذه الفئة من الشباب والثقة بدورهم في المجتمع، وزيادة مرونتهم وتجاوبهم، وتنمية روح المبادرة لديهم، وكيفية التعامل مع المشكلات .
ومهارات الاتصال الفعال واتخاذ القرارات، ومدة التدريب في هذا البرنامج سبعة أشهر يقضي المتدرب خمسة أشهر منها في التدريب خارج محيط العمل وشهرين للتدريب على رأس العمل.
وفي فرنسا تم تطبيق برنامج للشباب للذين تتراوح اعمارهم ما بين 17ـ 26 عاما يعتمد على الارتباط المتبادل بين التدريب في المؤسسات التدريبية.
وفي الدنمارك تم انشاء مدارس للانتاج تربط بين التدريب والنشاط الانتاجي لخدمة الشباب الباحثين عن عمل والذين لا يحملون مؤهلات مهنية، ويكتسب هؤلاء الشباب من هذه المدارس تدريبا وتأهيلا يساعدهم لاحقا في الاندماج في سوق العمل.
لذلك يمكن القول اخيرا ان احتياجات دول مجلس التعاون الخليجي من التدريب اخدة بالتنامي كما ونوعا كنتيجة لزيادة متطلبات سوق العمل من الكوادر الفنية المدربة والمؤهلة على اعلى مستويات الكفاءة والجودة ، وقد اصبح تأهيل الشباب حديثي التخرج للاندماج في سوق العمل لازما للوفاء بهذه الاحتياجات.
ولمواكبة التطورات التكنولوجية السريعة التي تحتاج الى تطوير الكفاءات الفنية والادارية، تلك الكفاءات التي تعتبر عاملا اساسيا في مجال تخطيط وتنفيذ مشاريع وخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
فالتغيرات الكبيرة في اساليب الانتاج الفنية وفي طرق واساليب التسويق واساليب الادارة هي في مجموعها تغييرات هائلة وسريعة غيرت بدورها من نوعية المهارات المطلوبة في المستقبل، الامر الذي يتطلب الاهتمام باستحداث برامج تدريبية جديدة تلبي هذه المستجدات.
وكي نضمن بناء فعالا لمواردنا البشرية الوطنية القادرة على الوفاء بكامل متطلبات الجودة والكفاءات في سوق العمل فلابد من الاهتمام بالتدريب المستمر وتوفير برامج اعادة التدريب والتأهيل، وتنويع مستويات التدريب وتطويرها وتعدد انماط التدريب والتركيز على تعدد المهارات لمواجهة التطور والتجديد في مختلف المجالات.
وقد يكلفنا ذلك تكاليف باهظة لكن المردود قميته لا تدانيها كل هذه التكاليف، فالنتيجة الحتمية للمستوى الجيد من التدريب والتأهيل هي التنمية الشاملة التي تعتمد وترتكز اساسا على التنمية البشرية.