المؤتمر السنوي لاتحاد المصارف العربية الذي انعقد في بيروت مؤخراً تحت عنوان (العمل المصرفي في عالم المخاطر) وحضره حوالي 600 مشارك من كبار القيادات المصرفية في العالم العربي، تطرق إلى قضايا عديدة .
وبحث عددا من النقاط الرئيسية تهم المنطقة العربية.. في مقدمتها الرقابة على أجهزة البنوك بالشكل الذي يجعلها تؤدي دورها الايجابي لصالح التنمية العربية والذي يتناسب مع قوة الدول العربية وما تحتفظ به من مدخرات مالية داخلية وأموال عربية في الخارج.
والسؤال الذي يتردد حالياً على ألسنة المهتمين بالشؤون المصرفية في العالم العربي ـ هل وصل المؤتمر وهو الذي يضم هذا العدد الضخم من كبار القيادات المصرفية .
والذي يمثل 325 بنكاً ومؤسسة مالية عربية وكلهم أعضاء في اتحاد المصارف العربية، وصل إلى مقررات أو حتى توصيات عملية تتناسب مع أهمية المؤتمر وتكون قابلة للتنفيذ العملي؟ وعلى أن تتابع من قبل الاتحاد أو من لجنة فنية يشكلها المؤتمر؟
لقد بحث المؤتمر النقاط المصرفية المختلفة ووصل إلى التوجهات التالية:
ـ وضع نظم ضبط داخلية وتطبيق تكنولوجيا عصرية لتحسين الرقابة والالتزام، والمعروف أن الرقابة المصرفية تأخذ مكانة مهمة بين الموضوعات التي تثار في هذا الوقت داخل القطاع المصرفي العربي، لأنها تمنع تسرب الأموال إلى من لا يستحقونها وتدفعها إلى مشروعات التنمية التي تعالج مشكلات الفقر والبطالة في العالم العربي.
ـ ضرورة التعاون في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب باعتبارهما جرائم تهدد الاقتصادات العربية، وقيام البنوك العربية بوضع خطوات من شأنها قطع الطريق أمام العصابات الدولية في استغلال المؤسسات المالية في أعمال غير مشروعة مطالبين في هذا الصدد بتوافر ضوابط وإجراءات قوية تساعد على تحديد الأنشطة المشبوهة وإعداد التقارير اللازمة لذلك.
ـ تهيئة المناخ الملائم لجذب الاستثمارات الخارجية من خلال دعم استقرار التشريعات والقوانين وتعزيز القطاع القضائي وتطوير الأجهزة الحكومية بما يساعدها في الحد من مظاهر البيروقراطية والفساد الإداري وتوحيد المؤسسات المعنية بقضايا الاستثمار تحت منظمة واحدة لتبسيط إجراءات الحصول على الموافقات والتراخيص والتسجيل والحد من تكاليف هذه الإجراءات.
كما طالب المؤتمر باتخاذ خطوات سريعة ليس فقط لجذب الأموال العربية المستثمرة في الخارج والبالغة حالياً حوالي تريليون دولار أميركي، ولكن لتهيئة الفرصة أمام الفوائد المالية الناجمة عن ارتفاع أسعار البترول والتي تقدر بمليارات الدولارات، خاصة .
وان هذه الأموال يمكن أن تحدث انقلاباً اقتصاديا داخل المنطقة العربية طالما تم تشغيلها في إنشاء مشروعات إنتاجية لمواجهة احتياجات الشعوب العربية والتي تلجأ حالياً لاستيرادها من الخارج بمبالغ ضخمة ( بلغت واردات الدول العربية من الخارج عام 2003 حوالي 303 مليارات دولار أميركي).
ولقد أوضحت بعض التقارير الاقتصادية أن إجمالي الاستثمارات البينية العربية تبلغ حوالي خمسين مليار دولار أميركي بما يعادل 5% من الأموال العربية المستثمرة بالخارج، وفي الوقت الذي تصل فيه الاستثمارات البينية الأوروبية إلى ما يقرب من نصف جملة الاستثمارات الخارجية.
وهو ما يتطلب وقفة عربية جادة طالما أريد للعالم العربي أن يتطور اقتصاديا ويعالج مشكلاته الاقتصادية والسياسية التي تخرجه من الظلمات إلى النور ومن اليأس إلى الأمل وتؤدي إلى أداء اقتصادي جيد لصالح كل الشعوب العربية.
ومع تقديري لكل النقاط المهمة التي أثارها القادة المصرفيون الذين حضروا المؤتمر والذين قدموا أوراقاً وتقارير مهمة في اجتماعاته، فإنني كنت أرجو أن تتشكل من بين المجتمعين مجموعة خاصة لمتابعة توصيات وقرارات المؤتمر والإشراف على تنفيذها.
وعقد اجتماعات خاصة في هذا الشأن حتى لا تكون مثل غيرها من التوصيات التي صدرت في مؤتمرات الاتحاد السابقة ولم يتم تنفيذ شيئا منها حيث لم يتابع التنفيذ .
ولم يهتم به أحد على عكس المؤتمرات التي تتم في الخارج وخاصة في القارة الأوروبية التي استطاعت توصيات مؤتمراتها أن تقود إلى وحدة اقتصادية أوروبية وصلت إلى اتحاد أوروبي كامل.وعلى الصعيد العربي فإنه لم تحدث اندماجات علي الإطلاق بين بنوك عربية تعمل في دول عربية مختلفة، فلم نشاهد علي سبيل المثال اندماجات بين هذه البنوك .
وذلك بالرغم من تقدم العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية وقيام تعاون اقتصادي كبير ساهمت بزيادة التبادل التجاري البيني، كما لم تحدث اندماجات على الصعيد الثنائي أو الثلاثي بين دول عربية مختلفة وبالرغم من قيام منطقة التجارة العربية الحرة التي ساهمت بزيادة التبادل التجاري البيني بما يعادل حوالي 73% خلال الثلاث سنوات الأخيرة.
غير أنه على الصعيد المحلي العربي قامت اندماجات بين البنوك المصرية كان أخرها وأكبرها الاندماج الذي تم بين بنك القاهرة وبنك مصر في شهر أكتوبر الماضي، حيث بلغت أصول كل من بنكي مصر والقاهرة حوالي 4,136 مليار جنيه مصري، أما أصول البنك الأهلي المصري فقد انخفضت إلى المرتبة الثانية حيث تبلغ 7,131 مليار جنيه مصري.
كما قام بنك سوسيتيه جنرال بشراء بنك مصر الدولي مؤخراً، وقام البنك العربي الإفريقي الدولي بشراء بنك مصر أميركا وذلك في محاولات خلق كيانات مصرية كبيرة تستطيع منافسة البنوك الأجنبية التي تتهيأ للدخول في السوق المصري حاليا بعد تفعيل اتفاقية منظمة التجارة العالمية في مجال تحرير تبادل الخدمات المالية بين الأعضاء.
إن هذه الاندماجات العديدة في مصر وفي الخارج تدعو اتحاد المصارف العربية إلى وضع خطة كاملة لدمج البنوك العربية الصغيرة داخل المنطقة العربية كلها بحيث ينشأ منها بنوك عربية ضخمة لها جنسيات عربية مختلفة.
ويكون مركزها الرئيسي في الدول التي يكون فيها أكبر هذه البنوك العربية ولها فروع في الدول الأخرى، على أن يقوم الاتحاد بعرض هذه الخطة على الدول العربية وعلى الاجتماع السنوي لمحافظي البنوك العربية.
لقد آن الأوان لكي تكون اجتماعاتنا عملية وتبحث وسائل موضعية وإيجابية وتضع خططاً تنفيذية وتشكل مجموعات عمل فنية يعهد إليها بالمتابعة والتنفيذ والبحث والعرض على المسؤولين المتخصصين في الدول العربية، حتى يثق المجتمعون أن توصياتهم وقراراتهم سترى النور.. وليس مجرد كلام أو بيانات نظرية تلقى في الهواء.
ـ كاتب اقتصادي مصري