أخذت المشكلات العمالية بالازدياد في الآونة الأخيرة وبدأت تأخذ أشكالا وأنواعاً متعددة لتطرح على شكل منازعات عمالية. وهذه المنازعات يحكمها قانون العمل لدولة الإمارات رقم (8) لسنة 1980.

ونحن هنا لا نريد الخوض في أسباب قيام تلك المنازعات ولكننا سنتناول موضوع القوانين التي تساهم في حل هذه المنازعات وصولاً إلى إعادة الحق إلى أصحابه، وفي الغالب يكون العامل هو الطرف المظلوم والضعيف الذي تهضم حقوقه من قبل الشركة التي كان يعمل بها، فلا مناص أمامه إلا اللجوء إلى الطرق القانونية لاستيفاء حقوقه.

وهنا تكمن العبرات ذلك أن في اعتقادنا أن قانون العمل رقم (8) لسنة 1980 لم يعد يلبي الأهداف التي كان المشرع يريدها عند سن ذلك القانون ولأسباب كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر - قدم صدور هذا القانون والتغيرات الجوهرية والكبيرة في النواحي الاقتصادية والمالية للشركات العاملة في الدولة.

وزيادة حدة المنافسة بين الشركات وكثرة الأيدي العاملة (الأجنبية طبعاً)، وعدم اكتراث أصحاب الشركات بالجزاءات المفروضة عليهم في قانون العمل لأنها أصبحت جزاءات ضعيفة، وغيرها من الأسباب التي تصب جميعها في مصلحة الشركات وأرباب العمل وتضعف من موقف العامل.

ونعود إلى موضوع المشرع الذي يجد الحاجة الماسة إلى تنظيم قواعد قانونية تحكم علاقة معينة مثل علاقة العمل هذه وتدل هذه القواعد على غايات المشرع منها والتي تنصب في النهاية على تحقيق العدالة الشمولية والمحافظة على استقرار المعاملات وحفظ الحقوق، وكما أن القضاء يقوم بدور فعال في معالجة النقص في تلك القواعد القانونية من خلال إصداره لمبادئ قضائية تكون مكملة لتلك القواعد القانونية.

غير أنه في السنوات الأخيرة لم يعد قانون العمل يلبي غايات وأهداف المشرع كما أسلفنا، مما دفع بالشركات ونتيجة للأسباب التي ذكرناها إلى استغلال هذه الثغرات في قانون العمل وقانون الإجراءات المدنية بمساومة العامل على حقوقه وقد تصل هذه المساومة إلى اضطرار العامل إلى التنازل عن نصف حقوقه أو أكثر بدلاً من أن يسلك الطرق القانونية لاستيفاء حقوقه التي صارت تثقل كاهله .

ومثال على ذلك إذا أنهى العامل مدة خدمته لدى شركة معينة أو تم إنهاء خدمته لأي سبب كان فإن هناك حقوقاً للعامل تترتب لدى الشركة التي كان يعمل لديها والتي في الغالب سوف لن تمنحه هذه الحقوق بطيب خاطر كاملة وإنما سوف تساومه على التنازل عن جزء كبير منها وإلا فليذهب العامل ويسلك طريق القانون والنتائج معروفه سلفاً !!

حيث سيضطر العامل إلى اللجوء أولاً إلى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لعرض نزاعه عليها اعتمادا للمادة (6) من قانون العمل وعندها سيقوم الموظف المختص ببحث مشكلته مع الشركة التي كان يعمل بها وغالباً ينتهي الموضوع بإحالة النزاع إلى المحكمة المختصة .

وهذا يتطلب من الوقت من أسبوع إلى شهر أو أكثر رغم أن القانون حددها بسقف زمني لا يتجاوز أسبوعين، ثم يحال الموضوع إلى المحكمة وفيها يتم تسجيل الدعوى وتعطي له موعداً لنظر الدعوى قد يصل إلى أسبوعين أو ثلاثة وفي اليوم المحدد لنظر الدعوى لم يحضر من يمثل الشركة، وبقصد، مستغلة إباحة القانون لها حيث ستضطر المحكمة إلى تأجيل نظر الدعوى إلى أسبوعين أو ثلاثة ويتم إعلان الشركة للمرة الثانية وهذا الخلل الذي نأخذه على قانون الإجراءات المدنية.

والذي يساعد في تأخير حسم الدعوى أو النزاع وإعادة الحقوق إلى أصحابها ثم في الجلسة الثالثة يحضر عن الشركة ممثلها أو محاميها ويطلب التأجيل للإطلاع والرد وهذا الخلل الثالث الذي نثبته على قانون الإجراءات الذي يزيد من مشكلة العامل ويثقل كاهله حيث سيضطر العامل إلى الرد وتقديم الأدلة الثبوتية ثم يطلب ممثل الشركة تأجيلاً لتقديم مستنداته .

وهكذا تستمر المحكمة في إجراءاتها المبنية على أسس قانون قديم بالٍ لا يلبي غايات وأهداف من شرعه في حينها ويساعد في هضم حقوق العامل وإذا بمدة التقاضي تمضي وتأخذ فترة طويلة قد تمتد لأكثر من ستة أشهر والعامل يراوح في مكانه لا عمل ولا مورد مالياً ولا حقوق له وعند التنفيذ يسلك الخصم (الشركة) طرق أخرى وهي قانونية أيضاً غايتها تأخير استيفاء العامل لحقوقه ومن هذه الطرق الاستشكال على التنفيذ.

والذي نريد أن نقوله لو كان العامل الذي انتهت خدماته ويريد الذهاب ـ السفر ـ إلى وطنه سيضطر أن يبقى في الدولة لأجل استيفاء حقوقه مدة أكثر من ستة أشهر لا عمل ولا مورد وهذه مضره كبرى عليه فمن أين يعيش.

وأين يسكن ثم ماذا لو كانت لديه عائلة يعيلها، فنكون أمام قوانين بدلاً من أن تساهم في إعادة الحقوق إلى أصحابها نجدها تساند الظالم في هضم هذه الحقوق، وهذه الحالات أصبحت ظاهرة سلبية خطيرة ينبغي التصدي لها من قبل المشرع أولاً والقضاء ثانياً.

ونرى من المقترحات التي نطرحها هنا قد تكون علاجاً حقيقياً للقضاء على هذه الظاهرة التي تمس سمعة الدولة وتقدمها وازدهارها وهي:

1 ـ تشكيل لجنة لدراسة واقع قانون العمل الحالي ورفع التوصيات باتجاه تعديل أو حذف أو إضافة مواد أو إصدار قانون عمل جديد يتماشى مع الواقع الحالي وليكون أكثر إيجابية في حماية الطرف الضعيف.

2 ـ تشكيل هيئة قضائية خاصة يكون اختصاصها النظر في المنازعات العمالية وفق ما يأتي :

أولاً: يكون الحكم الصادر من الهيئة حكماً باتاً لا يقبل الطعن عليه.

ثانياً: على الهيئة أن تنظر في النزاع وتحسمه خلال فترة لا تزيد على شهر.

ثالثاً: للهيئة بعد إصدار حكمها أن ترغم الشركة أو رب العمل على تأدية حقوق العامل فوراً ومن خلالها دون الحاجة اللجوء إلى قسم التنفيذ في محاكم دبي.

رابعاً: إذا كان الحكم الصادر في مصلحة العامل، فللهيئة أن تفرض على الشركة أو رب العمل أجرة شهر للعامل نتيجة بقائه خلال فترة التقاضي بدون عمل (أو أجر مدة التقاضي).

خامساً:يمكن للعامل اللجوء إلى الهيئة دون المرور بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية وهذا يحتاج إلى إلغاء المادة (6) من قانون العمل.

3 ـ إذا ثبت من خلال الحكم الذي أصدرته الهيئة في الفقرة (2) من أعلاه أن للعامل حقوقاً على الشركة أو رب العمل فيجب إيقاع غرامة على تلك الشركة أو رب العمل لكي لا تتمادى في تأخير أو محاولة هضم حقوق عمالها الآخرين ولكي تكون عبرة لغيرها.

4 ـ إذا لم تنفذ الشركة أو رب العمل الحكم الصادر في استيفاء حقوق العامل خلال أسبوعين فيتم توقيع غرامة مالية يومية على الشركة أو تجميد رخصتها حتى يتم استيفاء العامل لحقوقه.

5 ـ يمكن للهيئة أن تمنح الأذن للعامل المفصول فصلاً تعسفياً بالعمل لدى الغير ويعتبر قرارها بهذا الشأن ملزماً لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية وإدارة الجنسية والإقامة. ونعتقد أن تطبيق هذه المقترحات قد تساهم بشكل كبير في تقليص المنازعات القضائية العمالية وقطع الطريق أمام من يتعسف باستعمال القانون لمصلحته ونكون قد نصرنا المظلوم بالحق والعدل.

rashid.shabib@binshabib.ae