يقدم مهرجان دبي السينمائي الدولي في دورته الثانية فرصة حقيقية لان تلتقي ثقافات كثيرة ببعضها بعضاً، مما يغنيها جميعاً إذ ان لا ثقافة من دون التحاور والتجاور والتماهي والتناقض مع ثقافات أخرى فالحضارة الإنسانية واحدة، وكلما تعددت ثقافاتها كلما أزدادت غنى وتقدما.

وما يحكى عن صراع حضارات كمصطلح يستخدم في هذه الآونة نتيجة للفروقات الاقتصادية الضخمة والمرعبة بين الدول، ليس سوى شعار يقوم بتغطية أهداف مصلحية لا تغير بمفهوم الحضارة الإنسانية الواحدة المتعددة الثقافات إلا إذا كان المقصود تفريغ «الحضارة» من مدلولها.

من الفرص القيمة التي قدمها المهرجان في دورته الثانية التقاء بعض صناع السينما العالمية الكبار أمثال مورغان فريمان وكوستا غافراس وسواهما من نجوم التمثيل العرب والأجانب.

يحتل المخرج الفرنسي كوستنتين كوستا غافراس مكانة عالمية بين زملائه في عالم الإخراج السينمائي، وهو ولد في اليونان لأب روسي وأم يونانية ثم هاجر شاباً إلى العاصمة الفرنسية باريس ودرس في جامعة السوربون ثم التحق بالكلية الوطنية الفرنسية للفنون السينمائية، بعد ان فشل بالحصول على فيزا إلى الولايات المتحدة الأميركية بسبب ميوله اليسارية المعروفة عنه، أدرجته الحكومة اليونانية اليمينية في ستينات القرن المنصرم على اللائحة السوداء للأسباب نفسها.

بدأ عمله في السينما كمساعد مخرج لثلاث سنوات ليقوم بإخراج أول أفلامه في العام «1965» الذي لفت الأنظار تحت عنوان «شوك تروبس» عن المقاومة الفرنسية بوجه الجيش الألماني النازي وصدمه ان يكون بينهم أحد الخونة، في العام التالي أخرج «ذا سليبنغ كار موردر»، يدور حول جريمة قتل تتحرى عنها الشرطة، لكن أحد عناصرها يحاول إبعاد الشبهة عن أحد المتهمين.

في العام «1969» قدم فيلمه «زاد» الذي حقق له شهرة واسعة أكدت حضوره كواحد من كبار صناع الفن السابع عن قصة حقيقية جرت في اليونان، حول مقتل عضو برلمان عن طريق الدهس بشاحنة ليبدو الأمر قضاء وقدراً، لكنّ تحقيقاً صحافياً يكشف ان الأمر كان مدبراً، ومنذ هذا الفيلم بدا غافراس كمنتج للسينما السياسية التي ألهمته القيام بأكثر من فيلم.

مثل: «ستيت ان سيلج» عن دبلوماسي أميركي يخطف من قبل يساريين في أميركا الجنوبية. وعلى المنوال نفسه استمر غافراس في شريطة «ميسنغ» الذي نال عنه جوائز من مهرجانات عالمية كثيرة مثل «كان» وسواها تدور احداثه حول صحافي أميركي يساري يختفي في أميركا اللاتينية في ظروف غامضة ويصر أهله بالبحث عنه.

بطولة جاك ليمون الذي نال اوسكار عن أفضل ممثل فيه وسيسي سبايك اوسكار أفضل ممثلة لعام 1982، بعد هذه الجوائز الكبيرة بعام واحد صدم غافراس الرأي العام الغربي بإخراجه فيلم «هانا.ك» عن فلسطيني يعود بعد 20 عاماً الى بلده ليجد امرأة اسرائيلية قد احتلت منزله.

كتب الفيلم الايطالي فرانك سولناس الذي عرف بمناهضته للصهيونية ولتشريد عشرات الآلاف من الفلسطينيين، فتحمل مع غافراس أعباء حملات دعائية قادها ضدهما الوكالات الصهيونية في أميركا وأوروبا.

حول أعمال غافراس وشؤون وشجون السينما كان لـ «البيان» هذا الحوار معه:

ـ هل هذه زيارتك الأولى إلى دبي؟

ـ دعوت في العام الماضي إلى الدورة الأولى من المهرجان، وللأسف لم أتمكن من الحضور لضيق الوقت.

ـ كيف تقيم هذا المهرجان في دورته الثانية؟

ـ في البداية لا بد أن أعلن عن إعجابي بالتنظيم المميز من بين مهرجانات كثيرة عالمية. وكذلك لفتني فيلم الافتتاح «الجنة الآن» لحسن اختيار اللجنة المنظمة له. وشاهدت عدة أفلام عربية من مستوى جيد، وكذلك هي مدينة دبي الرائعة الجمال فيها عبق خاص أحببته.

ـ هل شاهدت الأعمال القصيرة الإماراتية؟

ـ شاهدت بعضها، وأعتقد أنها ليست كثيرة والمهم أنها حاضرة.

ـ أعجبتك؟

ـ الأمر فيما يتعلق بالأفلام القصيرة والمشغولة بتقنيات بسيطة تتعدى مسألة التقييم المادي إلى ما تحتاج إليها بالفعل. وهو التشجيع على الاستمرار في المحاولة.

ـ كيف ترى السينما العربية الروائية؟

ـ لست من المتابعين بقوة للسينما العربية، رأيت بعض الانتاجات من الجزائر ومن مصر ومن المغرب وهي جيدة إلى حد كبير وتعجبني سينما الصديق يوسف شاهين الذي يمتلك حساً إبداعياً يلتقط عبره حركة الواقع ونبضه ويقدم مادة إشكالية للحوار الذي يهجس به.

ـ متى تعتقد أن السينما العربية ستصبح قادرة على أن تثبت ذاتها بين السينمات الأخرى العالمية؟

ـ نصيحتي لكل البلدان العربية أن يشجعوا السينما وعمالها، وأن يفتحوا آفاقاً لإنتاج الصورة التي تشكل مرآة يرون بها أنفسهم ويراهم فيها الآخرون.

ـ صناعة السينما إجمالاً عمل متكامل بين عدة قطاعات، فلا يكفي أن يكون لديك مواهب إخراجية أو تمثيلية إذا لم تمتلك قدرة على التوزيع ما رأيك بذلك؟

ـ هذا صحيح لذلك أقول لك على المؤسسات الرسمية العربية أن تدعم هذا القطاع الفني المهم كما تفعل أميركا وفرنسا ودول كثيرة أخرى تدعم صناعة الفن السابع لأنها تعرف أهمية تقديم الصورة للذات وللآخر.

ـ على سيرة السينما الأميركية، ألا تراها تطغى على السينما الأوروبية في الكم والنوع؟

ـ إذا كان المقصود من سؤالك أن أجيب أيهما أفضل السينما الأوروبية أو الأميركية فالجواب واضح، الأوروبية بالطبع من حيث النوع والإشكالات التي تطرحها.

وإذا كنت تقصد أيهما أفضل على شباك التذاكر وتحقيق الإيرادات فالجواب واضح أيضاً الأميركية دون أدنى شك. لقدرة الأخيرة على التوزيع الواسع إضافة إلى الميزانية الكبيرة التي يضعونها لإنتاج الأعمال الضخمة. والدعم الذي تؤمنه لهم الإدارة الأميركية والشركات الكبرى.

ـ لا أعتقد أنه يمكن اختصار السينما الأميركية بضخامة الانتاج وبالقدرة على التوزيع الكبير فقط، أليس كذلك؟

ـ بالطبع لا، لكن قلة قليلة هي الأفلام الجيدة، بالمقارنة مع حجم الكم الهائل من الانتاجات السينمائية، ودعني أقول لك ان ثلثي الأفلام الجيدة الأميركية ليست مصنوعة من أميركيين بل من أوروبيين من ايطاليا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا حتى أنا نفسي أعمل في أميركا، التي فيها انتاجات هوليوودية جيدة ورديئة وهناك محاولات انتاجية من خارج هوليوود لكنها لم تستطع ان تؤكد حضورها حتى الآن بقوة.

ـ هل السينما مكاناً للصراع السياسي أو للتنافس الفني؟

ـ الصراع مصطلح موجود بطبيعة الإنسان وحركته اليومية داخل منزله وفي علاقته بكل الأشياء، ولا يفهم من الصراع فقط نظرية «القتال»، بل المقصود النضال الذي يؤديه كل حي في سبيل قضايا كثيرة تبدو بالوجود والاستمرار وتنتهي بالاقتصاد والثقافة وصولاً إلى جبهات الحرب.

ـ تقلقك الأمور السياسية، حتى أطلق عليك صفة المخرج السياسي؟

ـ السياسة بمعناها اليومي لا تعنينا مع أنني ألحظ وجودها وأراقبها، لكن السياسة بتأثيراتها على حياة الناس تعنيني بقوة، ومن المهم لي كسينمائي أن أرى تكون حركة الشخصيات في مجال «أيديولوجي» معين، وما هي ردات الفعل وإلى أين يمكن أن تصل؟

ـ لذلك أخرجت فيلم «أمين» عن النازية، وأفلام أخرى تهجس بالشأن السياسي الذي ذكرت؟

ـ أنظر إلى السياسة كشأن منفصل عن الحياة، فأنا عندما أشير إلى مسألة العدالة أكون أتكلم في السياسة، وإذا أشرت إلى غياب الديمقراطية أو إلى اضطهاد الإنسان لإنسان آخر أكون في قلب الصفة السياسية، وهذا طبيعي، فأنا مخرج معني بالحياة بكل ما فيها من حقائق وأوهام.

ـ إلى أي مدى يتوهم غافراس أنه يصنع حياة بالصورة السينمائية؟

ـ سؤال جيد، بقدر ما تتوهم أنت أنك تضع مقالة جيدة، أو يتوهم الشاعر بأنه ينشد ملحمة ستؤثر بحركة التاريخ، الوهم هو أصل التحريض على الاستمرار بلعبة الحياة ولعبة الفن والابداع.

ـ متى يتوقف الفنان عن اللعب؟

ـ عندما يستدعيه الموت فتهدأ فيه روحه وتدخل الكاميرا في الكادر ويصبح المشهد المسيس في أصله أبيض تخترق سكونه الأشياء السوداء لوحدها.

حوار: حسين قطايا