شهدت الفترة الأخيرة ظاهرة هجرة الصناعات الصينية جنوباً، مبتدئين بجارتهم الأقرب فيتنام. فقبل مغادرة وطنه الأم منذ عامين، كان لي شاوشنغ، يخسر أمواله في مصنع الأكياس البلاستيكية في وسط البلاد، وعلى الرغم من التصاق اسم بلاده بوفرة يدها العاملة الرخيصة.
وفرصها الاستثمارية التي لا تقف عند حدود، فقد وجد نفسه مكبلاً بقيود ارتفاع الأجور، ونقص الطاقة، والأسعار الثابتة لسلعه، وكما هو حال أصحاب رؤوس الأموال دائماً، فقد انكب على البحث عن مكان أكثر سهولة لتحقيق الربح، فما كان منه إلا أن اجتاز الحدود جنوباً وأقام هناك مصنعاً في مجمع صناعي جديد في فيتنام الشمالية، حيث تقل الأجور بمعدل الثلث عما هي في بلاده.
وفي هذا السياق، قال «لي»: إن المنافسة في الصين على أشدها، والاستثمار في فيتنام معقول، إلى أبعد الحدود. وأضاف «لي» من مكتبه المكيف ذي الواجهة الزجاجية، حيث يكدح 500 عامل في مبنى المصنع المجاور «إن العمال في هذه المنطقة يجدون مشقة في البحث عن عمل، وهم على استعداد للعض عليه بالنواجذ، وتحمل كل أشكال المرارة».
وكما سبق أن نقل رجال الصناعة الأميركيون أعمالهم إلى أميركا اللاتينية، وكما يحلو للمصانع الأوروبية الغربية النظر إلى بولندا وهنغاريا، فإن رأسماليي الزمن المعاصر الصينيون، يركزون بكل ثقلهم على جني المكاسب من جنوب شرق آسيا، فهم يطرقون أبواب أسواق جديدة لمبيعاتهم ويخلقون وظائف لعمال على استعداد للعمل بأجور تقل عما في بلدانهم.
وربما في ظروف أشد قسوة، ففي ظل اقتصاد عالمي يحركه السعي نحو تكاليف أكثر انخفاضاً، وأرباح أكثر ازدياداً، وهو سعي قادته كثير من الشركات متعددة الجنسية باتجاه الصين الأدنى أجوراً، فإن جنوب شرق آسيا، راحل ؟ باعتباره نسخة الصين من الصين.
ولقد وجد أصحاب الرؤوس الاستثمارية الصينيون، في فيتنام بلداً، يمر بمرحلة مخاض عسيرة من الشيوعية، نحو اقتصاد تحكمه قوى السوق. وكان هؤلاء اعتادوا على ممارسة التجارة في مكان تلعب فيه العلاقات الشخصية والوصول إلى السلطة، فوق سلطة القانون.
وفي هذا الصدد قال جاو كوينغهاي، صاحب مصنع للنسيج، والذي يرأس غرفة التجارة في مقاطعة زهاي جيانغ في هانوي انه ليس ثمة مشكلة في إدراك ضرورة استخدام الرشى تحقيقاً للمصالح.
إن الاستثمار الصيني في فيتنام لايزال حالياً في طور نموه، فمنذ عام 1988 استقطبت فيتنام أكثر من 50 مليون دولار. نصفها فقط جاء من فيتنام، وسنغافورة، واليابان وكوريا الجنوبية، وفقاً لأرقام حكومية وقد ضخ السيد الصيني وحده 734 مليون دولار فيما يخوض منافسه في مواجهة الاستثمار الأجنبي.
غير أن القسط الأعظم من أموال البر الصيني، تجري تصفيته من خلال شركاء في هونغ كونغ والتي أغرقت في الأسواق الفيتنامية 7 ,3 مليارات دولار منذ 1988 وفقا لإحصائيات رسمية.
كما شهد الاستثمار الصيني طفرة في السنوات الأخيرة، وأضحت الصين أكبر شركاء فيتنام التجاريين، حيث من المتوقع أن تصل التجارة البينية، إلى 5, 7 مليارات دولار هذا العام، وفقاً لإحصائيات رسمية.
وفي الإطار ذاته، أعرب تيجوين آن توان نائب مدير وكالة الاستثمار الأجنبي في هانوي، عن توقعاته بحدوث تطور سريع في الصين مستقبلاً. مضيفاً بأن إمكانات الاستثمار الصيني في فيتنام بالغة القوة.
ولقد ركزت كثير من الشركات الصينية العاملة في فيتنام، على الاستثمار في مصادر الغاز الطبيعي والطاقة. فخلال شهر اكتوبر، وتزامناً مع زيارة الرئيس الصيني هوجنتاو إلى هانوي وقعت شركة النفط البحرية الصينية اتفاقاً مع شركة محلية للطاقة لإقامة مشاريع مشتركة للتنقيب عن النفط والغاز في خليج «بيباو» الفيتنامي.
ومن ناحية أخرى فإن المستثمرين الصينيين، راحوا يوسعون أنشطتهم في فيتنام، ضماناً لحصة من سوق جنوب شرقي آسيا، استباقاً لتوقيع اتفاقية التجارة الحرة المزمع عقدها مع الصين.
كما عمد مصنعو الأقمشة والألبسة الصينيين، إلى نقل أعمالهم إلى فيتنام تحايلاً من جانبهم على نظام الحصص المفروض على الشحنات الصينية إلى كل من أوروبا والولايات المتحدة.
هذا بالإضافة إلى أن بعض الاستثمارات تدفعها التطبيقات الصارمة لمعايير البيئة في بعض مناطق الصين. واستناداً إلى مصادر المستثمرين في الصين، فإن زعماء المناطق الساحلية كانوا يشجعون أصحاب الصناعات المسببة للتلوث مثل المواد البلاستيكية والفولاذ والالكترونيات على التفكير بالانتقال إلى جنوب شرقي آسيا.
وقد تصدرت الضغوط وينجاو، وهي مدينة في مقاطعة رجنجانغ، إلى الجنوب من شنغهاي والتي خدمت كقاطرة للنمو في القطاع الخاص الصيني. فقد عقد مسؤولون في وينجاو في الأشهر الأخيرة، محادثات طاولة مستديرة مع مستثمرين محليين لتشجيع المصانع المسببة للتلوث على الانتقال.
ونقل عن اثنين من المشاركين في أحد الاجتماعات قولهما إن نائب محافظ وينجاو، أعلن بصرامة أن الصناعات المسببة لنسب كبيرة من التلوث، سوف تحرم من الأرض والمياه والكهرباء وأضاف هؤلاء إن حكومتي وينجاو، ومقاطعة جينجانغ قامتا بتنظيم 50 رحلة مدفوعة التكاليف لدراسة المواقع الصناعية المحتملة في فيتنام، وغير مكان في جنوب شرقي آسيا.
وفي حين يصف لفيف من المستثمرين الصين بأنها منارة الأمن العمالي أو الأجور العالية فإن المستثمرين الصينيين أقروا في مقابلات بأن فيتنام تغري بكونها مكاناً أكثر رخصاً وأقل تنظيماً لافتتاح مصنع وفي هذا الصدد قال كينغ سونغ، نائب المدير العام لـ «ليفان فيتنام».
وهو مصنع للدراجات الهوائية تم افتتاحه خارج هانوي من قبل شركة صينية «إن العمال هنا يتحملون الصعاب» مضيفاً بأنه مهما كانت المتطلبات التي تحدد لهم في سحابة يوم فإنهم لا يترددون في تنفيذها.
ففي أحد المصانع وتحت أشعة الشمس الحارقة قام العاملون بفرد ألواح من الألمنيوم دون استخدام القفازات الواقية في حين كان آخرون يشغلون مكائن ثقيلة دون استخدام النظارات الواقية أو سدادات الأذن تحت أسقف من الألمنيوم المتدرج في مباني سيئة التهوية فيما قام آخرون بنقل الطابوق على عربات يدوية إلى مواقع البناء.
ترجمة: وائل الخطيب
