لا يبدو أن حرب شركات مستحضرات التجميل في المنطقة، من أجل الفوز بالنصيب الأكبر من «بشرات» النساء، والرجال على حد سواء، آخذة بالاتجاه نحو تسويات سلمية.

فعناوين المعركة المستعرة منذ شهور بين عملاقي الصناعات الاستهلاكية، يونيليفر الانجليزية وبايرزدورف الألمانية، وتحديدا بين مستحضر «دوف» الذي تصنّعه الأولى و«نيفيا» الذي تصنّعه الثانية، تتخذ عناوين أشد إثارة: أوامر قضائية، تضليل المستهلكين، ادعاءات باطلة عن الأداء، حملات تسويقية مضادة..

وحتى الصراع على اللون الأزرق والأبيض الذي تتهم «نيفيا» منتج «دوف» بسرقته. معركة تسويقية بامتياز، أدواتها إعلانات تتنطط فيها فتيات رشيقات أو تجسّد صورا لنسوة حقيقيات، بعيدا عن صورة «الموديل» الإعلاني، وتصريحات نارية «فوق الطاولة» صادرة عن الألمان، بينما حملات أخرى « تحت الطاولة»، يجيد شنّها الانجليز.

وفي الوقت الذي لا تتردد فيه بايرزدورف عن الكشف أنّ صادراتها إلى الشرق الأوسط قد حققت في الأشهر الستة الأولى من العام الحالي نموا بلغ أكثر من 31%، قياسا بالفترة ذاتها من العام الماضي، ترفض يونيليفر، التي تتخذ من السعودية مركزها الإقليمي في المنطقة، الكشف عن مبيعاتها المتعلقة بمستحضر «دوف».

ويقول روبرت تايلور- هيوز، المدير العام في بايرزدورف ـ الشرق الأوسط، إنّ الحملات الدعائية، المتضمنة الإعلانات والعلاقات العامة والأدوات التسويقية الأخرى، قد ساهمت خلال ستة أشهر في رفع مبيعات كريمات نيفيا سوفت بنسبة 20%.

ويركّز، بشكل خاص، على حملة «ترطيب أكثر»، والعروض الترويجية التي قدمتها بالاشتراك مع «ويالد وادي»، ودورها في الاستحواذ على أكثر من 50% من سوق مستحضرات العناية البشرة،« إذا ما أخذنا بعين الاعتبار جميع القنوات التجارية».

ولا يتردد عن اتهام «يونيليفر» بسلوك بعيد عن «أخلاق المنافسة»، عبر القيام بحملات دعائية تسوّق لمنتجها «دوف» عبر التشهير بمنتج «نيفيا». يقول:« تقوم يونيليفر بحملات دعائية قوامها المقارنة السلبية ضد نيفيا، لكنّ هذه الحملات لم تثمر».

ويشرح:« لا يستطيعون أن يطمسوا تاريخ 100 عام من النجاح بمجرّد وضع منتج دوف في عبوة باللونين الأبيض والأزرق، ظنّا منهم أنّ ذلك كفيل بأن يجذب المستهلك الذي اعتاد على استخدام مستحضر نيفيا».

ويكشف عن تصعيد كبير وصل الى حد «قيامنا باستصدار أوامر قضائية لمنع دوف من القيام بالادعاءات الباطلة عن أدائها ومنتجاتها وتضليل المستهلكين». ويختم:« ان القطاع الذي ننتمي اليه يتطلّب الابداع، وكنت أتوقّع ابداعا أكثر من شركة بحجم يونيليفر وعلامة معروفة مثل دوف».

و قد حاولت «البيان» الحصول من مدير العلامة التجارية «دوف» على تعليق بشأن اتهامات الشركة الألمانية، فأعرب في البداية عن ترحيب يونيليفر بالرد على أسئلة الإعلاميين، «الا ان سياسة الشركة لا تحيل لنا الحديث مباشرة الى الصحافة، بل عبر قسم العلاقات العامة».

وبعد تأكيدات برغبته حضّ مسؤول العلاقات العلامة على الحديث عن الموضوع، لم تثمر الوعود عن شيء وفضلت «يونيليفر» التزام الصمت تجاه اتهامها بشن حملات دعائية «تحت الطاولة» تسيء الى المنتج «نيفيا».

* استهداف الرجال

ولا تزال الشركة الألمانية وفيّة للوعد الذي قطعته علامتها نيفيا للمستهلكين منذ زمن بعيد، كونها علامة لمنتج عناية بشرة تستخدمه الطبقة المتوسطة. لكنّها، في المقابل، بذلت جهودا كبيرة، ومثمرة في كثير من الأحيان، في اتباعها سياسة «تمديد العلامة التجارية» او «براند اكستانشين».

وهذا يعني عدم حصر علامة «نيفيا» في نوع واحد من المنتجات هو الكريمات المرطّبة. لذلك اعتلت العلامة عبوّات مزيلات العرق للجنسين، وأيضا منتجات المسكارا لتكحيل العين، بالاضافة الى التوسّع في مجال العناية ببشرة الرجال.

كذلك، عوّضت «نيفيا» الخسائر التي تعرضت لها في بعض الأسواق، مثل لبنان ومصر، بسبب الاضطرابات السياسية التي حصلت في الفترات الأخيرة في البلدين، بتكثيف جهود تسويقية معيّنة في المنطقة، وتحديدا جهود الرعايات التجارية «سبونسير شيب»، فكانت رعايتها لمناسبات مدرسية، طمعا بكسب شريحة المراهقين من الفتيان والفتيات.

وكذلك ربط علامتها بالكاريزما الرياضية المثيرة، عبر رعايتها حفل سباق «الفورمولا وان» في البحرين ورعايتها فريق «روتاكس آر أم وان» في دبي اوتودروم:« استفدنا كثيرا من التعاون مع بروموسفين للعلاقات العامة وتي بي دبلو ايه رعد للإعلانات».

* إعلانات «الواقع»

وتحاول كل من الشركتين استهداف شريحة مختلفة من النساء، عبر الإعلان عن مستحضريهما للعناية بالبشرة. ففي الوقت الذي تركّز فيه «نيفيا» في إعلاناتها على الفتيات في عمر المراهقة، من خلال دعايات تظهرهن رشيقات، يلعبن بالماء ويغنين.

ولا يحملن همّا في الحياة غير الاعتناء ببشراتهن ليغدون أكثر «إشراقا» و«كول» (أي خفيفات الحسّ والروح)، تقوم «دوف» بمخاطبة فئة النساء في عمر أكبر. بل ان أحد إعلانات «دوف» غامر باستخدام وجه إعلاني لامرأة في الستين من عمرها.

وبلغت جرأة «دوف» الدعائية أشدّها في قيامها بالاستغناء عن الطريقة التقليدية المتمثلة باستخدام وجوه جميلة ومرتّبة، تكاد تكون «صناعية»، للإعلان، واتجاهها لاستخدام وجوه نسوة «حقيقيات»، كاللواتي نراهن في حياتنا اليومية في الشارع والبيت ومكان العامل.

وطبقت «دوف» بذلك فكرة ما يعرف ب«إعلانات الواقع»، أو «الإعلانات الحقيقية»، وهو النهج الذي سبق لشركات أن استخدمته من قبل فنجح بعضها وفشل البعض الآخر. وفي هذا المجال، نذكر، على سبيل المثال شركة «بودن» boden الانجليزية المتخصصة بقطاع الملابس.

والتي استخدمت أجسادا «منطقية» ووجوها «حقيقية» في «الكاتلوغ» الخاص بمنتجاتها، فما كان من زبونات «بودن»، اللواتي يتمتعن جميعا بهيئة وصورة رائعتين، أن صدمن من تصرّف الشركة. أما «ماركس أند سبنسير» Marks&spencer، فقد فشل كثيرا لدى اظهار نساء حقيقيات في حملة دعائية حملت اسم «أفيريج».

من جهتها، أظهرت «دوف» في حملة إعلانية حملت عنوان «كل البشرات جميلة حين يتم تغطيتها بمرطّب جميل»، نساء على وجوههن نمش، وأخريات يظهرن انفعالات الفزع والتوتر، وأخريات رياضيات يضعن الوشوم على أجسادهن .

ويثقبن آذانهن والأنوف، راغبة بمواجهة الصورة النمطية وغير الواقعية، بحسب رأيها، التي تظهر عليها النساء في إعلانات المنتجات المنافسة، مثل «جونسون أند جونسون» و«نيفيا».

وتفاوتت الآراء حول حملة «دوف»، اذ وصفها بعض النقّاد بأنها «محاولة ايجابية لترويج فكرة «دمقرطة الجمال»، أي أنّ الجمال بوسعه أن يكون قيمة متاحة للجميع، من دون اشتراطات تتعلّق بالهيئة واللون والعمر وطبيعة البشرة».

بينما وجد آخرون انّ ما قامت به «دوف» يحمل الكثير من المخاطرة، اذ إنها «قضت على مساحة التخيّل التي يريد مشاهد الإعلان أن يتماهى من خلالها مع صورة النجم الإعلاني. فالناس لا تريد أن ترى أشباهها في الإعلان.

وهي تعرف أن المنتج لن يغيّرها تماما ولن يجعلها تشبه صورة الوجه الإعلاني، ولكنها تريد أن تحتفظ بمساحة صغيرة، في مكان ما من عمقها الداخلي، للوهم الساحر. غير أن دوف أرادت أن تنسف كلّ ذلك».

وانتقد آخرون تصنيف «دوف» لحملتها الإعلانية في إطار «الإعلان الواقعي»، واعتبروا ان الواقع المقصود هنا هو واقع «تلفزيون الواقع»، الذي يقوم، متعمدا، باختيار نماذج واقعية، يتم «ترفيعها» لتسلّط عليها الأضواء. لكنّ فعل الانتقاء بحد ذاته، يبعد فكرة «الحقيقة» العفوية عن معناها.

كتب إبراهيم توتونجي: