بدأت مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي منذ عام 1988، أي أن 17 عاما مرت منذ بدء هذه المفاوضات.
وعلى الرغم من ذلك فقد كانت هنالك دائما عقبات منعت من التوصل إلى اتفاق نهائي. في أكتوبر 2005، كشفت آخر جولة من المفاوضات بين الطرفين في أبوظبي عن إمكانية التوصل أخيرا إلى اتفاق بنهاية هذا العام، طبقا لتقرير النشرة الاقتصادية لغرفة تجارة وصناعة دبي لشهر ديسمبر.
وتصنف أحدث الخطوات والسياسات التي تتبعها دول المجلس بجانب رئيسي واحد: فتح اقتصادياتها أمام المنافسة العالمية. تعتبر مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة مثالا ساطعا في هذا السياق.
بالنظر إلى العلاقة الاقتصادية المميزة بين الاتحاد الأوروبي ودول المجلس، فإن الاتحاد الأوروبي يعي عملية التحرير الجارية في دول المجلس ويرغب في لعب دور رئيسي فيها.
وتكشف المفاوضات الجارية بين دول المجلس والاتحاد الأوروبي عن أن الأخير يستهدف ثلاثة مسائل أساسية، من ضمن أخرى وهي: تجارة السلع والخدمات، الاستثمار الأجنبي المباشر والمشتريات الحكومية.
تجارة السلع والخدمات
يعتبر متوسط تعريفة استيراد السلع مرتفعا مقارنة بتلك المطبقة في الاتحاد الأوروبي ولكن بإقامة الاتحاد الجمركي في عام 2003، والذي نص على تطبيق نسبة 5% كتعرفة جمركية موحدة في دول المجلس فقد انخفض هذا التفاوت بشكل كبير. بالطبع إن إلغاء هذه الرسوم على السلع المتبادلة بين دول المجلس والاتحاد الأوروبي عقب توقيع اتفاقية التجارة الحرة سيؤثر على التجارة في السلع بين الطرفين.
وطبقا لأحدث البيانات المتوفرة حول دول مجلس التعاون الخليجي، فإن صادراتها إلى الاتحاد الأوروبي قد بلغت 11,649 مليون دولار أميركي في عام 2002، ما يمثل 11% من إجمالي صادرات دول المجلس إلى كل أنحاء العالم من جهة أخرى، تجاوزت.
واردات دول المجلس من الاتحاد الأوروبي صادراتها إليه بحوالي مرتين ونصف (29,100 مليون دولار). يمثل الرقم الأخير ثلث إجمالي واردات دول المجلس من العالم. تعكس هذه الحقيقة الاعتماد الكبير لدول المجلس على الاتحاد الأوروبي كمصدر لوارداتها.
ومن المعروف أن واحدا من الأسباب الرئيسية وراء المفاوضات التجارية المتعثرة هو مطالبة دول المجلس بإلغاء رسوم الاستيراد على الأشكال الأولية من الألمنيوم والكيماويات.
يعتبر هذين المنتجين مهمين بالنسبة لاقتصاديات دول المجلس. وعلى الرغم من هذه الحقيقة، إلا أن دول المجلس لا تعتمد على الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بصادرات هذين المنتجين باعتبار أن الطلب عليهما مرتفع. وقد منحت هذه الحقيقة دول المجلس أداة ضغط إضافية في مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي.
من جهة أخرى، فإن حجم قطاعات الخدمات في دول المجلس أصغر وأقل تطورا مقارنة بالاتحاد الأوروبي. بينما يعد الاتحاد الأوروبي جيدا في قطاع الخدمات باعتباره واحداً من أكبر مصدري الخدمات في العالم.
في هذا السياق، سوف يستفيد الاتحاد الأوروبي بلا منازع من اتفاقية التجارة الحرة القادمة مع دول المجلس باعتبار الأخيرة مستوردة للخدمات. وعلى الرغم من ذلك تستطيع دول المجلس تعزيز قطاعات الخدمات فيها وذلك بالاستفادة من اتفاقية التجارة الحرة في عدد من المجالات .
حيث يمكن أن يكون لتحرير الخدمات في دول المجلس تأثيرا مباشرا على الجوانب الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، وعلى سبيل المثال عبر معايير حماية المستهلك، مستويات التسعير، التدريب والتعليم المهنيين، المعايير البيئية، جودة تناسب المستهلك، تنوع الخيارات والتنوع الثقافي.
الاستثمار الأجنبي المباشر
توضح الإحصائيات التي نشرتها (EUROSTAT) أن الاستثمارات الخليجية في الاتحاد الأوروبي قد زادت من 585 مليون دولار أميركي في عام 1999 إلى 1,394 مليون دولار في 2001. في ذات الوقت، ارتفع تدفق استثمارات الاتحاد الأوروبي نحو منطقة الخليج في السنوات الأخيرة وبلغت 1,264 مليون دولار في 2001. ينطبق الأمر كذلك على الاستثمارات في الخارج.
وقد ارتفع رأس المال الذي يوظفه الاتحاد الأوروبي في الخليج من 0.3% من إجمالي الاستثمارات الخارجية للاتحاد الأوروبي في عام 1999 إلى 0.4% في عام 2001. ومن المتوقع أن ترتفع النسبة الأخيرة بشكل كبير إذا قبلت دول مجلس التعاون طلب الاتحاد الأوروبي بفتح باب الاستثمار في الشركات الخليجية بمعدل 100%.
المشتريات الحكومية
جعلت الملكية والتحكم الحكومي القوي في اقتصاديات دول المجلس من المشتريات الحكومية موضوعا أساسيا في اتفاقية التجارة الحرة من وجهة نظر الاتحاد الأوروبي.
توجد سياسات المشتريات التفضيلة والموجهة لصالح الشركات المحلية في كل الدول أعضاء مجلس التعاون ويطالب الكثيرون بأن يتم منح جزء من المناقصات العامة إلى متعهدين من الشركات المحلية. وحتى يومنا هذا، لم تلتزم أي من دول المجلس باتفاقية منظمة التجارة العالمية حول المشتريات الحكومية.
وقد جعلت كل الحقائق المذكورة أعلاه الاتحاد الأوروبي يسعى عبر المفاوضات الجارية نحو تحقيق تحرير متبادل ومتقدم للمشتريات العامة لضمان ولوج فعال إلى أسواق مشتريات دول المجلس علي أساس مبادئ المعاملة الوطنية.
أخيرا، قد لا يكون التوصل إلى اتفاقية للتجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي مثمرًا على المدى القصير. ومع ذلك، قد تحصد دول المجلس ثمارها على المديين المتوسط والطويل باعتبار أنها ستجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى المنطقة.
وتعزز من قطاعات الخدمات فيها، وتنقل المعرفة التكنولوجية، وتزيد من المنافسة. وتكتسب اتفاقية التجارة الحرة هذه مزيدا من الأهمية باعتبارها ستتم في نفس الوقت الذي تجري فيه مفاوضات مع الولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاقية مماثلة.
إن فتح اقتصاديات دول مجلس التعاون أمام هذين السوقين معاً واللذين يتمتعان بالمنافسة العالية سيؤدي إلى فوائد أكثر مما إذا سمح لطرف واحد فقط بالدخول إلى أسواقها.