برعاية الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع تنطلق مساء اليوم فعاليات »مهرجان دبي السينمائي الدولي« في دورته الثانية التي تستمر حتى 17 الشهر الجاري. في زخم قوي ومضاعف عن الذي قدم في الدورة الأولى في الكم والنوع.

يفصحان عن إدارة تخطيطية علمية تترك »المهرجان« مثل كرة ثلج كلما »تدحرجت« إلى الأمام تضاعف حجمها وتأثيرها. فأضيفت فعاليات جديدة على هذه الدورة منها المحلي والعربي والعالمي.

وفعاليات أخرى توسعت دائرة تقديماتها في نشاط ملحوظ للسينمائي الإماراتي مسعود أمر الله مسؤول برنامج »ليالي عربية« المختصة بعروض الأفلام الروائية في العالم العربي و»إماراتيون واعدون« .

وإلى جانبه السينمائي الليبي الأصل والبريطاني الجنسية محمد مخلوف مسؤول برنامج »الأفلام القصيرة« ومعها الناقد السينمائي زياد خزاعي المسؤول عن برنامج »اكتشافات المهرجانات« الفعالية المستحدثة في الدورة الثانية، وهو هذا الموقع المميز في إعداد الفعالية البراقة.

ومن أبرز الأسماء التي اكتسبها المهرجان هذا العام الكاتب والناقد السينمائي رؤوف توفيق مدير »مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي« الذي اشتهر بكتابات سيناريوهات سينمائية كثيرة لها طابع عميق وخاص منها:

سيناريو فيلم »زوجة رجل مهم« من إخراج اللامع محمد خان وبطولة النجم العربي الراحل أحمد زكي وميرفت أمين. ويعتبر هذا الشريط من الأفلام المحفوظة في ذاكرة السينما العربية، ويتشارك توفيق مع زميلته مانا فيتر بالمسؤولية عن برنامج في »دائرة الضوء«.

ومن النشاطات الجديدة في المهرجان لهذا العام برنامج »تكريماً لإفريقيا« من إعداد الصحافي الجنوب افريقي ناشين مودلي، الخبير في سينما القارة السوداء.

أوما داكونها مخرجة هندية عرفت بفيلمين بارزين في السينما الهندية هما »ضريبة الأرض« و»عرس موسم الأمطار«، أعدت فعالية سينما شبه القارة الهندية وإلى جانبها تأتي باقي مجموعة المبرمجين وهم:

لوسيا ريكاكي مسؤولة إعداد برامج »الأفلام الوثائقية«، وبيتر سكارلت مسؤول إعداد برنامج في دائرة الضوء والبريطانية »شيلا ويتاكر« قدمت برنامج »السينما العالمية المعاصرة«.

السينما أقوى الفنون

منذ أن انطلق الفن السابع في بدايات القرن الماضي والدهشة تكبر يوماً بعد يوم من هذا الوافد الذي استطاع أن يكون أكثر الفنون انتشاراً ولا يوازيه أحياناً سوى فن الموسيقى الواسعة الانتشار أيضاً، لكنها محدودة إلى حد ما، بسبب أنها تعنى بالفن »السمعي« فقط بعكس السينما التي قامت في الأصل على فن بصري ما لبث أن تضمن فنوناً أخرى.

من فن الرواية إلى الشعر والرسم والمسرح وبما فيهم الموسيقى ذاتها التي أصبحت عنصراً رئيسياً من مكونات »الفيلم« وهذا لا يعني أن السينما .

وإن اختزلت مجمل الفنون الأخرى قد قامت بإلغائها، بل على العكس أخذت من الجميع وتركتهم على استقلالهم وتقديم رؤاهم المحدودة الانتشار بحجم القدرة في الوصول إلى العدد الهائل من الجمهور الذي تستطيع السينما لوحدها. قد يقول قائل: ان »التلفزيون« ينافس الفن السابع في هذا الإطار.

وهذا كلام يحمل صحة نسبية، لكن الشاشة الصغيرة لا تستطيع منافسة السينما حقيقة، إذ ليس هناك من برنامج »تلفزيوني« شاهده مئات الملايين من المشاهدين لأن الدراما التلفزيونية بطبيعتها تحمل صفات »محلية ضيقة« على عكس السينما التي كلما غرقت في الخصوصية بلغت العالمية أكثر.

و»العالمية« المذكورة هنا تشكل كل العناصر المشتركة الثقافية للإنسان، ببعدها العميق القادر على إلغاء فوارق في الاقتصاد والاجتماع والسياسة.

وهكذا يتم فهم شهرة نجوم السينما من مخرجين وممثلين وتقنيين وفنيين التي لا يوازيها أي نجوم آخرين إلا فيما ندر في حالات لبعضهم توصف بالتاريخية مثل شكسبير والمتنبي وباخ وسواهم.

لا شك أن الفن السينمائي تأثر بفنون سابقة له، لكنه استقل أيضاً عنها. وكما هو تأثر بها فهي اليوم تتأثر به. فإذا نظرنا نظرة سريعة إلى الآداب »الحداثية« لرأينا تأثرات في فنون الرواية والشعر والمسرح بالسينما بما فيها الموسيقى ذاتها.

فهذا الفن يصح عليه صفة الفن العالمي ولو خرج من استوديوهات »هوليوود« و »بومباي« و»القاهرة« فكل فيلم هو »عالمي« بالضرورة ويمس كل إنسان في أرجاء المعمورة، كافة .

ومن الصحيح أنه سابع الفنون لكنه أولها الذي حول كوكب الأرض إلى »قرية« واحدة سابقاً التكنولوجيا والانترنت، وهو أقوى الفنون تأثيراً وتأثراً من دون أدنى مواربة أو ادعاء.

على هذا عرفت مدينة دبي كيف تضيف إلى صروحها صرحاً جديداً من خلال »مهرجان دبي السينمائي الدولي بصفته العالمية المتناسبة مع واقعها »الكوزموبوليتي« الفريد من نوعه في المنطقة العربية والإقليمية.

إذا كانت »العولمة« بشروطها الاقتصادية الحادة تفترض »كوزموبوليتية« هجينة فعالمية السينما تخترقها بالثقافة الإنسانية العميقة التي تحملها.

وعلى هذا الفهم حدد مهرجان دبي أهدافه الأولى التي تتمحور حول بناء الجسور بين الثقافات.وقال الرئيس التنفيذي ومدير المهرجان نيل ستيفنسون لـ »البيان«:

: »لقد حصلنا على دعم كبير من دائرة صناعة السينما العالمية بما يخص أهداف المهرجان القائمة على بناء الجسور بين كل الثقافات.

إضافة إلى أننا أبرزنا هذا العام السينما العربية كركن رئيسي للمهرجان، من خلال إبراز قسمين عربيين جديدين في هذه الدورة، وإطلاق برنامجنا التدريبي الجديد للسينمائيين وعشاق السينما العرب الشباب.

كما أضفنا أقساماً خاصة بالسينما الأوروبية والإفريقية والآسيوية هذا العام، لخدمات شعار المهرجان لبناء الجسور بين الثقافات في عالم مضطرب لا بد له من الحوار لتجاوز الأزمات.

والسينما الفن الوحيد المؤهل عملياً وعلمياً للقيام بهذه المهمة السامية. ولا شك أن مشوارنا في هذا الاتجاه ما زال طويلاً لنصل إلى ما نصبو إليه من أهداف سامية«.

»الجنة الآن« فيلم الافتتاح

تم اختيار الفيلم العربي المثير »الجنة الآن« ليكون فيلم الافتتاح وهو من إنتاج فلسطيني، فرنسي، ألماني، هولندي مشترك. أخرجه الفلسطيني هاني أبو أسعد في سادس عمل له بعد »بيت من ورق« (1992).

و»الناصرة« (2000) و»القدس في يوم آخر« (2001) و»فورد ترانزيت« (2002). وهو حائز على جائزة »بلو آنجيل« لأفضل فيلم أوروبي عن عمله الأخير في مهرجان برلين السينمائي الدولي في دورته الأخيرة.

تدور قصة الفيلم حول شابين فلسطينيين يعيشان في مدينة نابلس في الضفة الغربية ويعملان في ورشة لإصلاح السيارات عند رب عمل لا يحسن معاملتهما، وكأنه صورة مخففة عن قهر وذل الاحتلال الإسرائيلي اليومي الممارس على الفلسطينيين.

مقدمة »الجنة الآن« موحية على بساطتها أحد الزبائن يصلح سيارته في هذه الورشة ويتأفف ويزعق بأن »دفاع« السيارة الأمامي مائل وغير متساوٍ فيحضر خالد آلة قياسية زئبقية ليثبت أن الأرض مائلة وليس دفاع السيارة.

في إشارة رمزية أولى إلى غياب العدل وعدم التساوي، إذ إن كل العالم يقف إلى جانب المعتدي الإسرائيلي بمواجهة الضحية الفلسطينية المعتدى عليه. وهذا يشكل خلفية للفيلم حقيقية إلى جانب خلفيات كثيرة للشريط تتبدى رويداً رويداً في الإخراج الذكي لها في أبو أسعد.

في هذا الخط الرمزي يتصاعد البناء الدرامي للفيلم من ادعاءات استعراضية وفي بساطة تلقائية تصل إلى حد العادية تظهر شخصيات الرواية كمفاتيح إلى عالم تظهر الشاب الفلسطيني واقعاً في العزلة نحو المستقبل وفي عجز يقود خالد وسعيد إلى أن يطلب تنفيذ عملية »استشهادية« من خلال إحدى المجموعات الفلسطينية المسلحة.

وبالفعل يتبلغا بقرار العملية قبل 24 ساعة من موعدها. فنرى كل واحد منهما في منزله يقضي بجانب عائلته ما تبقى من زمن بسيط. خالد يلعب مع ابن شقيقه وكأنه يبحث عن طفولته الضائعة كأي شاب فلسطيني أضاع طفولته.

وسعيد يودع أهله بذكاء كذب الأطفال، فيعلم والدته بأنه حصل على »ترخيص« يخوله العمل في الداخل الإسرائيلي، وسينتقل صباح الغد ليبحث عن وظيفة تدر عليه وعلى عائلته دخلاً أفضل من العمل عند فلسطيني مثله.

في صباح طري يلتقي خالد وسعيد في مركز سري للجماعة المسلحة، حيث الاستعدادات والتحضيرات للعملية المزمع تنفيذها.

يقصان شعرهما ويحلقان ذقناهما ويرتديان بذلات أنيقة ويخفيان تحتها عبوات ناسفة، ثم يلتقيان بقائد الجماعة المسلحة الذي أتى متأخراً في إشارة فيها إدانة واضحة، فيسأل المسؤول الذي يصغره رتبة أن أخبرهما عن المطلوب من العملية.

ويتجه إليهما بخطاب »إنشائي« تعبوي سطحي وفارغ ويدل على العجز أكثر من القدرة على المقاومة، ومن ثم يبدآن بتسجيل رسالتهما الأخيرة على شريط فيديو. فيُعاد التسجيل أكثر من مرة تارة لعطل في الكاميرا وتارة لأخطاء أخرى.

والمضحك المبكي حين يقول خالد لأمه في الرسالة من أين تستطيع شراء »حنفية مياه« أرخص بسعرها... وإلخ. من قوة للصورة العميقة للفيلم، إذ ان »الاستشهاد« هنا يتحول إلى موت »كليبي« حتى ان محال الفيديو تبيع وتؤجر هذه الشرائط للعامة.

في الفجر الذي سبق صباح العملية، يذهب سعيد إلى منزل صديقته سهى الفتاة التي تعيش وحيدة بين فرنسا والضفة الغربية، وهي من والد فلسطيني شهيد ومن أم مغربية. تستقبله بجرأة المرأة الحرة والقوية والمحبة في آن. يشتكي لها من شظف العيش والقهر، تحاول تهيئته، يودعها تغلق الباب.

وتقف خلفه تتحسس طيفه من إيحاءات إثارة مبتذلة هو يهم أن يعود إليها، يتردد، وهي أيضاً تتردد بفتح الباب من جديد في لقطات سينمائية مكثفة وشفافة، وكأنهما انصاعا لقولبة »نعم« للموت خجولة أمام »نعم« جريئة للحياة، حتى تدوي في روح مشاهد الشريط »لا« خافتة للوداع.

في الطريق إلى قطع الشريط الشائك الذي يفصل ما بين الضفة الغربية وإسرائيل، يعطي المسؤول التنفيذي أوامره الأخيرة، ويطلب من أحدهما أن يفجر نفسه أولاً على أن يقوم الثاني بذلك بعد ربع ساعة في المكان ذاته لإيقاع أكبر عدد من الضحايا وتكون النتيجة »أفضل«، كما يطلب منهما عدم النظر أحدهما إلى الآخر عندما يحصل التفجير الأول، فيسأل خالد من سيكون الأول.

حيث يتم الاختيار برمي قطعة نقدية، وعلى أساسها يتحدد دور البادئ بسعيد. يسأل خالد مرة ثانية هل سنذهب مباشرة إلى »الجنة« يقول المسؤول: »بالطبع ستأتي الملائكة وتأخذكما على الفور«. في وصف هزيل ومرتبك.

يقطعان حاجز الشريط من فتحة حضرت لهذا الغرض حيث سيارة يقودها إسرائيلي مرتشٍ من الفلسطينيين سيقوم بإيصالهما إلى مقصدهما، لكنهما يصدمان بدورية عسكرية إسرائيلية تطلق عليهما النار فيعودان أدراجهما ويضيعان بعضهما بعضا. ويصل خالد إلى مركز الجماعة المسلحة قبل سعيد فيرتعب المسؤول.

ويخاف ويفر مع جماعته سريعاً من المكان، ولا يتورع أن يطلق تهمة الخيانة على سعيد الذي يصل متأخراً تائهاً لا يعرف أين يذهب. ولا يعلم أنه أصبح مهدداً بتهمة الخيانة وهو الذي يعيش عقدة قتل والده بسبب تعامله مع الجيش الإسرائيلي.

إلى أن يلتقيا من جديد في مركز »الجماعة« حيث تجتمع كل عقد الفيلم دفعة واحدة على مساحة كادر يؤكد أزمة الإنسان الفلسطيني الفاقد للأمل والذي ليس له خلاص إلا بأن يذهب إلى »الجنة الآن« في تفجير نفسه بعدو دمر الواقع وغيره.

ومن ثم حجب أي أمل بالمستقبل. الذي تنجح سهى بإقناع خالد به، وأن وسائل النضال من الممكن أن تكون أفضل من وسيلة »الانتحار«، إضافة إلى أن هذا الأسلوب يساوي إعلامياً وأمام نظرة العالم بين الجلاد والضحية. فيتراجع خالد لكن سعيد يصر ويذهب في هذه اللعبة حتى النهاية.

سيناريو الفيلم الذي كتبه هاني أبو أسعد أيضاً يشي ويدفع بفكرة وحدث إلى مستوى النقاش العام، حول الموت والحياة وأساليب النضال. وهو نقاش حام في السنوات العشر الأخيرة على امتداد الساحتين الفلسطينية والعربية.

وهو موضوع قابل إلى أن تتعدد فيه وجهات النظر التي تبدو على تناقضها كلها صحيحة. إذ إن لكل منها دلائلها المحقة بإقناع المرء بأن هذا النوع من الاحتلال لا يمكن مواجهته إلا بأدواته التدميرية، ووجهة نظر أخرى تقول ما نفع أن تخسر العالم والحياة في سبيل أن تنتصر على عدوك.

على المستوى الفني ينبئ هذا الشريط بمخرج سينمائي يمتلك كل أدوات صناعة فيلم من الدرجة الأولى على كل المستويات. فإيقاع »الجنة الآن« ليس بطيئاً كما جرت العادة بأفلام عربية كثيرة، وليس فيه جوانب استعراضية أو حشو يثقله وحتى ان رموزه على كثرتهم قدمهم هاني أبو أسعد بأسلوب خاص وبسيط ومتقن.

ولا يرتكز على تقليد أساليب أجنبية أو عربية. فالمخرج ولد مناخاته الخاصة واخترع لغته البصرية مع فحوى السيناريو وما يريد الوصول إليه، فقدم عملاً سينمائياً خالصاً, إن كان في صناعة الكادرات التي تصرح بهدوء عن مضامينها الممسوكة ولو ظهرت على قدر من عفوية تعمدها أبو أسعد الذي يذهب إلى ما يريد من دون ضجيج.

وهو أدار ممثليه داخل نسق الفيلم فبدوا كل في مكانه وحجم دوره، فأذهلنا أداء علي سليمان في دور خالد وإلى جانبه قيس ناشف بدور سعيد الذي يتوقع له أن يصير من كبار الممثلين في العالم العربي، وإلى جانبهما هيام عباس القديرة بدور أم سعيد ولبنى الزبال الساحرة بدور سهى.

يستحق عمل خالد أبو أسعد أكثر من جائزة، وهو شريط يشكل دعوة حقيقية إلى السينمائيين العرب أن يخطوا خطوات نحو إنتاج سينما حقيقية، مؤثرة وممتعة وحائزة على عناصر الفن السابع الناجح، خصوصاً اللغة البصرية الشفافة.

حسين قطايا