يسود آسيا حالياً شعور جديد بضرورة تطبيق المزيد من خطط التكامل النقدي وذلك باكتساب اليابان ثقة متجددة مع بداية انتعاش اقتصادها وأسواقها، وإقلاع اقتصادي الصين والهند، وازدهار أسواق البترول الشرق أوسطية، وتمتع الأسواق في دول الآسيان والمناطق الاسترا ـــ آسيوية بطفرة تنموية في الصادرات.

ولكن مع توجس العالم من آفاق الإرهاب والاختلالات الاقتصادية، والأوبئة، فإن آسيا تجد نفسها متهمة بالإفراط في التحفظ على مدخراتها، والإقلال من الإنفاق.

والمغالاة في الصادرات، فبالنسبة للآسيويين الذين نشأوا في ظل الاضطرابات السياسية والأزمات المالية المزمنة، يجدون غرابة في اعتبار الإدخال مشينة بدلاً من أن تكون فضيلة، فآسيا تمثل اليوم أكثر من 2.500 مليار دولار من الاستثمارات في الولايات المتحدة أي النقيض لعجز الحساب الجاري الأميركي.

وهنا لابد من توجيه الشكر للولايات المتحدة، لتذكيرنا بضرورة تعزيز أسواق آسيا المحلية، لجعل التوازن الادخاري الاستثماري أكثر فاعلية، وبالتالي زيادة للاستهلاك غير أن التركيبة الديمغرافية والصناعية تعمل ضد التغير الفوري، فالعولمة وانقسام العمالة، يتطلب من آسيا الاندماج في التجارة العالمية.

ونظراً لافتقارها لأنظمة اقتصادية فعالة فإنها تستخدم الأسواق الرأسمالية للولايات المتحدة وأوروبا لتوسط تمويلها التجاري ومدخراتها الرسمية، وتأمينها طويل المدى.

وهذا بطبيعة الحال كما وصفه البعض عن حق، بأنه مقايضة شاملة لعوائد الأسهم الذي يعود بالفائدة على جميع الأطراف، أما الرأي المعاكس فيرى أن ذلك لا يحمل مقومات الاستدامة.

لكن ما الذي تغير على مدى مئة عام، فقبل الحرب العالمية الثانية، عندما كانت أجزاء كبيرة من آسيا تخضع لنير الاستعمار، كانت آسيا تتمتع بفائض كبير في الحساب الجاري مع بريطانيا، ووضعت الأموال في العملة الاسترلينية، ومن ثم عادت تلك الأموال إلى آسيا في صورة استثمارات بريطانية، سواء في التصنيع والتعدين والمزارع أو التعاملات المصرفية.

أما اليوم فمازالت آسيا تتمتع بفائض كبير في الحساب الجاري مع الولايات المتحدة وتضع أموالها في الدولار الأميركي، وعادت الأصول إلى آسيا عبر الاستثمارات الأميركية المباشرة عن طريق موتورولا ووول مارت.

وجنرال موتورز ومحافظ استثمارية عن طريق غولدمان ساشز، وفيدليني، وصنادق تحوطية. إن آسيا تواجه بطبيعة الحال اختلالاتها التوازنية الخاصة، فمازال هناك إفراط استثماري في الطاقة التصنيعية مع وجود شح استثماري في البنية التحتية الاجتماعية.

فقد أجبرت الأزمة المالية التي عصفت بآسيا بين عامي 1997 ـــ 1998 الحكومات على التركيز على تصحيح المسارات السوقية، غير أن البنية التحتية المتثاقلة لا تستطيع الانتظار فالتفاوت الاجتماعي في ازدياد.

ونقص الاستثمار في الصحة والتعليم، يعرّضها لاختلال اجتماعي، وأوبئة وإرهاب محتملين، فكيف تستطيع آسيا تحقيق التكامل النقدي؟ إن ذلك في طور التحقيق من الناحية التجارية.

حيث ان أكثر من نصف تجارة آسيا تتم بين المنطقة، بالرغم من ان الوجهة النهائية لها، هي خارج آسيا، كما أن العوائق التجارية، داخل آسيا شديدة الانخفاض، بفضل اتفاقات التجارة الحرة الثنائية، التي وقعت خلال السنوات الخمس الماضية.

غير أن أسواق آسيا المالية، مازالت مقفلة، في وجه بعضها بعضاً، أكثر مما هي عليه بالنسبة للأسواق الأميركية والأوروبية كما ان التكامل في آسيا، يتم عبر البنوك العالمية والبيوتات الاستثمارية أكثر مما يتم عبر البنوك المحلية، وبيوتات التأمين والسندات.

والتي تبقى في أضيق حدودها، بسبب النظرة الإقليمية الضيقة والحواجز التنظيمية ضد بعضها بعضاً. ان مبادرات صندوق السندات الآسيوي ضرورية ومهمة غير أنها لا تعتبر إجراءات كافية لتحقيق مزيد من التكامل.

كما أن المساعي المبذولة تجاه إنشاء صندوق النقد الآسيوي أو الاتفاقات الآسيوية للاقتراض تحركها إجراءات رسمية، دون إشراك القطاع الخاص والصناعي، بصورة وثيقة، ومما يدعو إلى الدهشة أن كثيراً من أسواق البورصة الآسيوية تظل أشبه بدكاكين عائلية مغلقة تبيع المنتجات التي يهيمن عليها الطابع المحلي.

فان منتجات عروض مارت المالية العالمية، أقبلت نحو المدنية وبدورها، فإن تحويلات البنى التحتية طويلة الأجل، لا يمكن تحقيقها بصورة فعالة، إلاّ اذا توفرت مؤشرات قياسية لمنعطفات الإيرادات، في كل سوق آسيوية.

غير أن هذه التنافسية المؤسساتية، تعيق هذا التطور الرئيسي ولن تجد المدخرات الآسيوية الكتلوية، مجالاً لدخول الأسواق الآسيوية ما لم يتم إغفال تلك المعوقات وقد حان الوقت للكف عن إثارة الزوابع حول الاختلالات التوازنية العالمية، والتركيز على الاختلالات التوازنية في آسيا.

ترجمة: وائل الخطيب