تصاعد التفاؤل بشأن أداء الاقتصاد الياباني عقب عقد من التعثر، حيث تشير الشواهد إلى ذلك، ومنها ان خريجي الكليات يجدون أفضل ظروف للتوظيف منذ عقد من الزمان، وارتفعت الأجور وتضاعف مؤشر البورصة من حيث القيمة خلال عامين، اضافة إلى ذلك بلغت أرباح الشركات أعلى مستوى لها منذ فترة طويلة، وترتفع أسعار الأراضي في طوكيو لأول مرة منذ عام 1995.
لقد ظلت اليابان رجل العالم المتقدم المريض منذ عقد من الزمان، حتى فترات التقدم الاقتصادي التي مرت بها البلاد مقارنة بالدول المتقدمة، كانت قصيرة بحيث لم تستطع اليابان التخلص من التعثر الذي سقطت فيه بعد انفجار فقاعة البورصة والعقارات غير انه هذه المرة يتفق غالبية خبراء الاقتصاد والمحللين على ان الانتعاش الاقتصادي يبدو حقيقياً
وتتعمق جذوره في باطن الاقتصاد الياباني، ويبدو ان اليابان قد عالجت مشكلات فترة انفجار الفقاعة وزادت قدرتها التنافسية وكفاءتها الاقتصادية بعد أكثر من عقد من الزمان عانت فيه اليابان من ارتفاع الدين وانخفاض الأجور والطاقة الإنتاجية الفائضة بقدر هائل في المصانع.
ويعتبر هذا النبأ ساراً بالنسبة لليابان التي سجلت ثاني أكبر ناتج في العالم منذ التسعينات حتى في سنواتها العجاف وأيضا بالنسبة للاقتصاد العالمي، الذي اعتمد خلال تلك الفترة على نمو أميركا والصين.
ومع تحسن صحة الاقتصاد الياباني سوف يرتفع الاستهلاك الداخلي وترتفع استثماراتها في الخارج مما يساهم في رفع عجلة الاقتصاد العالمي إذا تعرض الاقتصاد الأميركي أو الصيني لأي هزات.
كما توفر قوة الاقتصاد الياباني قوة دفع للاقتصاديات الإقليمية الآسيوية.
وهناك شعور عارم بالرخاء في طوكيو، القلب التجاري لليابان، المطاعم مليئة بالمرتادين ومن الصعب العثور على سيارة أجرة خالية، وتملأ الطفرة العقارية خط الأفق مع تصاعد ناطحات سحاب جديدة.
ويقول ريتشارد جيرام الخبير الاقتصادي في شركة طوكيو للأسهم لصحيفة نيويورك تايمز ان الاقتصاد تحرك أخيراً بعيداً عن دائرة بؤس التسعينات، وأضاف يقول ان هذه المرة الأولى منذ أواخر الثمانينات التي يرى فيها انتعاشاً داخلياً على مستوى واسع.
عوامل الانتعاش
ليس هناك عاملاً محدداً واحداً وراء نبرة التفاؤل الجديدة في اليابان ويشير المحللون إلى الزوال التدريجي للوائح والقوانين التي كانت تخنق المشاريع الجديدة والنمو الاقتصادي، ويرجعون الفضل في ذلك إلى رئيس الوزراء جونشيرو كويزومي في استعادة صحة البنوك منذ توليه المنصب منذ 4 سنوات. وقالوا إنه أجبر البنوك على خفض الديون المعروفة إلى النصف والتي كانوا يتحملونها منذ الثمانينات. وبلغ حجم هذه الديون 440 مليار دولار أميركي في عام 2002.
ويقول المحللون إن الأهم من ذلك كان الثورة البطيئة الثابتة في كافة الأعمال اليابانية، حيث اضطرت الشركات في السنوات العجاف إلى أن تكون أكثر عدوانية. وكان المديرون اليابانيون يتخلون عن تقاليدهم ويتجهون إلى المواجهة وإلغاء ضمان الوظيفة مدى الحياة، وتستثمر الشركات حالياً بشكل كبير في التكنولوجيا.
وأكثر الأسباب وضوحاً في الانتعاش الاقتصادي الياباني الحالي هو حالة شركة إن كيه كيه لتصنيع الصلب التي عانت الأمرين في التسعينات لتبقى في السوق وخفضت الأجور وأغلقت أفراناً واندمجت مع شركة منافسة، لكن الشركة ظلت أيضاً حريصة على الإنفاق في الأبحاث لابتكار وسائل أقل تكلفة وأفضل لتصنيع منتجاتها.
وأصبحت الشركة الجديدة حالياً وهي جي ـــ إف ــــ إي القابضة من أكثر شركات الصلب التي تحقق أرباحاً في العالم، وتتوقع أن تبلغ صافي أرباحها 2.6 مليار دولار في العام المالي الجاري.
وأنشأت الشركة مصنعاً بتكلفة 200 مليون دولار في جزيرة صناعية اصطناعية قريبة من طوكيو، ينتج 12500 طن من الصلب يومياً. ويستخدم الفرن وسيلة الغاز الطبيعي وتراب الفحم وحتى قطع البلاستيك إلى الوقود التقليدي وهو فحم الكوك.
الشركات اليابانية الأخرى لم تتوقف عن الانفاق في مجال الأبحاث والمنتجات الجديدة، ورفع الكفاءة حتى لو كانوا يخفضون الإنفاق في مجالات أخرى. وأنفقت اليابان نسبة أكبر من إجمالي اقتصادها مقارنة بأي دولة متقدمة أخرى على الأبحاث والتطوير خلال فترة 12 عاماً الماضية، وفق إحصاءات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تضم 30 دولة من دول العالم الغنية.
ويعتقد المحللون أن هذا الإنفاق هو السبب الرئيسي في عودة ارتفاع أرباح الشركات. وبلغ إجمالي أرباح الشركات اليابانية في العام المالي المنتهي في مارس 220 مليار دولار، من 1689 شركة مسجلة على الفئة الأولى في بورصة طوكيو، وهي الفئة التي تشمل كبريات الشركات، ويصل هذا الرقم إلى ضعف أعلى مستوى له في أواخر الثمانينات.
وساهم رفع الاستثمارات في تحول كثير من الشركات وعلى رأسها شركة نيسان موتورز التي كانت تواجه الإفلاس قبل أن تحولها رونو الفرنسية إلى أكثر الشركات ربحاً في العالم بالتصاميم المبتكرة والتكنولوجيا المتقدمة.
وقال أتسوشي ناكاجيما الخبير الاقتصادي في مجموعة ميزوهو المالية إن القطاع الخاص يواصل الابتكار، وعادت اليابان إلى النمو الاقتصادي الصحي. غير أن هناك اقتصاديين لا يقتنعون بأن اليابان خرجت من مرحلة التعثّر الاقتصادي، ويحذّر البعض منهم من مشاكل كبيرة تواجه البلاد مثل ارتفاع الدين العام، ونظام المعاشات الذي لا يقوى على توفير الرعاية للسكان الذين يرتفع المستوى بينهم. وهذه المخاوف قد تجعل المستهلكين يحجمون عن الإنفاق.
وحتى المتفائلين لا يعتقدون أن اليابان عادت إلى وضع الثمانينات عندما كان يبدو أنها ستتفوق على الاقتصاد الأميركي. ويقولون إن اليابان تبدو مثل بقية الدول المتقدمة العادية تسجل معدل نمو طبيعي، وليس متفوقاً على غيرها من الدول الصناعية في العالم الغربي. لكن المؤكد أن اليابان الآن ليست هي على ما كانت عليه منذ 10 سنوات.
ترجمة: أشرف رفيق