يرد إلى مسامعك أنّه: »لا يتّصل بالواقع بتاتاً التفكيرُ في طرح نظام جديد للسكن أو في طرح نظام جديد بين الباني والمبنى«.في العالم العربيّ العصريّ، تكاد تُستأصل فكرة أنّ المرء يمكن أن يحبّ بيته وأنّ البيت يمكن أن يكون جميلاً.
ففي ما يتعلّق بمعظم السكن في العالم العربي، تقلّصت مهمّة بناء البيوت إلى وقائع وأرقام مقيتة، أصبحت أشبه بكفاح متصاعد ضدّ موجة التكنولوجيا والبيروقراطيّة التي لا تهدأ، موجة أمست فيها مشاعر الإنسان طيّ النسيان. وحتّى في تلك البيوت القليلة التي تُعنى بوضوح بشكلها، أمسى الجمال منسيّاً. ما يحدث هناك إنّما هو شعور بارد، اهتمام يكاد يثير الاشمئزاز بمظهر الغنى، بما يفرضه ذَوق السوق والموضة. وما عادت القيم البسيطة لقلب الإنسان موجودة.
فأكثر ما يهمّنا أسعار البيوت، وأكثر ما يهمّنا نظام القروض والطريقة التي بها تساعد هذه القروض في حلّ ما يسمّى بمشكلة الإسكان؛ فينتشر الاهتمام في أهميّة الترويج، وفي انتقال الملكيّة والنوع القانونيّ للإيجار؛ ولكنّ كلّ ذلك تجريديّ بشكل غريب، خالٍ من المشاعر. فهو، إن عالج مسائل، مرّ فوقها. وعدم الاكتراث بالمشاعر يخلق إطار عمل ذهنيّ تكون فيه الحلول ميكانيكيّة ومجرّدة من الإحساس كالمشاكلات التي تريد حلّها.
لا يسعنا إلاّ الاعتراف بقيمة الجهود الكثيرة التي يقوم بها المسؤولون لحلّ »مشكلات السكن« ولكن ما يعنينا ويقلقنا هو غياب المشاعر الإنسانيّة من جذورها. من المهمّ إدراك أنّ قسماً كبيراً من تشابه البيوت في مجتمع اليوم، من رصفِ تلك البيوت وبناء »السجون المدينيّة«، وتكرار بناء ما يشبه علبة بعد علبة وعلبة فوق علبة تكراراً رتيباً مملاًّ، تسبّبه مشكلات ترتبط بالكلفة؛ ومن المهمّ إدراك أنّ هذه المشكلات ترتبط، بجزء كبير منها، بالسيطرة على الكلفة.
لا شكّ في أنّ الكلفة أساسيّة. ولا يمكن بناء مبنى بدون إيلاء الكلفة انتباهاً كبيراً؛ وفي مجال السكن، يكون عادة مهمّاً إبقاء هذه التكاليف منخفضة إلى حدّها الأدنى.ودائماً ما تكون الحجّة الكلاسيكيّة بأنّ التكاليف تُخفَّض بجزء كبير عبر جعلها تتبع معياراً أو نموذجاً معيّناً. لذلك، يسهل بناء البيوت المتشابهة والشقق المماثلة بكلفة رخيصة وبسرعة.
غير أنّ الواقع هو أنّ تشابه كلّ بيت في صفّ من البيوت لا يخفّض الكلفة لأنّه يخفّض الموادّ في البناء. فكميّات الموادّ هي نفسها كما يجب أن تكون حتّى لو لم تكن البيوت مماثلة. كما أنّها لا تخفّض التكاليف بحدّها من اليد العاملة. فلو كانت العمليّات مصقولة بما يكفي لاعتمدت كلفة العمل على الحجم النهائيّ للعمليّات لا على ترتيبها.
قد يتطلّب منّا سنوات، عقود أو حتى أجيال لإحداث تغيير في النموذج السكني، أو لتغيير في وجهة نظر العالم للنموذج السكني، لأنّه وحتى اليوم، مثلاً، وبعد مرور أكثر من خمسين سنة على اكتشاف الميكانيكية الكميّة (quantum mechanics)، لا يزال عدد كبير من الناس يواجه صعوبة في فكرة أنّ الضوء ليس ذرّةً ولا موجةً بل الاثنتين معاً.
وكي نتمكّن من أن نقدّم نظاماً للسكن تحتلّ فيه مشاعر الإنسان المرتبة الأولى ونقدّم عمليّة إسكان يدمج فيها الناس قيمهم وذاتهم، ويقيمون فيها روابط اجتماعيّة، علينا أن نرى العالم العربيّ من منظور جديد، علينا أن نقوم بالتغيير الضروريّ في تصوّرنا الداخليّ لعالمنا؛
ما يعني ألاّ نعتبر من المسلّمات أنّ الشقق أو البيوت المرصوفة ستستأجرها عائلات لا علاقة لها بعمليّة بنائها؛ وأنّه باسم الفعاليّة والكلفة والحجم، يجب بناء البيوت المتكررة. لأنّ ذلك يعني، في النهاية وببساطة، أنّنا نحن، شعوب القرن الحادي والعشرين، لا نملك بعد فطنة ابتكار نظام يجمع الإنسانيّة بما يقدّم والفعاليّة معاً.
عندما تعكس البيوت قيمة الإنسان فوق كلّ اعتبار، بمعناها الأصيل المجرّد، يتجذّر الناس في الأرض، أيّ أرض لأنّ البيت يغدو عندئذٍ تعبيراً ملموساً عن مكانهم في العالم، تعبيراً ملموساً عن ذاتهم.وهكذا، عاجلاً أم آجلاً، ستغدو وجهة النظر التي بيّناها في هذا المقال طبيعيّة وعاديّة، حتّى ولو أنّها تستلزم تغييراً جوهريّاً.وحتّى ذلك الوقت، وفي تلك المرحلة، ما يبدو أنّه لا يتّصل اليوم بالواقع بتاتاً سيصبح، بكلّ بساطة، طيّ النسيان.