حقق كثير من أرباب المعاشات الأوروبيين حلما طالما راودهم بالاستقرار في جنوب أفريقيا وشراء منازل أنيقة مطلة على البحر وتنعم بدفء الشمس الساطعة. وتمكن من حالفهم الحظ من هؤلاء الأشخاص من شراء منازل بأسعار زهيدة للغاية خلال حقبة التمييز العنصري وعندما كانت صورة المستقبل في جنوب إفريقيا أبعد ما تكون عن الأمن والاستقرار.
ولكن الحال تغير الآن بعد أن تحولت تلك الدولة إلى ديمقراطية وأصبحت مقصدا سياحيا شهيرا. ونتيجة لذلك صارت بعض المنازل تباع بأسعار تناهز تلك السائدة في البلدان الأوروبية .. وإلى جانب ذلك تفرض الحكومة شروطا صارمة للحصول على حق الإقامة الدائمة في جنوب إفريقيا. ولدى جنوب إفريقيا ما يكفيها من مشكلات تتعلق توفير الرعاية الكافية لكبار السن بين مواطنيها.
فالعديد من هؤلاء المسنين يقفون الآن في الصف الأول من المعركة ضد مع الفقر بينما ألحق مرض نقص المناعة المعروف باسم (الايدز) أضرارا بالغة بالبنية التقليدية للأسرة في البلاد. فقد أدى انتشار هذا الفيروس المميت إلى تقويض خطط عديد من المسنين للتمتع بحياة هادئة بعد التقاعد.
ولعل من الممكن أن توصف الجدات في جنوب إفريقيا بأنهن بطلات حقيقيات. ففي عديد من الحالات يموت أبناؤهن وبناتهن جراء الإصابة بالايدز مما يضطرهن إلى تحمل عبء رعاية الأحفاد اليتامى. وفي كثير من الأحيان يمكن للمرء أن يرى الممرضات المتقاعدات من البيض وهن يعملن في المشروعات الخاصة بمحاربة الايدز في أحياء السود.
والواقع أنه لولا جهود المتطوعين لكان النظام الاجتماعي في جنوب إفريقيا قد انهار منذ وقت طويل. وعلى الرغم من وجود طبقة وسطى متنامية من السود إلى جانب الصفوة من البيض بفيلاتهم الفاخرة وسياراتهم الفارهة إلا أن 75 في المئة من سكان جنوب إفريقيا أفقر من أن يبلغ دخلهم الحد الذي يوجب عليهم سداد ضرائب.
وتبدو مسألة دفع اشتراكات منتظمة لصندوق المعاشات الحكومي مسألة مستبعدة تماما. وتصل قيمة المعاش الحكومي في جنوب إفريقيا إلى 780 راند (97 يورو) وهو مبلغ يكفى بالكاد لسد الاحتياجات الغذائية لأسرة كبيرة العدد. وبالنسبة للكثير من المواطنين يمثل هذا المعاش المصدر الوحيد للدخل مما يجعل يوم صرف المعاش بمثابة عيد.
ففي المناطق الريفية يمكن أن يرى المرء المتقاعدين وهم يتوجهون سيرا على الإقدام لمراكز صرف المعاشات في ساعات الصباح الأولى. وعلى الرغم من أن البنوك بدأت مؤخرا تقديم خدمة فتح حسابات مصرفية بسيطة للفقراء وللأشد فقراً إلا أن عملية تحويل المعاشات عن طريق هذه الحسابات لا تزال غير ممكنة ولذلك تصطف طوابير طويلة من المتقاعدين أمام مراكز صرف المعاشات.
ويضاف إلى كل العقبات الحياتية الأخرى التي يواجهها المتقاعدون من الفقراء السود في جنوب إفريقيا تلك المعتقدات الشعبية المتوارثة والمنتشرة في بعض المناطق والتي تزعم بأن النساء المسنات لسن إلا ساحرات وهو ما يجعل الحياة شديدة الخطورة بالنسبة لهن.
(د.ب.أ)