انتشرت مظاهر الرأسمالية في سوريا بشكل لافت خلال الفترة الأخيرة. وقال محللون اقتصاديون إنه وبعد 40 عاما من التخطيط الاشتراكي بدأ الاقتصاد السوري يفتح أبوابه، حيث خففت الحكومة من قبضتها وقامت بخصخصة شركات حكومية وفتحت الأسواق أمام واردات واستثمارات أجنبية.

وهناك الكثير من الشواهد على هذا الاتجاه، ففي ميدان رئيسي بالحي التجاري بالعاصمة السورية يثبت عامل ملصقا لعلبة باللونين الأزرق والأحمر وكلمات تقول »بيبسي الآن في سوريا«.

فقد حصلت شركة بيبسي الأميركية العملاقة على ترخيص في الفترة الأخيرة لبيع مشروب بيبسي المصنع محليا في سوريا فيما يعد بادرة أخرى على التغير في الاقتصاد الاشتراكي الذي كان من قبل يحظر المنتجات الأجنبية. ويقول مازن قباني صاحب متجر في ميدان شهبندر »الزبائن يسألون عن البيبسي معتقدين إنها الأفضل. يبهرهم الاسم مع ان مذاقها لا يختلف عن المشروبات الأخرى«.

ومن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة المزيد من الانفتاح، إذ قال عبد الله الدردري نائب رئيس الوزراء السوري الأسبوع الماضي انه سيتم في خلال الأيام المقبلة الكشف عن خطة واسعة النطاق للإصلاح الاقتصادي.

ويقول مسؤولون ان الإصلاحات تمليها الضرورة الاقتصادية وليس تصاعد الضغوط السياسية الدولية منذ ان أشار تحقيق تجريه الأمم المتحدة إلى احتمال تورط مسؤولين أمنيين سوريين كبار في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. وتنفي سوريا اي دور لها في الاغتيال.

ويقول الدردري أبرز اقتصادي إصلاحي في سوريا »احتمالات فرض عقوبات اقتصادية صارمة وزيادة العزلة يجب ان تواجه بخطوات أسرع باتجاه التحول إلى اقتصاد السوق«.واعتقد الكثيرون بعد تأميم العديد من الشركات في الستينات ان سوريا التي كانت تربطها علاقات وثيقة بموسكو في العهد السوفييتي تحتاج لخطوات كبيرة لتعديل قوانينها المعقدة التي يعتقد أنها المسؤولة عن عدم كفاءة الحكومة وابعاد المستثمرين.

وقال نبيل سكر مدير مكتب الاستشارات السوري للتنمية والاستثمار

»اعتبارا من هذا العام بدأ الناس يشعرون ان الإصلاحات أصبح لها مصداقية«. وتظهر التغييرات بدرجة أكبر في القطاع المصرفي. فقد سمحت سوريا لأول بنك من القطاع الخاص بالعمل العام الماضي منهية أربعة عقود من السيطرة الحكومية وهرعت اكبر البنوك الخاصة في العالم العربي لاقتناص حصة من هذه السوق.

وفي حي الصالحية بدمشق تعلن لوحة عن الافتتاح الوشيك لفرع بنك عودة أحد أكبر البنوك اللبنانية. ويستعد البنك العربي الأردني كذلك لفتح فرع في المدينة التي طرحت فيها أجهزة السحب والإيداع الآلي لأول مرة منذ عامين فقط. وفي الحارات الضيقة للمدينة القديمة يتداول المضاربون والمستثمرون بشكل غير رسمي أسهم شركات الاتصالات والسياحة والعقارات قبل بضعة أشهر فقط من موعد افتتاح أول بورصة في دمشق منذ عقود.

ويحتسي رجال الأعمال الأجانب القهوة في ردهات الفنادق ويتحدثون عن المعاملة المتميزة التي يقدمها لهم المسؤولون الذين يقدمون كذلك حوافز للاستثمار. وفي حي المزة الراقي في دمشق يرتاد الأثرياء السوريون أول مركز تجاري في العاصمة لشراء البضائع الفاخرة.

وفي سبتمبر خففت سوريا الرقابة الصارمة على سوق الصرف مما مكن السوريين من شراء العملة الصعبة وحلت شركات الصرافة الخاصة محل تجار العملة في السوق السوداء. ووعد المسؤولون بإصلاحات أكثر جذبا للمستثمرين.وقال الدردري »سنسمح بتحويل المستثمرين الأجانب لمكاسب رأس المال بحرية وتحرير كامل للتجارة وخفض كبير في الرسوم الجمركية بحلول نهاية العام«.

ووعدت سوريا كذلك بقانون جديد للاستثمار يسمح بملكية كاملة للأجانب ويخفف بدرجة أكبر القيود على سوق الصرف وتدفقات رأس المال.وقال الدردري ان تدفق رؤوس الأموال الأجنبية على سوريا منذ عام 2005 يعني أن المستثمرين يتخلصون من المخاوف السياسية ويتطلعون للفرص في دولة يتجاهلونها منذ فترة طويلة.

وحتى صناعة المنسوجات المحمية في البلاد أصبحت الان معرضة للمنافسة الخارجية الكاملة بعد رفع العوائق الجمركية على الواردات على الرغم من احتجاجات العاملين بالقطاع.ويأمل المسؤولون ان تشجع الإصلاحات الاقتصادية المهاجرين السوريين على تحويل مليارات الدولارات لداخل البلاد. وقال مصطفى الكفري مسؤول الاستثمارات في مكتب رئيس الوزراء »مناخ الاستثمار تحسن ونحن نعمل على تخفيف العقبات التي تواجه المستثمرين«.

ويقول المسؤولون ان ثمانية مليارات دولار من استثمارات العرب والأجانب والسوريين المهاجرين خصصت لمشاريع منذ يناير أي أكثر مما تلقته البلاد في العقد الماضي. وفي ضواحي مدينة حلب المزدهرة ظهرت للوجود آلاف المصانع الخاصة خلال العامين الماضيين تصنع كل شيء من الأحذية إلى الأسمدة.لكن محللين قالوا انه مازالت هناك عقبات منها الفساد والافتقار للكفاءة في الشركات الحكومية مما يمنع البلاد من تحقيق معدل نمو يتجاوز العشرة بالمئة.

ومازالت في سوريا آلاف الشركات العامة اغلبها خاسرة تمتص الكثير من الاستثمارات العامة. ويقر المسؤولون في أحاديثهم الخاصة بأن الإصلاحات كانت تتقدم ببطء وينتقدون البيروقراطية التي تعطل إحراز التقدم.ويحذر بعض المستثمرين من انه ما لم تعط السلطات دفعة أكثر قوة لفتح الاقتصاد أمام المزيد من المنافسة من القطاع الخاص والأجانب فان سوريا قد تفقد قوة دفعها.

وقال رجل أعمال سوري طلب عدم نشر اسمه »الخطوات التالية صعبة للغاية على سوريا إذ ان المزيد من الانفتاح الاقتصادي يهدد العديد من المصالح واحتكارات الدولة«. وأضاف »يتعين أن نقوم بقفزة جريئة لنتجاوز شبح ماضينا«.

(رويترز)