عندما اختارت ماتيلدا فرج الله الانتقال من الإعلام المكتوب إلى المرئي والمسموع، قررت أن تحمل برامجها الإذاعية والتلفزيونية, سمات من شخصيتها.

فهي الجريئة المتطرفة في »جريء جداً« ما جعل الكثيرين يعدون للمليون قبل مواجهتها، وهي الصريحة جدا في »عالمكشوف«، ثم ألغت الخطوط الحمر بلباقة ومهارة وكلمات ذواقة وراقية، وهي المسؤولة عن اختياراتها ومواقفها في »على مسؤوليتك«، ولا ندري ماذا سوف تحمل برامجها الجديدة من عناوين تكشف عن المزيد من شخصيتها.

قد لا تفاجئنا إن اختارت تقديم برنامج عائلي يتناول الزوجين والأولاد، وهي الزوجة والأم بكل شروط الأنوثة، أو برنامج تربوي، كونها خريجة آداب، اللغة الفرنسية وآدابها، او برنامج يتناول الاثنيات ولقاء الحضارات وليس صراعها، وهي التي تعود في أصولها إلى العراق ولها فيه أقارب.

كل ذلك ممكن، إنما غير الممكن أن تتخلى ماتيلدا في هذا الحوار عن جرأتها وصراحتها ومسؤوليتها.

٭ في منزلك لمسات امرأة ذواقة مرهفة..هذه الجدران تحمل امرأة واحدة في لوحات عدة ومواقف متنوعة. شدني بيتك إلى هذا الصفاء والهدوء على عكس ما تبدين عليه على الشاشة؟

ـــ في بيتي أنا الزوجة والأم. هنا مملكتي العائلية التي أسعى لأعطيها كل ما تستحقه من احترام وعناية وواجبات. هذه المرأة »الحمراء على سواد« في سلسلة من اللوحات تعلو الجدران وتخلو من العقد والملونات والتصنيع. هي أكثر بنظري من رسم التشكيلية المبدعة هوني أبو الحسن وتربطني بها صداقة حميمة.

ثم إن هذه اللوحات جزء لا يتجزأ من ديكور أردته حنونا صريحا ومباشرا، تماما كما أنا، وأظن انه لاقى الإعجاب والترحيب من العائلة كلها.

٭ لكن هذه الليونة والطواعية الأنثوية تتناقضان إلى حد كبير مع صورتك على الشاشة؟

ـــ هناك ثلاثة برامج اعرضها وأقدمها أسبوعيا بين سياسية واجتماعية. اثنان للشاشة الصغيرة وثالث للإذاعة، وكلها من النوع الثقيل جدا، ما يحتم علي أن أكون على هذه الصورة القاسية، خصوصا حين تسخن النقاشات وتشتد الحجج والحجج المقابلة. في هذه الحالة لا بد من بعض الشدة لضبط إيقاع الحلقة حتى لا تفقد موضوعها والهدف منها.

٭ هذا من حيث المحتوى، لكني أتحدث عن الصورة التلفزيونية التي قد لا تتناسب ووجهك؟

ــ هناك أكثر من قريب وصديق لفت نظري إلى هذه الملاحظة. نعم الكاميرا عاجزة عن التقاط دواخلي من خلال تقاسيم وجهي. تبادلت وجهات النظر مع المخرج حول هذه النقطة وتحسن الأمر بعض الشيء، إنما ليس بالقدر الكافي. لا أنفي انزعاجي من هذه الصورة ولكني في المقابل أعوض عن هذا »الفلو« غير المقصود بسخونة الحلقات التي تتطلب مني ساعات طويلة في الإعداد الدقيق .

والمكثف حتى تنال ما تستحقه من نجاح لدى المشاهدين. وبصراحة وصدق كاملين، وعلى مسؤوليتي أؤكد أن ما من احد من مقدمي ومقدمات البرامج »التوك شو« السياسية والاجتماعية تجرأ على طرح الموضوعات والقضايا بلا عقد أو حواجز كما أفعل.

٭ هل تعنين ان جرأتك وصراحتك بلا حدود؟

ـــ الحرية بلا حدود فوضى، وأنا ضد الفوضى بكل أشكالها وأنواعها. لذا عندما أبدأ في إعداد حلقة ما سياسية كانت أو اجتماعية، أضع نفسي في موقع المشاهدين، ومن خلال ما اسمعه في اللقاءات وحديث الناس في الشوارع أضع أسئلتي واستعد للمواجهة مع الضيوف.

٭ هل يعني ذلك انك تتنازلين عن آرائك الشخصية في موضوع تطرحينه؟ ألا يعني ذلك تنازلك عن شخصيتك لصالح سخونة البرنامج؟

ـــ أظن أن شخصيتي الإعلامية تبدو على حقيقتها من خلال الأسئلة التي أطرحها. الحوار الحقيقي يبدأ في السؤال، وعلى أساسه يبدو الضيف متمكنا من حضوره وقدرته على الأخذ والرد.

طبعا امتلك مواقفي الخاصة وقناعاتي لكني في المقابل لا أحاول فرضها على الضيوف إلا بالقدر الذي يدافع عن حقوق الناس وقضاياهم. ماذا ينفع المشاهد لو وصلت إلى أعلى درجات السخونة ولم يفقه مما يقال شيئا. في هذه الحالة يبدو الفشل فاقعا جدا، الأمر الذي لم أتعرض له أبدا حتى الآن.

٭ هذا جزء من دبلوماسية يرامج »التوك شو«، لكن جرأتك وصراحتك وفضحك الأشياء كما هي تضعك أحيانا في موقع الخصومة؟

ــ لست على خصومة مع احد، هذا في المبدأ على الصعيدين الشخصي والإعلامي، وإذا كانت »الحقيقة بتجرح« كما يقال بالدارج اللبناني فأنا من أنصار الحقيقة الكاملة، وإلا ما نفع هكذا برامج؟ اطرح الموضوع وعلى الضيوف الذين ارتضوا المشاركة في الحلقة ان يطرحوا أجوبتهم بالجرأة نفسها التي اطرح أسئلتي.

وإذا كان يحلو للبعض اعتماد الدبلوماسية في أجوبتهم، فمن حقي أن أكون لهم بالمرصاد، أريد أن يعي الجميع، الضيوف والمشاهدون، إنني لا أهدف في برامجي إلى تمضية الوقت إنما توفير معلومة ومعرفة وإضاءة من الماضي والحاضر على المستقبل، أحيانا افشل في ما أسعى إليه، لكني بالتأكيد راضية عن نفسي طالما انني أقدم أفضل ما عندي بتهذيب وأدب رفيعين.

٭ إلى أي مدى شكلت جرأتك وصراحتك تهديدا مباشرا أو غير مباشر على صعيدك الشخصي؟

ـــ لم يحصل هذا أبداً، ولن يحصل اغلب الظن طالما أنني أتحدث بلسان الناس وليس بلساني.

٭ وكيف تواجهين نقدا يصفك بالجارحة والمباشرة؟

ـــ مباشرة نعم، أما جارحة فلا أظنني في هذا الوارد، أقول الأشياء بأسمائها ولا ألف حولها، وهذا من أسباب نجاحي ولن أتخلى عنه مهما بلغت حدة النقد لان ميزتي الحقيقية في هذه المباشرة.

٭ وهل من شخصية وجدت نفسك محرجة أمامها؟

ـــ ليس إحراجا إنما صعبة، مثلا رئيس الجمهورية اللبنانية السابق الياس الهراوي شخصية مهضومة وصعبة، جريئة وصريحة وما في قلبه على لسانه. ومثله النائب العماد ميشال عون، الذي على الرغم مما اشتهر به من حدة وقساوة، يحمل في شخصيته قلب طفل وعندما أقول قلب طفل اعني صراحة مطلقة. مثل هذه الشخصيات تعذبني لأنها تفترض تحضيرات مكثفة وأسئلة لا تحتمل الخطأ.

٭ المعروف انك خريجة أدب فرنسي. ما الذي دفعك إلى الإعلام؟

ـــ كنت في أثناء الجامعة إعلامية وكتبت في العديد من الصحف والمجلات. يعني ذلك أن حبي للإعلام رافق دراستي الجامعية، وزادني حبا له أنني وجدت فيه شخصيتي الشجاعة والجريئة والصريحة.

٭ كيف تختارين مواضيعك الاجتماعية، حتى لا نقول السياسية، التي تحمل الكثير من المفاجآت؟

ـــ بصراحة المواضيع الاجتماعية تشغلني أكثر لأنها على ارتباط بحياة المواطن اليومية المباشرة. هناك من يقول أن المواضيع تتكرر على الشاشات، هذا صحيح ، لكنني من النوع الذي يلتقط مواضيعه من أمور قد لا تكون على بال احد، رب جملة اسمعها تصبح حدثا بعد التحليل والمتابعة. هناك كثافة موضوعات في ذهني تشغلني لشهور طويلة.

٭ هل تتطلعين إلى برامج جديدة خصوصا أن ثلاثة برامج أسبوعيا وخلال سنوات قد تفقدك العزيمة على المتابعة أو تدفع الجمهور إلى الملل؟

ـــ لا أنا فقدت الحماس ولا الجمهور مل، والدليل أن برامجي ما زالت تحظى بنسبة مرتفعة من الجمهور، دعني أقول أن المواضيع التي تشغل الناس وتتداخل في حياتها اليومية لا تفقد موقعها، خصوصا إذا كانت ساخنة وتضع النقاط على الحروف.

وحول برامج جديدة، فانا أتطلع إليها دائما. من الطبيعي ألا أغفو وأصحو على »جريء جدا« و»على المكشوف« و»على مسؤوليتي« طيلة سنوات عمري. لا بد آجلا أو عاجلا من التغيير، إنما نحو الأفضل ولا فانا باقية في ممالكي الإعلامية كما حالي في مملكتي العائلية.

بيروت ــ فيوليت غبرو: