من أفضل أنواع الأبطال الشعبيين الذي يصمدون في وجه الفناء بمنتهى القوة والصلابة، هو البطل الجامع بين المنظور المحلي والعالمي معا، ومن هذه النوعية يطل البطل زورو بقناعه وسيفه فيأخذ المشاهد إلى عالمه السحري الملىء بالمغامرات والحيل المرحة يستعرض فيها مواصفاته العقلية والجسمانية التي لا تقهر.
بعد النجاح الكبير فنيا وتجاريا للمخرج مارتن كامبل وفيلمه الجيد »قناع زورو« في العام 1998، يعود بعد سبع سنوات بالجزء الثاني من مغامرات بطله في جزء حاز على اعجاب النقاد وحقق ايرادات عالية على شباك التذاكر في العالم وفي مصر فلاقى نجاحا ملحوظا عند الجمهور المزدحم الذي أبدى تفاعلا حيا مع أحداث الفيلم خاصة المواقف الكوميدية والمغامرات على كثرتها.
سيناريو الجزء الثاني في فيلم »زورو« بالتشارك بين كورتزمان وروبرتو أوركي باختلاف عن الجزء الأول الذي طرح معالجة اختفاء البطل القديم (أنطوني هوبكنز) وظهور البطل الجديد (أنطونيو بانديراس) والمرور بكل مراحل تدريبه وتعليمه وتلقينه ثقافة الفكر قبل الفعل ليصل إلى نتيجة الانتصار التي لن يتقبل الشعب غيرها، ركز الجزء الثاني أحداثه في عام 1850 وحدد مساحة للقصة داخل كاليفورنيا،
حيث يكافح أهلها منذ زمن طويل للانضمام إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتصبح كاليفورنيا الولاية الحادية والثلاثين في هذه الدولة العظيمة ؛ هذا هو منتهى حلمهم العظيم للحصول على حريتهم والإحساس بمعنى الانتماء والأمان .. طرح الجزء الثاني معالجته السينمائية على أساس الجمع الوثيق المنطقى بين توجه القضايا الفردية والجمعية..
من هذا المنطلق افتتح الفيلم أحداثه بإعلان زورو عن قدراته العظيمة من خلال مطاردة طويلة نسبيا متعددة الأطراف، وكالعادة يقف كل الشعب مكتوف الأيدي منتظرين منقذهم الوحيد زورو، وتوقيع ميثاق حرية كاليفورنيا أصبح وشيكا ؛ إذن فقد انتفى مبرر وجود زورو بتحقق الهدف الكبير.
أما على المستوى الجمعي فقد اتخذ الصراع الدرامي أبعادا أخرى عندما جاء الخطر من عقليتين متضادتين، رغم اجتماعهما دون قصد للقضاء على زورو من باب المفارقة الساخرة.. أما العدو الأول منهم رجال المخابرات الأمريكية نفسها الذين يؤمنون تماما بانتهاء عصر زورو البالي،
واتفقوا مع زوجته إلينا بخططهم الأذكى وأسلحتهم الأقوى وعددهم الأوفر للقضاء على العدو الثاني بشرط إخفاء الأمر كله عن زورو حتى لو كان الثمن تحطيم حياتهما العائلية، وأقنعوها بالحصول على الطلاق الرسمى كى تسير خططهم الجبارة على ما يرام.
أما العدو الثاني فيتمثل في النبيل الفرنسى أرماند ( روفوس سويل ) الذي يود الزواج بإلينا، وهو قائد مجموعة منشقة من الفرسان القدماء تريد نسف كاليفورنيا ثم وجود الولايات المتحدة كلها حتى لا تصبح أكبر قوة في العالم، لأنهم الأحق بهذه السيادة المطلقة كما تقول أساطيرهم.
إذن فنحن في صراع أهداف ضد أهداف ومعتقدات أساطير أمام مثيلاتها، لتتشعب الصراعات هنا وهناك مما دعا المونتير ستيوارت بيرد ليسهم بعدة أدوار إيجابية طوال الوقت دون الخلل بأي خط على حدة، على مستوى أسلوب وتوقيت القطع ثم تحقيق الهدف البعيد في خلق السياق العام المميز للعمل حسب تعدد مراحل الصراع وتطوراتها..
قدم المخرج مارتن كامبل منهجا مرنا متغيرا في تناول المغامرات والكشف عن المفاجآت للحفاظ على جرعة التشويق وتفجير كوميديا الموقف والشخصية من خلال المفارقات المتوالية.. قسّم كامبل وحدة الكشف عن مفاجآت الكادر السينمائي على نحو متدرج حتى ينتزع أكبر قدر ممكن من الضحكات ويحتفظ بالإيقاع حيا طوال الوقت،
فأحيانا كان يصبر على كاميراته طويلا ولا يفتح الكادر على الناحية الأخرى إلا بعد التقاط ردود الأفعال الكوميديا على الشخصية، ثم ينتقل إلى ما يريد ليضيف تراكما على تراكم. وأحيانا كان مدير التصوير فيل مييو يترك الكادر فارغا ثم فجأة يملأه بمفاجآته الكوميدية التي تحتل مكانها في توقيت غير متوقع،
وأحيانا يضللنا كامبل ويثبت انتباهنا على رد فعل خاطىء من وجهة نظره الشخصية ثم يكشف لنا عن حقيقة الموقف فيضحك الجمهور في اتجاهين، وأحيانا كان يتنقل بمنتهى البساطة والدقة بين الشخصيات بالمنطق التقليدي الذي يتناسب مع اللحظة، مثل تنقله بين زورو وإلينا التي تمثل تمثيل الحب على أرماند في وجود زورو المختبىء فوقهما، يراقب غزل زوجته للآخر ويتوعددها صمتا بالعقاب المخيف الذي لن يحدث طبعا..
كما وظف المؤلف الموسيقى الكبير جيمس هورنر إيقاعات وآلات الموسيقى الإسبانية، واستعان بالجملة الموسيقية الشهيرة في الجزء الأول الدالة على ظهور زرور، وقدم عليها العديد من التنويعات المبدعة تعيش قلب اللحظة الدرامية تماما خاصة أدق لحظات انكسار زورو أمام زوجته ونفسه .
كما قدم المخرج واحدا من أهم أركان البنية الدرامية في توظيفه المضاد للعلامة المسيحية لتكون مصاحبة للأبطال والأشرار معا، والعبرة في مدى استيعاب كل منهم للمفهوم الديني حسب مبرراته وتركيبته وأهدافه .
» أسطورة زورو « فيلم يحمل خطابا فكريا سياسيا دعائيا صريحا للترويج لقيمة الولايات المتحدة بوصفها خلاصة حلم الشعوب لبلوغ الحرية، رغم محاولات الأعداء حرمانها أن تصبح سيدة العالم مع أنها تستحق هذه المكانة الرفيعة ؛ من وجهة نظر أصحاب الفيلم بالطبع ..؟!!
القاهرة ـ نهاد إبراهيم
