كثرت الأفلام في السنوات الثلاث الماضية، التي تتناول موضوع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، في نمط على عكس ما تعودنا عليه من انتاجات تسجيلية أو وثائقية، فصرنا نشاهد أفلاماً روائية تتمتع بإظهار صورة عن المتصارعين كثر ينتمون الى ثقافتين ومجتمعين لكل سماته وابعاده وأعرافه وواقعه وهواجسه المستقبلية. إذ أنهم ليسوا بمقاتلين فقط.

أي أنهم يشبهون بحيواتهم حياة الآخرين. يأكلون ويشربون، يمارسون الحب، لديهم عائلات وأطفال يروحون إلى المدارس، يتكلمون في السياسة والثقافة والاقتصاد وهموم العيش. تقض الحرب اليومية وهدر الدماء مضجعهما، كما هو السلام أيضاً.

الذي لا يأتي فإن صاروا إلى عتبة أعادهم إلى الخلف مستوطن متطرف دفعه كرمه الأعمى لقتل الأبرياء في صلاتهم، أو جنرال مهووس يقرر زيارة إلى مكان مقدس بحراسة ألف جندي، أو متطرف عاش ذل وقهر الاحتلال، أراد ان ينتقم في توقيت أقل ما يقال فيه انه أعمى ولا يحتسب أي عمق للمستقبل بالطبع.

عود على بدء، أنهى المخرج الأميركي الشهير ستيفن سبيلبيرغ تصوير فيلمه الجديد »ميونيخ« الذي يحكي قصة انتقام إسرائيل لمقتل رياضيين من مواطنيها خلال الدورة الاولمبية في العام 1972، مظهراً على طريقة سبيلبيرغ باستخدام المؤثرات والتقنيات الخاصة قدرة القوات الخاصة الإسرائيلية على قتل »الفدائيين« الذين احتجزوا »الرهائن«، ويعتبر شريطه موجهاً من أجل »السلام« عن طريق اظهار قدر من الدماء المهدورة لكلا الطرفين.

وهذا في منطق الأمور يكاد يكون أمراً صعباً كما هي صعوبة »السلام« نفسه، فليس من عاقل يظن بأن في اثارة احداث قديمة يمكن ان يدفع بعجلة »الحقد« إلى الوراء، فيبدو ان سبيلبيرغ لم يتوقف لوهلة امام قضية هذا الصراع بتأن مطلوب، فمسيرة »السلام« المعطل منذ عقدين لا تحتاج إلى ايقاظ جروحات قديمة، والقتال الدائر منذ أكثر من نصف قرن لا يحتاج إلى ما يضاف إليه من مادة تشعله أكثر،

فيتوقع لهذا الفيلم ان يفشل بتحقيق مبتغى مخرجه في تقريب وجهتي نظر المتحاربين إلى بعضهم بعضاً بغض النظر عن النوايا الطيبة، التي لا تكفي وحدها هنا. يقول سبيلبيرغ: أنا فخور بهذا الفيلم لأنه لا يصور الإسرائيليين ولا الفلسطينيين اشراراً.

بل أنهم افراد ولهم عائلات وحياة، كما تحدث المخرج عن شراء 250 آلة تصوير فيديو سيوزعها في بداية العام المقبل على »المراهقين« الإسرائيليين والفلسطينيين ليصوروا افلاماً تسجيلية وثائقية عن حياتهم اليومية، يقولون فيها من يكونون وما يؤمنون به ومن هم أباؤهم والمدرسة التي يذهبون اليها، وما تناولوه من طعام، والأفلام التي يشاهدونها، والاسطوانات التي يستمعون إليها. ومن ثم يتبادلون هذه الأفلام بعد ذلك بينهم، ليدركوا ان الاختلافات بين الإسرائيلي والفلسطيني ليست كثيرة.. كبشر على الأقل.

اعتقد ان هذه الخطوة المهمة قد تكون أكثر فعالية بكثير من فيلم »ميونيخ« في صناعة سلام عجزت عنه الدول »الكبرى« و»الصغرى« فالسينما والكاميرا قد تكونان المؤهلتين أكثر بكثير لاقتلاع الحقد والانتقام واستبدالها بتحدي القدرة على التسامح وتقديم السلام بدل الحرب.

حسين قطايا