قال محللون اقتصاديون إن انتشار الفساد في أوساط الشركات العالمية الكبرى يعيق الجهود التي تبذلها المنظمات الدولية لحل النزاعات في الكثير من دول العالم.

وبعد شهر من نشر بول فولكر تقريره الخاص بالفساد في برنامج النفط مقابل الغذاء، أعرب عدد من المناهضين للفساد، عن خشيتهم من قيام بعض الحكومات العالمية، بإلقاء نتائجه في سلال المهملات.

فقد وجه فولكر أصابع الاتهام إلى نحو 2.253 شركة بتهمة تلقيها رشى من نظام صدام حسين، في حين اتهم مسؤولين وسماسرة، في أصقاع العالم، بتسلمهم مخصصات مالية غير شرعية، مقابل الدعم السياسي.

وقد اعتبرت تلك الدفعات، مخالفة صريحة للقانون الدولي، وخرقاً للوائح برنامج النفط مقابل الغذاء, والأمم المتحدة التي وجدت نفسها غارقة في معمعة جدل داخلي، حول الطرق الكفيلة بإصلاح هيكلها الإداري.

إثر تداعيات الفضيحة، فإن جدالاً من نوع آخر يدور حول العمل الواجب اتخاذه بصدد القناطير المقنطرة من الأدلة التي أفرزها التحقيق الذي استغرق زهاء 8 أشهر ونيف، ويكلف قرابة مليون دولار. غير أن الأمم المتحدة، لا تملك المرجعية للاقتصاص من الأطراف تلك، وتركت للسلطات المحلية اتخاذ الإجراءات المناسبة التي ترتئيها.

وقد أظهرت دراسة غير رسمية، أجراها مراسلو الفاينانشيال تايمز، أن استعداد البلدان المنفردة لاتخاذ إجراءات إضافية، يعتريه بعض الاختلاط، حتى في بلدان تدعي وقوفها إلى جانب الفضيلة في مكافحتها للفساد.وبموجب البرنامج، فإن الحكومة العراقية باعت ما قيمته 64.2 مليار دولار من النفط إلى 248 شركة. ودفعت أثمانا إضافية فيما يتصل بعقود 139 شركة.

وفي سياق منفصل، باعت 3.614 شركة ما قيمته 34.5 مليار دولار من السلع، تتراوح بين المواد الغذائية والأدوية، لإغاثة الشعب العراقي، في مواجهة العقوبات الدولية، المفروضة لعزل القيادة السياسية. وقالت لجنة فولكر، إن »رشى إنسانية« دفعت فيما يتعلق بعقود 2.253 شركة.

وبدوره قال »مارك بليث« أستاذ القانون الجنائي، والعضو في لجنة فولكر، إن النتائج التي تم التوصل إليها، تحمل في طياتها حرجاً شديداً لشركات تتباهى بأنها تتمسك بالمثل الأخلاقية.

ومعايير الالتزام، والتي زعم الآن أنها دفعت رشى إلى السلطات العراقية. معرباً عن حرج الموقف، ومشيراً في الوقت ذاته إلى ضرورة البحث بجدية، عما إذا كانت مدونة السلوك التي وقعتها الشركات، لها قيمتها ودلالاتها.

وقال فولكر، إن الشركات ستدعي »في تقرير فولكر« أن الأحداث وقعت في محيط (أنشطتها التجارية) وقد أبرز التقرير، أن مراكز الشركات الكبرى، ليست بمنأى عن الفساد.

وعلى صعيد مبيعات النفط، فإن التقرير سمى عدداً من التجار الصغار والأثرياء والأفراد، الذين قدموا دفعات غير قانونية. اتخذ كثير منهم سويسرا مستقرا له، وقد سبق أن وجهت للبعض منهم تهم الفساد. كما خضعت إحدى شركات النفط الصغيرة وهي »بي أويل« للتحقيق من قبل الكونغرس الأميركي، وأدين رئيسها ديفيد شالمرز لصلته بنتائج تقرير فولكر.

كما أشار فولكر، إلى أن شركات نفطية كبرى، تسلمت نفطاً عراقياً عبر وسطاء. وهي تعلم تمام العلم، استحالة شرائه بدون دفع رشى. غير أن تنفيذيي النفط لا يتوقعون أن تترتب على ذلك أي تبعات قانونية.

إن حصيلة التحقيق، أعطت القائمين على الحملة مقياس معياراً جديداً يستطيعون من خلاله تحديد مدى التزام الحكومات بمكافحة الرشى التجارية للمسؤولين الأجانب.

وتخطط ترانسييرنسي انترناشونال (مجموعة محاربة الفساد) تقديم تقارير عن التقدم في هذه الجبهة العام المقبل.وفي الإطار ذاته، تدعي كثير من الحكومات، أنها تجد نفسها غير قادرة على اتخاذ أي إجراءات، نظراً لأن المهمة أصبحت الآن ملقاة على كواهل النواب العامين، كل في نطاق اختصاصه، لتوجيه الاتهامات.

غير أن خبراء الفساد يخالفون الرأي، فهم يحاجون بأن الحكومات قادرة على اتخاذ إجراءات قانونية وسياسية فورية، للحول دون تكرار مثل تلك الفضائح، وخصوصاً بضمان الالتزام الكامل بمعاهدة مكافحة الفساد الخاصة بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

إضافة إلى ذلك، وفقاً لمجموعة الشفافية العالمية، فإن بعض الحكومات تتحمل مسؤوليات مباشرة أكثر، نظراً لأن كثيراً من الشركات، على عهدة فولكر، شاورت سلطاتها المحلية قبل توقيع العقود مع العراق.

وإنصافاً للسلطات المحلية، فإن هناك خلطاً حول الطريقة التي ستدار بها براهين لجنة فولكر، حيث ان الأمم المتحدة تحاول تسوية مسائل قانونية حول دخول السلطات الوطنية إلى شهادات حساسة.

وكانت اللجنة، التي جرى تمديد صلاحياتها إلى نهاية الشهر الجاري، تلقت طلبات للحصول على المعلومات من سبع دول حتى الآن. وكانت الولايات المتحدة الأكثر نشاطاً في هذا النطاق، بإرسالها استفسارات من الكونغرس، واتخاذها إجراءات من قبل السلطات الفيدرالية والمحلية.

كما اتخذت فرنسا من جانبها إجراءات ضد سبعة مسؤولين كبار، ورجال أعمال متهمين بالفساد ورشوة مسؤولين أجانب واستجابة لمزاعم الفساد، من قبل دبلوماسيين سابقين كبار، تعهد وزير الخارجية الفرنسي بتأسيس لجنة للأخلاقيات.

وفي الهند، أرغمت نتائج التحقيق، ناتوار سينغ، وزير الخارجية، على الاستقالة، بعد تسميته »مستفيداً غير تعاقدي« لمبيعات النفط العراقي، وهو زعم نفاه بشدة.

أما في المملكة المتحدة، فإن مكتب مكافحة الفساد، وصف تقرير فولكر، »بأنه قضية مسجلة رسمياً، لابد من النظر فيها بجدية، وأنه في طور دراسته، لتحديد ما إذا كانت أي سلطة بريطانية بحاجة للسير فيه قدماً«.وفي ألمانيا، دفع التقرير عدة وزراء للالتقاء الشهر الماضي، بالمدعين العامين، من أنحاء البلاد لدراسة كيفية الرد.

وقالت الحكومة ان مسؤولية المتابعة ملقاة على عواتق المدعين العامين للولايات. وفي السياق ذاته، قال فريتنر هايمان، من مجموعة الشفافية العالمية، إن تعثر خطى العدالة، حتى في بلدان تأخذ الفساد، على محمل الجد، قد لا يكون موضع استغراب، فالنيابات العامة، قد تجد نفسها كارهة لتعقب قضايا الفساد الأجنبية بسبب تعقيداتها.

ويضيف بأن جمع المعلومات من الخارج قد تعترضه صعوبات. أما هذه المرة، وبحسب هايمان، وبفضل تقرير فولكر، فإن الأمر سيكون أكثر سهولة بالنسبة للمدعين العامين. لكنه يستطرد قائلاً، ما لم تكن هناك آلية، فإن البلدان التي لا تبدي اكتراثاً، ستجد نفسها تتعرض لضغوط لاتخاذ شيء ما.

ترجمة: وائل الخطيب