في أقل من شهر، غزتنا الإعلانات الحمراء من كل حدب وصوب. هجوم أحمر. سيارات، فساتين، تفّاح، أوراق شجر، عبارات، أرقام.. كلّها لوّنت بالأحمر، وصار هذا اللون، الذي لطالما حمل معاني متناقضة، موضة لشركات تصميم الإعلانات تزّج به في صورها، بحساب أحيانا.
ومن غير حساب أحيانا أخرى. مركز تسوّق »صحارى«، برنامج »نساء وطني«، سيارة »أفنيتي«، مركز تسوّق »برجمان«، بنك »رأس الخيمة«.. أمثلة بسيطة على إعلانات تخدم الأحمر ويخدمها اللون. كيف يبرر صنّاع الإعلان استخدام هذا اللون، ما هي دواعيه وما هي محاذيره؟
يقول جوزيف معلوف، المدير الإبداعي التنفيذي في وكالة »غراي وورلدوايد« للإعلانات في دبي، أنّ الأحمر هو لون قويّ تلجأ إليه وكالات الإعلان لتزخيم الرسالة التسويقية للمنتج.
ويشير إلى أنّ مجمل الصحف والمجلات لها خلفيات بيضاء يوضع الإعلان عليها، لذلك من الضروري أن يكون اللون المستخدم في الإعلان مضيئا وبارزا، كما هو حال اللون الأحمر. ويلفت أنّ اختيار اللون يتوقّف على الرسالة التي يراد توصيلها، فهناك علامات تجارية عالمية معروفة سعت إلى ربط صورتها بهذا اللون.
وبعضها تجنّب تغييره لعقود طويلة مثل كوكاكولا، مارلبورو، فيراري، فيرجين.. وغيرها: »لقد تماهت هذه العلامات مع الأحمر، حتى بات مجرّد ذكر اللون، يستدعيها على الفور«. ويكشف أنّ العميل المحلّي يفضّل، غير اللون الأحمر، استخدام ألوان أخرى مثل الأخضر مع الذهبي. كما أنّ 70% من متلقّي الإعلان يرتاحون لرؤية اللون الأزرق فيه.
»غير أنّ هناك محاذير لاستخدام الأزرق، فقد يوحي أحيانا بضعف الماركة. في مطلق الأحوال، الأحمر يبقى مرغوبا، وهناك علامات تجارية حمراء فشلت كثيرا لأنّ قوّة منتجها لم تكن توازي قوّة اللون. فاستخدام هذا اللون لا يجب أن يكون عبثيا، بل مدروسا، لأنّ ردّ فعل سلبياً قد ينتج عنه أيضا«.
وتشيع في الأوساط الاستهلاكية، أن اللون الأحمر هو لون محبب بالنسبة إلى منتجات الطعام السريع »الفاست فود«. وتحلل بعض النظريات النفسية هذا الأمر بأنّ الأحمر يحفّز على مزيد من الأكل ويفتح الشهيّة بجعله المستهلك متحفّزا ومستثارا بفضل اللون.
وتدعم حقائق بيولوجية تلك النظرية النفسية بالقول إنّ آلية »الميتابوليزم« في جسم الإنسان تزيد بنسبة 13.4% لدى تعرّضه للأحمر، الأمر الذي يفتح شهيّته. من هنا نرى أنّ الأحمر موجود في صورة علامات تجارية شهيرة في قطاع الوجبات السريعة: بيتزا هات، ماكدونالدز، كنتاكي، هارديز..
وغيرها. كما أنّ نظرية أخرى تقول بأنّ تلك الشركات تتقصّد استخدام الأحمر في ألوان علاماتها التجارية، لأنّه قد يكون له تأثير على تحريض المستهلك مغادرة المحلّ بعد الأكل، اذ لا يتحفّز على البقاء بسب التأثير القوي يحدثه اللون ويجعله راغبا طوال الوقت بالمغادرة وترك المكان للآخرين، وهو ما يتناسب مع مبدأ مطاعم الوجبات السرية.
غير أنّ معلوف لا يعتقد أنّ تلك النظريتين بوسعهما أن تكونا حاسمتين، ويطرح نظرية ثالثة مختلفة تماما: »لا يجب أن ننسى أن الشريحة المستهدفة من قبل تلك المطاعم هي الأطفال بالدرجة الأولى، والعائلات عن طريق الأطفال. ولأنّ الأحمر هو اللون المفضّل لدى الطفل، فإنّ هذه المطاعم تجذبه من خلال هذا اللون«.
ويوافق مسؤول في شركة علاقات عامة محليّة، فضّل عدم ذكر اسمه، على التأثير القوي الذي للّون الأحمر على تحفيز الشخص وتحريض حواسّه: »حين نقوم بتنظيم مؤتمر صحافي لأحد عملائنا نتجنّب أن تكون الألوان المستخدمة في الصالة التي سيجلس فيها الصحافيون حمراء، لأننا اكتشفنا أنّ هذا اللون قد يرفع من رغبتهم بالجدال وطرح الأسئلة المتوتّرة«.
ويوافق خبير في شركة »جوتين« المتخصصة بصباغات الجدران على هذه النظرية: »ننصح عملاءنا عادة باستخدام الأحمر لطلاء غرف تناول الطعام، كون للأمر تأثير في زيادة الشهيّة إلى الأكل«.
يقول معلوف:« رغم أنّه لون مرغوب إلاّ أنّ هناك محاذير رئيسية يجب على صنّاع الإعلانات الإلمام بها. فلا يجوز استخدام الأحمر في إعلان عن الدواء، لأنّ ذلك يعطي إيحاء مباشرا بفكرة المرض والمستشفى والدم«.
الجدير ذكره أنّ اللون الأحمر، ومنذ القدم، قد ارتبط بكثير من القصص والحكايات والاستخدامات. بداية من اسمه، الذي يكتب في لغات قديمة »DM« وهي ذات الكلمة التي تعني في تلك اللغات الدم »DOM«.
وهو من جهة لون يوحي بمعان ايجابية مثل الدفء والشغف، ومن جهة ثانية يوحي بالعدوانية والحرب والكره. وفي حضارات قديمة، كان الأحمر يرتبط بالأنثى، ولا يزال كذلك حتى اليوم في اليابان. أما عند الرومان، فقد كان مسموحا للإمبراطور فقط ارتداء اللون القرمزي.
وعند الأباطرة الألمان، ثم استمر الأمر عند الكرادلة في العام 1468 والنبلاء في القرون الوسطى. وربطت بعض العقائد بينه وبين لون »الجحيم« أو »الشيطان«، وأخرى ربطته بالتحرر والثورة. وهو لون إيروتيكي أيضا، ومفضّل عند الأطفال.
سيارة »إنفنيتي«: من دون الدم!
تركّز شركات السيارات على اللون الأحمر، باعتباره لونا يوحي بالإثارة والقوّة والرياضية. وهناك علامات تجارية في عالم السيارات، ارتبطت باللون الأحمر بشكل بارز، مثل »فيراري«، وكذلك مناسبات مهمة مثل سباقات »الفورمولا وان«.
وتفضّل الشركات في حملاتها الإعلانية التي تروّج لطرازات جديدة أن تعرض اللون الأحمر باعتباره رمز القوة والإثارة. مؤخرا، قامت »انفنيتي« بالإعلان عن الطراز الجديد »انفنيتي G35«، بعرضها السيارة ذات اللون الأحمر مع عبارة »قوّة 289 حصاناً، تجري في عروقك«.
وقد كان الإعلان ذكيّا في تحاشي استخدام لفظ »الدم« رغم ذكره بطريقة غير مباشرة. فالدم هو الذي يجري في العروق، ولكن الإعلان يقول ان ما يجري في العروق هو »انفنيتي« التي تقودها فتتغلغل في شرايينك، من شدة الإثارة.
وأوحت انسيابية السيارة التي ظهرت في الإعلان، بانسيابية الدم في العروق، مما خدم الفكرة. الحديث عن الدم، وسط كل ما تغرقنا به أخبار التلفزيون يوميا من حوادث القتل، ليس فكرة مجدية أو محببة من المتلقي، غير أن الإعلان قاربه بأسلوب ذكي تحايل على.. ذعر الدم!
»نساء وطني«: أحمر في غير محلّه
برنامج »وطني«، الإماراتي الذي يضم عدداً من الفعاليات التي تهدف إلى خدمة برامج التنمية المجتمعية وتعزيز مفاهيم الهوية الوطنية وتعميق ممارسات المواطنة الصالحة، برنامج متميّز للغاية وسام بمضمونه.
فهو، عبر سلسلة من النشاطات الموجّهة إلى شرائح مختلفة من المجتمع، يهدف إلى تعميق روح المواطنة، تجاه البلد، بين المواطنين والمقيمين والزائرين وهو بذلك يؤكد على أن المواطنة الصالحة هي مسؤولية الجميع.
ويشتمل على أربعة برامج: برنامج »شباب وطني« وهو برنامج تلفزيوني يعرض على قناة »سما دبي«، وفيه تقوم مجموعة من الشباب بجولة في ربوع الوطن يحاولون من خلالها اكتشاف الوطن.
وبرنامج »ثقافة وطني« والذي يركز على إقامة محاضرات وندوات في مختلف المجالات، لأشهر المفكرين والخبراء والاختصاصيين من علماء اجتماع واقتصاديين وإداريين. كذلك فعالية »إيمان وطني« التي تركز على الأنشطة الدينية.
أما برنامج »نساء وطني«، فإنه يهدف إلى تمكين النساء وظيفياً وثقافياً واجتماعياً وذلك من أجل تمكين المرأة من القيام بدورها في المجتمع بشكل كامل سواء كان على مستوى العمل أو التربية أو المساهمة في العمل المجتمعي التطوعي. ويقدم البرنامج العديد من المحاضرات والفعاليات الاجتماعية والترفيهية المخصصة للنساء والتي تأخذ في عين الاعتبار خصوصيتهم وطبيعة المجتمع.
وقد ظهرت حملة إعلانية تروّج للفعاليات الأربع، وقد اختارت لونا مختلفا لكل فعالية، ووقع الاختيار على الأحمر، لربطه ببرنامج »نساء وطني«. هل اختيار اللون، من قبل الوكالة المصممة للإعلان كان موفقا؟
ليس تماما، فالأحمر هنا لا يخدم الفكرة. فربط الإعلان بالأحمر يوحي بأنّ الإعلان يروّج لعطر، أو ماكياج أو.. »عيد العشاق«، وغيرها من الإعلانات التي تسعى التي تسلّع المرأة وتربطها بمعان غريزية يدلل عليها الأحمر.
وهو بالتأكيد، ما لا يريده برنامج »نساء وطني« الذي يسعى إلى تقديم دورات تدريبية متخصصة في فن الإدارة لتطوير الكوادر النسائية القيادية في أوساط الإدارة العليا والمتوسطة وذلك من أجل تمكينهن في الإسهام لبناء وطن متمكن. أي أنّ هناك تناقضا بين صورة الإعلان وهدفه، يجب التنبّه إليه.
من جهة أخرى، وإذا استبعدنا نظرية الصبغة »الايروتيكية« التي في الإعلان، فإنّ تكثيف الأحمر على هذا النحو، من دون أن تظهر فيه أي صورة لأي سلعة (على غرار إعلانات فيراري او فيرجين حيث الأحمر لون السلعة)، يوحي وكان الإعلان بقعة من دم،.
أو كأن النساء، لا سمح الله، »شهيدات« الوطن! من الناحية التقنية يغرق الإعلان حروفه بقتامة اللون فلا تعود بوسعها أن تكون مقروءة.مجرّد اقتراح: لماذا لا يكون »نساء وطني« أكثر إشراقا؟ ماذا عن اللون الزهري، مثلا؟
تحقيق: إبراهيم توتونجي