قال محللون إن مشهد تجمعات المنظمات الأهلية التي ترفع اللافتات المنددة بالأوضاع التجارية العالمية في الوقت الذي يتدفق فيه رجال يرتدون الحلل الفاخرة على مبنى محاط بإجراءات أمنية مشددة.

يعبر عن السخط الشعبي العام تجاه السياسات التجارية المتبعة في العالم حالياً. إنها صورة تقليدية لاجتماعات وزراء التجارة والمالية ولكنها ليست الصورة كاملة، كما أنها أصبحت صورة قديمة بعض الشيء.

وأصبحت المنظمات غير الحكومية التي كان الناشطون فيها يتظاهرون خارج مثل هذه الاجتماعات تنشر رسالتها في الداخل بعد إشراكها في عملية المحادثات مع تزايد تأثيرها كهيئات مدافعة عن أقل الدول نموا في العالم.

وعندما تعقد منظمة التجارة العالمية محادثات تجارية قد تكون حاسمة في هونغ كونغ يوم 13 ديسمبر الجاري ستختبر مجددا العلاقة المشحونة بين الساسة ونشطاء المنظمات الأهلية. يقول البعض من الجانبين ان العلاقات تحسنت بدرجة كبيرة لكن يحذر آخرون من أن التوترات باقية.

وقال الدو كالياري من مجموعة التنمية »سنتر اوف كونسيرن« ومقرها واشنطن »المنظمات غير الحكومية لها تأثير متزايد لكني اعتقد ان بعض صناع القرار لا يعتقدون ان تأثيرها ايجابي إذ انهم مازالوا يتعرضون للنقد في بعض الدوائر بسبب انهيار محادثات منظمة التجارة العالمية في كانكون »بالمكسيك« عام 2003«.

وتمثل المنظمات غير الحكومية قطاعا كبيرا من الاهتمامات من السياسات التجارية للبيئة وحقوق الإنسان والإغاثة في الكوارث. وعلى الرغم من إدخال بعض المنظمات غير الحكومية في التيار الرئيسي للسياسة الا أن البعض الآخر مازال يعامل بتشكك من جانب الحكومات والشركات القلقة من النشطاء المناهضين للعولمة الذين يكتسبون تأييدا كبيرا كما يشعرون بالقلق من اخفاء بعض المنظمات لمصادر تمويلها.

وحتى المنظمات غير الحكومية نفسها تدرك انه اذا شعر أعضاؤها بأنهم منبوذون فان ذلك سيكون له أثر سلبي. وقال جاوين كريبكي المستشار البارز لمنظمة اوكسفام في واشنطن »آمل ان تكون محادثات هونغ كونغ ودية وبناءة«.

وأضاف »العديد من المنتقدين لديهم مشاعر قوية إزاء سير هذه المفاوضات ويريدون أن يسمع الآخرون صوتهم. وإذا لم يكن هناك سبيل آخر أمامهم لعرض وجهة نظرهم فان العنف قد يكون هو النتيجة«.

وكان اجتماع هونغ كونغ يهدف في الأصل الى تتويج أربع سنوات من العمل الشاق للتوصل إلى اتفاق على مسودة معاهدة جديدة لخفض الدعم في الدول الغنية وفتح الأسواق العالمية.

لكن التقدم البطيء للغاية بشأن مسألة الدعم الزراعي أثار انتقادات لاذعة بالفعل من جانب المنظمات غير الحكومية كما أثار هجوما من جانب الدول الأكثر فقرا التي تريد حرية دخول أكبر لأسواق الدول الغنية.

وكانت اجتماعات وزارية سابقة لمنظمة التجارة العالمية قد شهدت اشتباكات عنيفة. ففي سياتل عام 1999 خاض المتظاهرون معارك مع الشرطة في الشوارع مما دفع وزير التنمية الدولية البريطاني في ذلك الوقت لشجب ما وصفه بأنه »انتقاد في غير محله« من جانب مثيري الشغب.

وفي عام 2003 انهار اجتماع كانكون عندما انسحب منه الزعماء الأفارقة قائلين ان مطالبهم بشأن تجارة القطن لم تلق استجابة. وقال فرانز فيشلر المفوض التجاري الأوروبي السابق ان تأثير المنظمات غير الحكومية جعل من الصعب التوصل لاتفاق.

وقالت المنظمات انها لم تكن في قاعات الاجتماع مما يجعل إلقاء اللوم عليها أسهل من إلقائه على الحكومات الإفريقية. لكن تصريح فيشلر يكشف الكثير عن كيف يمكن ان تقلق قوة تلك المنظمات الحكومات. فهذه المنظمات عادة ما تتصدر استطلاعات الرأي باعتبارها الأكثر مصداقية.

يقول بيتر هاردستاف من حركة تنمية العالم في بريطانيا »شهدنا تزايد التقدير لحياد المنظمات غير الحكومية الذي يأتي بعد فقد الناس للثقة على مدى فترة طويلة في حياد العلماء«.

وأضاف: ان هناك افتقاراً للثقة كذلك في الساسة ورجال الأعمال. والمنظمات نفسها تزداد حنكة اذ تعزز مهاراتها في الاتصالات لتتمكن من سرعة الرد على تطورات الأحداث.

ومنذ اجتماعات سياتل وكانكون فتحت منظمة التجارة العالمية وغيرها من الهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي ابوابها للمنظمات غير الحكومية حيث تعقد لقاءات مع ممثليها وتناقش معهم دراسات. ويقول البعض أن هذا اقل ما ينبغي على مسؤولي منظمة التجارة عمله.

فالمنظمات غير الحكومية أصبحت أكثر حرصا على كشف الصلة بين التجارة والتمويل من ناحية وبين الفقر والديون من ناحية أخرى. واجتذبت حملاتها كذلك بعض نجوم الغناء والسينما مما ضمن جذب اهتمام الناس.

وفي اجتماع زعماء مجموعة الثماني في الصيف الماضي حشد بوب جيلدوف نجم موسيقى الروك أكبر حشد من مغني الروك اند رول على الإطلاق للضغط على زعماء العالم من أجل الحد من الفقر وجعل إفريقيا موضع نقاش لمدة بضعة أسابيع على الأقل.

وقبيل اجتماع هونغ كونغ كان النجم السينمائي براد بيت احدث شخصية تنضم الى الناشطين في قضايا التجارة العالمية حيث زار واشنطن في نوفمبر ليدرس كيف يؤثر الدعم الزراعي على المزارعين في إفريقيا.

والعلاقة بين المنظمات غير الحكومية والنجوم يمكن ان تكون خادعة، فالنشطاء يحرصون على الإبقاء على النجوم بين صفوفهم لاجتذاب الكاميرات والتغطيات الصحفية لكنهم عادة ما يحبطون مما يعتبرونه ميل النجوم لتبسيط الأمور بشكل مخل.

غير ان هذه الصلة بين القضايا العامة والمشاهير تعد مثالا على تعقيد جديد تشهده المنظمات وهي تروج لجدول أعمالها بين الناس والساسة. وقال جيمي دروموند المدير التنفيذي لجماعة داتا للتوعية بإفريقيا «الحكومات شهدت هذا العام منظمات غير حكومية تدير جدول الأعمال السياسي بكفاءة عالية للغاية«.

وأضاف »كان لها تأثير كبير على دفع جدول الأعمال قدما ووضع تنمية إفريقيا على الخريطة كأولوية سياسية لزعماء العالم. لذلك سيكون من الطبيعي محاولة إشراك المنظمات غير الحكومية في المحادثات«.