يتجه الأميركيون العطشى للطاقة نحو الشمال وتحديداً نحو كندا، التي في وضع يجعلها مستعدة للعودة إلى دورها التاريخي في إمداد الولايات المتحدة بالطاقة.وتسيطر كندا على ثاني أكبر احتياطي في العالم في البترول وهي أيضاً أكبر مورد في العالم للكهرباء والبترول والوقود (الجازولين) واليورانيوم والغاز الطبيعي إلى الولايات المتحدة.

لكن حجم تجارة الطاقة الهائل بين أميركا وكندا لا يتصدر عناوين الصحف لأن هذه الصفقات بعيدة عن التوترات السياسية التي غالباً ما توجد بين أميركا والدول الأخرى الموردة للطاقة مثل العراق أو فنزويلا.

وتنساب الكهرباء لمسافة أربعة آلاف ميل عبر الحدود بين كندا وأميركا دون مشكلات، وهناك شبكة من أنابيب البترول تربط بين كندا وأميركا، حيث تتجه من ألبرتا الإقليم الغربي في كندا نحو شيكاغو حيث مصافي البترول التي تمد السائقين والمنازل بالوقود في الغرب الأوسط.

ولفتت علاقة توريد الطاقة بين كندا وأميركا الانتباه ثانية بسبب المشكلات التي تكتنف توريد الطاقة من الشرق الأوسط وإفريقيا وأميركا اللاتينية، وحتى خليج المكسيك الأميركي عقب الأعاصير التي أصابته وتسبب ضغوطاً اقتصادية وسياسية.

وقال الرئيس الأميركي جورج بوش ان بلاده تتطلع إلى رفع كندا لإنتاجها من حقولها الغنية في شمال البرتا التي تحتوي على 174 مليار برميل من الاحتياطيات المؤكدة ولا يسبقها في ذلك إلا احتياطيات السعودية، وتعرف احتياطيات كندا بالرمال السوداء لاختلاط البترول بالرمال.

وتورد كندا بالفعل مليون برميل يومياً من البترول الخام من الرمال السوداء، لكن رفع الإنتاج لا يمكن أن يتم بسهولة لأن استخراجه من الرمال عملية صعبة ومكلفة.

وتعتزم الشركات صاحبة الامتياز في البرتا رفع الإنتاج ثلاثة أضعاف إلى 3 ملايين برميل يومياً خلال السنوات العشر المقبلة، ويصل الإنتاج إلى 5 ملايين برميل يومياً بحلول 2025، أي نحو ربع الاستهلاك الأميركي الحالي.

وقال جريج ملتسين وزير الطاقة الكندي ان أميركا تبدو حريصة على تعزيز علاقات الطاقة مع بلاده لتجنب الاعتماد على الموارد غير المستقرة في الشرق الأوسط ومناطق أخرى، وأضاف ان كندا يمكن أن توفر لأميركا الأمن البترولي.

ورغم ان كندا لا تستطيع رفع الإنتاج بالدرجة التي ترنو إليها أميركا، فإن تطويرها لموارد الطاقة يسير باطراد، وبمجرد ان يرتفع الإنتاج بالنسبة الكافية لن يضطر المستهلكون إلى الخضوع لهزات كبيرة مثل التي تثيرها الأعاصير والهجمات الإرهابية.

وأعرب أعضاء في الكونغرس الأميركي عن مخاوف من ان الخلافات بين أميركا وكندا حول تجارة الخشب ومسألة العراق قد تكون السبب في سعي كندا إلى توريد نصف مليون برميل يومياً إلى الصين من خلال خط أنابيب عبر الباسفيكي.

وقال الوزير ملتسين ان الصين تعرب عن اهتمامها ببترول كندا وبدأت مشروعين استكشافيين في مناطق الرمال السوداء، لكن الجغرافيا في صالح أميركا لأن خطوط الأنابيب والمصافي موجودة بالفعل.

ومن المنطقي ان يرتفع التوريد إلى أميركا.ولابد من استثمارات كبيرة محفوفة بالمخاطر لإنشاء خطوط أنابيب أخرى وتحديث المصافي إذا كان لابد من الاستفادة الكاملة من الرمال السوداء.

وأدت هذه الرمال السوداء إلى وضع موارد الطاقة الكندية تحت دائرة الضوء، وتحتل هذه الموارد المركز الثاني عالمياً بعد روسيا.وتملك كندا بترولاً أكثر من أميركا رغم ان سكانها عشر سكان أميركا فقط، ويعتبر الكنديون أنفسهم محظوظين لأنهم بجوار سوق كبيرة لموارد الطاقة.

تدفق الطاقة نحو الجنوب

في الوقت الذي يبحث فيه العالم عن موارد نظيفة متجددة للطاقة، تنتج كندا 60% من طاقتها من الكهرباء المائية النظيفة وتثير حسد العالم، والطاقة الكهرومائية من أرخص وأنظف أنواع الطاقة.وتملك كندا خمس موارد العالم من المياه العذبة التي تنساب في الأنهار وفي البحيرات في أراضيها الداخلية من جبال وهضاب ووديان.

وبالتالي تحتل كندا المركز الأول في العالم في توليد الطاقة الكهرومائية وتصدر 20% من هذه الطاقة إلى أميركا، ولذلك عندما انقطع التيار الكهربائي في أميركا من عامين عانت مدن كندية من الظلام لارتباط شبكة البلدين الكهربية .

وتصدر كندا كهرباء إلى أميركا، تفوق الاستهلاك الكندي ذاته منها، حسب قول مسؤولين محليين أكدوا ان العلاقات الوثيقة ساعدتهم في تحسين إدارة سدودهم عن طريق تخفيف الذروات في استخدام الطاقة بالسيطرة على الكهرباء المتدفقة عبر الحدود.

وتستهلك أميركا ذات المناخ الأدفأ، كهرباء أكثر من كندا في فصل الصيف من أجل تشغيل أجهزة المكيفات وبالتالي ترتفع وارداتها من الكهرباء الكندية، لكن كندا يرتفع استهلاكها في فصل الشتاء لأغراض التدفئة.

وينظر الكونغرس الأميركي إلى كندا لرفع واردات الطاقة منها بسبب مخاوف ان تواجه أميركا نقصاً بسبب نقص الاستثمارات في محطات الطاقة وخطوط النقل.وتقول كندا ان مقاطعات مثل مانيثوبا ونيوبرونزويك لديها فائض من الطاقة الكهرومائية لتزويد أميركا بنسبة 1.6% من احتياجاتها.

لكن هناك عقبات أمام زيادة صادرات الطاقة الكندية لأميركا. فهناك ارتفاع في الطلب على الطاقة في مقاطعة كيبك.ولا تتوقع المقاطعة أن يكون لديها فائض في الطاقة لتوريدها إلى أميركا مستقبلاً، رغم أنها أكبر مقاطعة في إنتاج الطاقة.

والشبكات التي تنقل الطاقة تعمل بكامل طاقتها أيضاً في كثير من المناطق ولا تستطيع نقل أحمال إضافية من كندا، والسكان المحليون يعارضون بشدة توسيع نطاق المرافق الأميركية لزيادة نقل الطاقة إليها.

لكن شركات الطاقة الكندية تحاول جاهدة تخطي هذه العقبات لأنها تحصل ثلاثة أضعاف السعر المحلي للكهرباء من أميركا. ويعتقد المسؤولون الكنديون ان صناديق المعاشات يمكن أن تستثمر في رفع كفاءة المرافق القائمة على الجانب الآخر من الحدود »داخل أميركا« بعد صدور تشريع من الكونغرس بتشجيع الاستثمار في مرافق نقل الطاقة الكهربائية داخل أميركا.

استغلال الرمال السوداء

لابد لصناعة البترول الكندية أيضاً التغلب على عقبات فنية ومالية كبيرة لاستغلال الرمال السوداء لأقصى درجة. لكن هذه الرمال لا تقع في قاع المحيط مثل مواد البترول الأميركية، لكن تحويل هذه الرمال إلى وقود للسيارات ليس أمراً سهلاً، ولا تزال كثير من أنواع التقنيات لاستخراج البيتومين الثقيل من الرمال السوداء في طور الاختراع.

ولا تستطيع الشركات استخدام الحفارات التقليدية والمعدات المستخدمة من عقود في أنحاء العالم التي تستخرج البرميل بكلفة دولارين، وغالبية الوقود في الخزانات الطبيعية يقع على أعماق كبيرة ولابد من استخراجه، أولاً باستغلال حرارة الأرض التي تتجمد في الشتاء، من اجل تسييل البترول قبل استخراجه.

والبترول القريب من سطح الأرض محاصر في خزانات مفتوحة تجعل المناجم التقليدية في أنحاء العالم أقزاماً، ويحتاج استخراج برميل واحد من البترول معالجة طنين من الرمال السوداء، ويعني ذلك تكلفة تصل الى 15 ــ 25 دولاراً للبرميل الواحد، لذلك لا يمكن استغلال هذه الموارد إلا في ظل سعر 60 دولاراً للبرميل.

وتشير وكالة بيانات الطاقة الأميركية مشكلة أخرى هي اعتماد الشركات على الغاز الطبيعي في تسخين الأرض لاستخراج البيتومين، وموارد الغاز الطبيعي في كل من أميركا وكندا تتناقص، وارتفع سعر الغاز بشكل غير طبيعي في السنوات الأخيرة ويبلغ ستة أضعاف ما كان عليه في التسعينات.

وقالت الوكالة إن أي نقص في الغاز أو ارتفاع كبير في سعره سيعرض صناعة البترول من الرمال السوداء للخطر، ويعرف المسؤولون الكنديون انه على المدى البعيد لابد من وجود بديل للغاز في هذه الصناعة.

كما أن مستويات تدفق غاز الصوبات الزراعية، أو الاسم الذي يطلق على الغازات الكربونية ومنها نواتج الاحتراق التي وافقت عليها كندا في إطار اتفاقية كيوتو حول الاحترار العالي، يمثل عقبة أمام استغلال الغاز الطبيعي في هذه الصناعة.لكنه مع استمرار الارتفاع الحالي في أسعار البترول، حتى ولو كان هناك انخفاض ظاهري في الأيام الأخيرة قد يجعل اللجوء إلى الرمال السوداء خيالاً منطقياً.

ترجمة: أشرف رفيق