بعد استفحال أزمة المازوت في المناطق اللبنانية بسبب ارتفاع سعره، بات على الفقراء البحث عن بديل يقيهم برد الشتاء القارس وعواصفه. وليس بالمقدور شراء صفيحة المازوت بعدما .

وصل سعرها إلى مستويات قياسية والجيوب شبه فارغة، لذلك كان التفكير بـ»الأرخص والأوفر«، وربما »البلاش«، فكان للتدفئة في تلك المناطق عدة نكهات، منها ما هو بالحطب وأخرى بروث البقر وثالثة »بالأحذية القديمة« ورابعة بزيوت السيارات المستعملة وغيرها وغيرها من النكهات.

ولم يجد معظم أهالي المناطق الجبلية سبيلاً سوى اللجوء إلى الأحراج من أجل تأمين ما يلزم من الحطب للتدفئة في أيام البرد والعواصف، إضافة إلى ما يتيسر جمعه من بساتينهم وبعض المواقع المشاعية.

وفي هذا الصدد تشير سلوى إلى أن »العمل في الأحراج بدأ بعد انتهاء الشتاء الماضي مباشرة، إذ كنا نحمل ما نقدر عليه من الحقول ونقوم بتقطيعه ووضعه في مكانه، وها قد وصلنا إلى الشتاء والمؤونة مؤمنة باستثناء كمية معينة من الحطب نعمل لتوفيرها مع ما يتيسر من أغصان السرو والصنوبر الموجودة أمام المنزل«.

ويعتبر الحطب مصدراً أساسياً يعتمد عليه »ذوو الدخل المحدود« في التدفئة لذا ينشط هؤلاء في جمعه في خطوة احترازية لمواجهة فصل الشتاء وبرده القارس في القرى التي يزيد ارتفاعها على الألف متر.

ولكن حتى هذه الخطوة الاحترازية باتت هماً ثقيلاً كالمازوت بالنسبة لبعض الأهالي الذين يشترون الحطب، خصوصا وان أصحاب »المناشير« استغلوا الفرصة لفرض رسوم إضافية على الأسعار وفي هذا الصدد يقول محمد أبو عيطة: »الآن، أعتقد أن لا فرق بين الاثنين، فالأسعار لم تتغير سواء بالنسبة للمازوت أو الحطب.

ففي السابق كنا نحتاج لسبعة براميل من المازوت ثمنها حوالى400 دولار وكل شعلة إضافية تزيد من هذه القيمة وكذلك الحال بالنسبة للحطب، إذ نستهلك سنويا 3 أطنان والطن الواحد يقدر بـ 130 دولاراً، فالوضع بالنسبة لنا على الأقل لم يتغير«.

وما فاقم الأزمة أيضا، قرار وزارة الزراعة ومكاتب الأحراج الذي قضى بمنع قطع الأشجار إلا في حالات معينة كاستصلاح الأراضي أو البناء وحتى التذرع بهذه الأهداف لم يسعف المواطنين الذين كانوا ينوون قطع الأنواع المسموح بها إذ عمدت الوزارة إلى عدم إعطاء رخص القطع أيا كان السبب، وهذا ما دفع بالعديد من المواطنين إلى الاستعانة بالكهرباء للتدفئة، على أن »تنحصر المدفئة في غرفة واحدة لتخفيف الفاتورة«...

وحتى هذه أيضا شكلت أزمة أخرى في ظل التقنين العشوائي الذي تمارسه الحكومة خصوصا في القرى الريفية، وهذا ما دفع بأصحاب »الجيوب الفارغة« إلى التفتيش عن مادة للتدفئة شبه مجانية.

وبين مطرقة منع قطع الحطب وسندان ارتفاع أسعار المحروقات المستخدمة في التدفئة، قررت نجلا البحث عن بديل أوفر أو بالأحرى »مجاني وبيخدم أكثر من غيره« فارتأت أن تستخدم زيوت السيارات المستعملة في التدفئة.

»ولأن مادة التدفئة ليست على مستوى عال من الجودة« ـــ تقول نجلا ـــ »قررت بألا أخسر ثمن مدفئة واكتفيت بثقب وعاء معدني قديم وضعته في زاوية الغرفة لاستخدامه في أوقات البرد القارس والعواصف، إذ إنني أمضي معظم أوقاتي في الشمس«.

وعن كيفية استخدامه تقول نجلا بأن »العملية سهلة جدا ولا تحتاج سوى لخشبة ملفوفة بالقماش ومطلية بالزيت، ادهن به جوانب الوعاء بالمادة ومن ثم أشعلها«.

هذه الطريقة التي ابتكرتها نجلا دفعت العديد من العائلات في القرية إلى استخدامها، وفي هذا الصدد يقول قاسم بأن »استخدام الزيت المستعمل خفض كثيرا من التكلفة.

ففي السابق كنا بحاجة إلى ما يزيد عن 1000 ليتر من المازوت، أما الآن فأصبحنا بحاجة إلى حوالي 200 ليتر نستخدمها للمدفئة في غرفة الضيوف، يضاف إليها 10 ليترات من الزيت المستعمل تكفينا حتى نهاية الشتاء ما بين التدفئة والطبخ «.

أما الذين لا يملكون حطبا ولا مازوتا ولا زيت سيارات، لا يبقى أمامهم سوى الأحذية البالية للتدفئة، وربما يعتقد البعض أن الحذاء بمجرد أن يصبح قديما يكون مصيره الرمي في النفايات.

أما رياض فقد وجد للحذاء القديم وظيفة أخرى، فهو يستيقظ في الصباح الباكر ليقوم بجمعها، حاملا في إحدى يديه كيسا وفي اليد الأخرى »فانوساً في حال عدت وكان الوقت متأخراً«، يدور على بيوت الضيعة بحثا عن »صرماية أو شحاطة للكب«.

ولا يتوانى في بعض الأحيان عن سؤال أصحاب المنزل عما إذا كان يوجد لديهم »أحذية يستطيعون التخلي عنها«، ولا يعود إلا بعد أن يملأ الكيس بحوالي عشرة أحذية تكفيه لشهر تقريباً.

وكان رياض في أحيان أخرى يطلب من ضيوفه أن يأتوا في المرة المقبلة ومعهم هدية »حذاء أو بنطال« وذلك حتى »لا أضطر في أيام العواصف إلى البحث عنها«.

طريقة جديدة ولكنها لم تف بالغرض، إذ اضطر محمد الذي امتثل لنصيحة رياض، إلى إنفاق ما ادخره من مال على الدواء بعد عدة جلسات في المنزل أمام الموقد...

وذلك بسبب الدخان والرائحة التي كانت تفوح من »موقد الأحذية«، وبات عليه البحث عن بديل آخر إلا العودة إلى الحطب أو المازوت...أما أم إبراهيم فقد »استنجدت« بأبقارها لتأمين التدفئة، وأنشأت موقدا إلى جانب المزرعة وصلته بخزان تحت الأرض تلقي فيه روث البقر.

وفي كل يوم كانت تقوم بخض الخزان بقوة لتساعد على تعفن المزيج وانبعاث الغاز الذي يغذي موقدها ويساعدها على »الطبخ والغسيل«.وكانت تفعل ذلك يوميا، وتبقى على هذه الحال إلى أن يجف المزيج في الخزان وعندها تقوم بسحبه واستعماله في التدفئة المنزلية.

وعلى الرغم من الرائحة الكريهة لهذا المزيج إلا أن العائلة رضيت بها »حتى لا نضطر في ظل الأوضاع المعيشية الحرجة إلى الاستدانة من الآخرين للعيش« كما تقول أم إبراهيم.

ويبدو أن القرويين سيبقون على هذه الحال إلى أن تصدر الحكومة حكمها القاضي بتخفيض أسعار المازوت وإذا لم تفعل... فسوف يضطر البعض إلى الاستعانة بالغطاء للتدفئة ريثما تعي الحكومة أهمية هذه المشكلة.

بيروت ـــ رجانا حمية: