استطاعت دبي أن تتحدى المنتقدين على مدى 20 عاماً بفضل تاريخها التجاري وموقعها الجغرافي وحكمة حكومتها التي وضعتها على خريطة العالم. وكان شهر نوفمبر طيبا بالنسبة لدبي حيث انفق عملاق الأعمال الأميركي دونا لدترامب على الاستثمار في جزيرة نخلة الجميرا.
وأكد نادي مانشستر يونايتد أحد أكبر واكثر أندية العالم لكرة القدم ثراء على إنشاء أكاديمية رياضية في مدينة دبي الرياضية، ووقعت طيران الإمارات عقودا لشراء طائرات بوينغ بقيمة 10 مليارات دولار تقريبا، لتنطلق إلى مجال العالمية في قطاع الطيران.
ونقلت مجلة »ميد« الاقتصادية عن عبدالرحمن الطيب العوضي رئيس تنفيذي مجموعة »ليدر« ان ما ينجزه سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع أمر رائع، وقال ان طيران الإمارات اكتسبت شهرتها ومكانتها العالمية بفضل رؤية سموه الثاقبة.
لكنه أكد أن الأمور تسير بسرعة كبيرة ويجب الإبطاء قليلا وأضاف أن الأمور وصلت لمرحلة تحتاج فيها إلى جني ثمار ما تحقق ونفكر كيف وصلنا إلى ذلك وضمان الحفاظ على هذه المكاسب، حتى انه أعرب عن مخاوفه بشأن السرعة التي تجري بها الأمور في دبي.
وقد تناقل رجال الأعمال هذا الرأي خلال الأشهر الماضية وانتشر بين أقطاب قطاع المال النامي بسرعة. وأعرب بنك دبي الوطني عن تقييم غير عادي عن الوضع الاقتصادي في تقريره عن الربع الثالث من العام، حيث قدر أن يصل معدل التضخم إلى 10 ــ 15% بحلول نهاية العام الجاري مع ارتفاع متوسط الإيجارات بنسبة 40% خلال النصف الأول من العام.
وقال التقرير ربما يكون هذا أسرع معدل نمو في التضخم في العالم، وقد شعر المستهلكون بذلك في الأشهر الستة الماضية، حيث ارتفع سعر الزبد مثلاً من 5.5 دراهم إلى 8 دراهم فيما يصل سعر ساعة رولكس إلى 18 ألف درهم مقابل 16 ألف درهم.
وقال أحد المصرفيين في دبي إذا استمر ارتفاع معدل التضخم فقد يسبب أضراراً، حيث ان أبوظبي تمر بمرحلة انتقالية في الاقتصاد ويمثل الوافدون فيها 80% من إجمالي السكان.
ويعتمد الأمر أيضا على الاستثمارات الخارجية فإن تكلفة الاستثمار والإقامة في أبوظبي في ارتفاع، وبالتالي فقد تفقد ميزتها النسبية.
واتخذت حكومة دبي خطوة عقب صدور تحذير تقرير بنك دبي الوطني بصدور قرار بتقنين رفع الإيجارات بحد أقصى 15% لكل العقارات في دبي حتى نهاية 2006 عن سمو الشيخ محمد بن راشد، غير أن المنتقدين يعتقدون أن هذا القرار قد يردع الملاك الجشعين على المدى القصير لكنه لا يحل القضية برمتها.
وقال محلل مالي في دبي إن هذا القرار كان رد فعل وليس حلاً جذرياً، وأضاف ان من أهداف دبي جذب شركات عالمية مثل أي.بي.إم وميكروسوفت، وهذا ما حدث حتى الآن، لكن حكومة دبي ينبغي أن تحمي السكان المحليين حاليا، لكنها للأسف تهمل الأساسيات التي زادت من جاذبيتها للاستثمار الأجنبي.
ويشعر الجميع بارتفاع الأسعار، وتفرض وزارة العمل حالياً رسوما بقدر 5300 درهم على ترخيص العمل مقابل ألف درهم في التسعينات.
وارتفعت رسوم تسجيل السيارات أربعة أضعاف خلال العام الماضي، وأحدث الرسوم التي فرضتها حكومة دبي هي 10 دراهم على كل صفقة حكومية لتعزيز الاستثمارات في المشاريع الثقافية والتعليمية.
وفي الوقت الذي تفرض فيه الحكومة ضرائب غير مباشرة لاتزال السياسة المالية المحددة مستمرة فيما يقع غالبية اللوم على البنك المركزي في الدولة.
وقال العوضي لم يكن هناك ضرائب في الثمانيات والتسعينات قبل حدوث هذه الطفرة، فكان كل شيء رخيصاً وكانت التجارة جيدة في الإمارة »الآن يقتلوننا ولم نصل بعد إلى قمة الطفرة، لكن مزيدا من الضرائب في الطريق« حسب ما قاله العوضي.
العقارات
ويتعرض قطاع العقارات في دبي أيضا للانتقاد فمن المتوقع حسب بعض الخبراء ان الخلل بين العرض والطلب سينخفض بعد اكتمال المشاريع العقارية تحت الإنشاء في 2007 و 2008.
ويقول أندرو تشامبرز مدير إداري شركة أستيكو إن كثيرا من الإصدارات تطرح في السوق، وبدأ الملاك يلاحظون ذلك خاصة أصحاب المباني القديمة لأن المطورين يبنون عقارات جديدة.
ويريدون أن يملأوها بالسكان. وحتى إذا استمر الحد الأقصى للإيجارات محدوداً بنسبة معينة لعام آخر سيكون الأثر غير ممتد لأن أصحاب العقارات يتوقعون أن تصحح السوق نفسها.
وتؤثر المخاوف على محورين، أولاً غالبية الاندفاع نحو العقارات يأتي لصالح الذين يبغون تحقيق الأرباح المرتفعة، ويقول أحد المصرفيين: ليست فقط كمية العقارات هي المشكلة، بل طبيعة هذه العقارات.
ويوضح ان دبي ليست مثل هونغ كونغ حيث القوة الشرائية تأتي من الوافدين، فهناك وافدون في دبي لا يتحملون هذه الأسعار. فالأمر لا يقتصر على الموازنة بين العرض والطلب، بل أن يكون العرض مناسباً للطلب من حيث النوعية.
وكذلك غياب قانون الملكية الأجنبية يعقد من قضية العقارات، حيث يقول المصرفي ان الحكومة سوف تضطر إلى إصدار هذا القانون عندما يأتي العرض الهائل للسوق، وإذا كان هناك فائض كبير، فسيكون القانون عندئذ ضرورة وليس اختياراً.
البورصة
وجزء كبير من نجاح دبي جاء من السيولة التي تكونت في البورصة التي سجلت نمواً بنسبة 475% خلال العامين الماضيين. ويعتقد المحللون ان البورصة قد تنكمش ولا تنفجر الفقاعة في 2006. وكل هذه العوامل من المتوقع أن تؤدي إلى انخفاض في معدل النمو الاقتصادي، الذي سجل متوسط 7 ــ 10% خلال السنوات الأخيرة.
وعندما يبدأ التصحيح في خفض معدل النمو المرتفع تبدأ الشركات الاستثمارية والأفراد في التوجه للخارج. ويقول نفس المصرفي ان بعض الأموال التي تولدت من مكاسب البورصة بدأت تذهب للخارج الآن، حيث إن المستثمرين يحافظون على مكاسبهم بالسعي وراء أسهم في الخارج.وكشفت شركة »إعمار« مثلاً عن بعض مشاريع في خارج البلاد، أحدثها منتجع خليج باهية في المغرب.
الاستثمار في الخارج
ونشطت الحكومة أيضاً في الاستثمار الخارجي، حيث اشترت دبي القابضة والشركات التابعة لها عقارات في أميركا وبريطانيا وتقوم بمشاريع عقارية كبيرة في شمال افريقيا وقطر وتركيا.
واشترت شركة »استثمار« عقارات كبيرة في الخارج، وخصصت مليار دولار لاستثمارها في الخارج خلال عامين مقبلين، واشترت دبي العالمية للموانئ شركة بي آند أو البريطانية مقابل 3.3 مليارات استرليني (نحو 5 مليارات دولار).
ولا يؤيد الجميع الاستثمار في الخارج، وقال رجل أعمال محلي إذا كانت دبي جذابة، لماذا تستثمر حكومتها في الخارج. وأضاف ان كثيراً من الاستثمارات في دبي تأتي من خارج الدولة، لكن الحكومة تضع الفكرة.
وتدفع لتنفيذها ولا تستثمر إلا النذر اليسير في البنية التحتية فهم ينتزعون النقد من السوق، وهذه إشارة سيئة، ويعتقد كبار المسؤولين في الحكومة ان هذه وسيلة جيدة لتنويع الموارد الاقتصادية .
حيث قالت معالي الشيخة لبنى القاسمي وزيرة الاقتصاد والتخطيط ان تنويع الموارد الاقتصادية والاستثمار الخارجي هو طريق التقدم الاقتصادي، فلا يمكن أن تستثمر في مجال واحد فقط، ولابد أن توازن بين البحث عن فرص خارجية ومحلية في الوقت نفسه.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الحكومة للاستثمار الخارجي تنخفض فيه نوعية الحياة في دبي، ويرتفع عدد المواطنين بنسبة 6% سنوياً، وتخطط بلدية دبي لارتفاع السكان من 1.2 مليون نسمة إلى 5 ملايين بحلول عام 2020 ومع هذا الارتفاع في معدل النمو السكاني يتراجع مستوى المعيشة، وأكثر القضايا المثيرة للجدل هي التزاحم المروري.
وقد يأتي مشروع قطار دبي متأخراً، والنتيجة صدور قرار عن صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي في مطلع نوفمبر بإنشاء هيئة للطرق والنقل يرأسها سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم تكون مسؤولة عن حل مشكلات المرور والنقل.
التصحيح جزء لا يتجزأ من الاقتصاد النامي، لكن دبي استطاعت على مدى 20 عاماً تحدي المنتقدين الذين ذهبوا إلى حد توقع انهيار المدينة مستقبلاً لكن تاريخها التجاري وطبيعتها كمدينة وقيادتها الحكيمة وضعتها على الخريطة العالمية مع بعض المشكلات البسيطة.
إذن هناك صدمة متوقعة، وهناك شبكة أمان من أبوظبي، ويقول أحد المصرفيين برغم هذه المشكلات التي نراها بشأن الاقتصاد فسوف تبقى دبي، فهي تختلف عن الأسواق النامية الأخرى في أن لديها دعم الحكومة الفيدرالية وقت الحاجة.
ترجمة أشرف رفيق