يبدو الاقتصاد الأميركي ظاهرياً في حالة طفرة من النمو لأسباب عدة منها أن أسعار الوقود حالياً أقل منها قبل إعصار كاترينا، وازدادت ثقة المستهلك الشهر الماضي، وسجلت مبيعات المنازل رقماً قياسياً، وبورصة الأوراق المالية في صعود حتى المصانع يبدو أنها مقبلة على عطلة أعياد ميلاد سعيدة بسبب المبيعات المرتفعة.
غير أنه بالنسبة للاقتصاد الأميركي ليس الأمر بهذه البساطة حسب رأي صحيفة نيويورك تايمز، التي تقول إن كلاً من هذه المؤشرات له تبريره، فالارتفاع في ثقة المستهلك أعقب أكبر انخفاض فيها لسنوات عدة، وانخفضت أسعار الوقود لأن ارتفاع الأسعار ضرب الطلب في مقتل، وبدأت مرافق البترول في خليج المكسيك تتعافى.
وتتناقض أرقام المبيعات المحلية مع أحدث مقاييس النشاط في قطاع المنازل، التي تشير إلى تباطؤ.وحقيقي أن قطاع التصنيع يتحسن، لكن صناعات تحويلية قليلة إلى جانب تصنيع الطائرات هي التي تتحسن.
ويعني ذلك أن الاقتصاد قد يصل إلى نهاية العام معافى، لكن قبل اتخاذ أي قرارات لابد أن نلاحظ أن كثيراً من خبراء الاقتصاد لا يتوقعون استمرار هذا الانتعاش، خاصة إذا استمر البنك المركزي في مسلسل رفع أسعار الفائدة.
وقد يسبب ذلك مزيداً من البطء في سوق المنازل ويقلل من الإنفاق الاستهلاكي ويحد من أرباح الشركات.
وقالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مؤخراً إن معدل النمو في العام الجاري قد يتوقف عند 3.6% مقابل 4.2% العام الماضي، وتوقعت المنظمة أن يصل معدل النمو في عام 2006 إلى 3.5% لكن خبراء اقتصاد آخرين ليسوا متفائلين لهذه الدرجة.
عوامل القلق
العوامل المهمة التي تثير القلق هي استمرار البطء في سوق المنازل وتأثيره على معدل النمو والإنفاق الاستهلاكي.كما يقول جوشوا شابيرو الخبير الاقتصادي الأول في مؤسسة ماريا فيوريني راميرز، وهي شركة أبحاث في نيويورك.
ويقول كثير من المحللين إن البطء في قطاع المنازل بدأ فعلاً وإلى جانب ارتفاع أسعار الفائدة وضعف نمو معدل التوظيف، فإن أي هزة اقتصادية بسيطة قد تؤثر على النمو في العام المقبل بقدر ما يثير الجدل.
وقد استفاد الأميركيون على مدى التاريخ من انخفاض فائدة الرهونات العقارية لشراء المنازل وإعادة تمويل القروض القائمة والاقتراض لإجراء تجديدات أو أي احتياجات منزلية أخرى، وكلها أوجه مهمة للإنفاق.
ولا يتوقع شابيرو وغيره أن ينضب معين هذا النشاط، وحتى لو حدث ذلك قد يؤثر على معدل النمو بمعدل نقطة أو نقطتين في المئة، لذلك يقول شابيرو إن النمو قد ينخفض من 3.5% خلال العام الجاري إلى 3.2% في العام المقبل.
وكان متوسط سعر فائدة الرهونات العقارية 6.28% مؤخراً، مقابل 5.53% في يونيو العام الجاري.
وقالت وزارة التجارة إن مبيعات المنازل الجديدة قفزت بنسبة 13 في المئة في أكتوبر الماضي لتصل إلى 1.42 مليون وهو رقم قياسي، لكن البيانات المتناقضة السابقة تثبت أن المبيعات في المنازل القائمة تبطئ وكذلك نشاط البناء، وتنخفض طلبات الحصول على قروض عقارية وينخفض معدل ثقة شركات بناء المنازل.
التفسير
هناك تفسيران للارتفاع القياسي في مبيعات المنازل الجديدة هي أن المستثمرين يرون فرصة أخيرة في الشراء قبل رفع أسعار الفائدة مرة أخرى، وأنهم يستغلون حوافز الشراء التي تقدمها بعض شركات البناء، لكن لا يتفق الجميع على هذين التفسيرين.
يقول ديفيد سيدرز الاقتصادي الأول في الرابطة الوطنية لشركات البناء إنه شخصياً يترقب ببعض الشك في هذا التقرير (حول ارتفاع المبيعات) ويقول إما هناك شيء لا تذكره التقارير الأخرى أو سيتم تعديل هذا التقرير.
وقال تقرير آخر حول الثقة إن ثقة المستهلك ارتفعت بنسبة 165 ولا يزال هذا المعدل أقل من نظيره قبل إعصار كاترينا. وقالت وزارة التجارة إن الطلب على السلع المعمرة ارتفع بنسبة 3.4%، لكن غالبية الارتفاع تركز على الطائرات الحربية والتجارية.
وسيلعب البنك المركزي والمشروعات (إلى جانب قطاع المنازل) دوراً مهماً في تحديد اتجاه النمو الاقتصادي العام المقبل، عن طريق أسعار الفائدة والتوظيف على الترتيب وهناك تكهنات قوية حول مدى رفع البنك المركزي أسعار الفائدة قصيرة الأجل، التي تبلغ حالياً 4%.
سوق السندات
الارتفاع الأخير في سوق السندات، التي تعتبر ملاذاً في الأوقات العصيبة في الاقتصاد، يشير إلى أن كثيراً من المستثمرين يراهنون على احتمال أن يبالغ البنك المركزي في رفع أسعار الفائدة، كما يقول إيتان هاريس الخبير الاقتصادي في بنك ليهام براذرز.
السؤال الأصعب والذي يؤثر في صناعة القرارات هو ما إذا كانت الأعمال التجارية سوف تخرج من دائرة الخمول إذا انخفض الإنفاق الاستهلاكي، حتى الآن ليس هناك أي دليل على ذلك.
وقد وفرت الشركات 148 ألف وظيفة في أغسطس وتبع ذلك انخفاض بمقدار 8 آلاف وظيفة في سبتمبر عقب إعصار كاترينا، وعندما توقع خبراء الاقتصاد قفزة كبيرة في التوظيف في أكتوبر، قالت وزارة العمل إن هناك ارتفاعاً في الوظائف بمقدار 56 ألف وظيفة.
ويتوقع الخبراء إضافة 220 ألف وظيفة أخرى حسب استطلاع أجرته مؤسسة بلومبرغ.
وهناك عنصر آخر من الصعب قياسه وله تأثير على كل من الشركات والمستهلكين وهو إعادة البناء على ساحل خليج المكسيك وأجزاء من فلوريدا، وأعمال الإعمار التي تلي الكوارث الكبيرة يكون لها في الغالب تأثير كبير على الاقتصاد يفوق تأثير الصدمة ذاتها.
ويقول كثير من المحللين إن البطء الناتج عن هدوء قطاع المنازل قد يتأخر حتى عام 2006 بسبب مليارات الدولارات التي تضخها الحكومة الفيدرالية وشركات التأمين في المناطق التي أصابها الإعصار والتي ستعوض الإنفاق الاستهلاكي.
ويقول مايكل فرانتاتوني الخبير الاقتصادي في رابطة بنوك الرهونات إن هذا سيرفع نشاط الإنتاج خلال النصف الأول من العام المقبل وبالتالي يصل معدل النمو إلى 3.6% في 2005، لكن في النصف الثاني من العام المقبل قد يحدث بعض الهبوط في معدل النمو.
ترجمة: أشرف رفيق