نبهت دراسة محلية حديثة إلى أن تعدد الاتفاقات الإقليمية والدولية في ظل غياب استراتيجية عربية موحدة تجاهها قد يخلق مزيداً من التعقيدات تفقد منطقة التجارة الحرة العربية القدرة على خلق كيان اقتصادي له ثقله، فهي مواجهة التكتلات الاقتصادية الأخرى.وأوضحت الدراسة أن فتح الأسواق القومية يصطدم بالتوجه العالمي الجديد نحو إعادة تكتل أسواق العالم في ظل ترتيبات إقليمية جديدة.
ودعت الدراسة إلى إعادة تفعيل اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية، وتسريع العمل لإجراءات الانضمام ورفع القيود الجمركية والإدارية وتطبيق وتشجيع القطاع الخاص على لعب دور في تفعيل المبادلات التجارية داخل المنطقة، بمنح المستثمرين الضمانات المحفزة على الاستثمار خصوصاً فيما يتعلق بتحويل الأرباح وحق التملك، وإنشاء المشاريع والإعفاءات المختلفة وحماية استثماراتهم من المصادرة والتأميم، وتشجيع التصدير إلى داخل المنطقة.
وأكدت الدراسة التي أعدها زياد عربية بن علي ووردت بالعدد الجديد من نشرة أخبار النفط والصناعة الصادرة عن وزارة الطاقة، أكدت أنه لا يمكن في ظل سيطرة الدولة على قطاعات إنتاجية وخدمية واسعة تحقيق طفرة في التبادل التجاري العربي البيني خلال فترة زمنية قريبة، إذ لا بد من استمرار دول عربية أعضاء في المنطقة، من أن تمضي قدماً في إصلاح وتصحيح أوضاعها الاقتصادية،
ولكي يتحقق ذلك لا بد من خصخصة شركات ومؤسسات القطاع العام التي يمكن للقطاع الخاص القيام بأعمالها، وتطوير إنتاجياتها وخاصة الخاسرة منها أو التي لا تحقق قيمة مضافة في الاقتصاد المحلي، وترشيد الإنفاق الحكومي والحد من الهدر، ومكافحة الفساد، وتقديم الدعم المادي إلى مراكز البحث والتطوير الصناعي وتشجيع المبادرات الفردية الخلاقة والمبدعة، وتشجيع مبادرات القطاع الخاص والادخار المحلي، والاستثمار لتحقيق معدلات نمو مقبولة تمكن الدولة العضو في المنطقة من تنويع هياكل إنتاجها، وبالتالي قدرتها على التصدير والمنافسة.
وأضافت أنه فيما عدا ذلك من غير الممكن وفي ظل التشابه الإنتاجي العربي وضعف القاعدة التكنولوجية، وفي ظل اتفاقات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي اقتصادات ذات نمو غير متساوٍ ـــ واقتصادات ذات اندماج غير متساوٍ، اقتصادات ذات حماية غير متساوية، مشيرة إلى أنه وفي ظل اتفاقية الجات التي تهدف إلى حماية مصالح الدول المقدسة على حساب الدول النامية أن يحقق التبادل التجاري العربي البيني في إطار منطقة التجارة الحرة العربية معدلات نمو في تبادلها التجاري أعلى مما هي عليه الآن،
لذلك فإن اتخاذ خطوات جريئة في اتجاه تحقيق التكامل الاقتصادي العربي سيسهم بلا شك في تحقيق طفرة في حجم المبادلات التجارية البينية، وسيخلق بيئة جاذبة للاستثمارات ـــ محلية وأجنبية ـــ وسيزيد من قدرة المنتجات العربية على منافسة المنتجات المنسابة من الخارج، وسيوفر دعماً للموقف التفاوضي العربي في مواجهة التكتلات الاقتصادية الأخرى، وخاصة في ما يتعلق بالاستثمار ونقل التكنولوجيا وفتح الأسواق والهجرة والديون، وسيحسن من شروط اندماجها في الاقتصاد العالمي، وشروط تفاعلها مع المؤسسات المالية والاقتصادية والحكومية الدولية.
التجارة البينية
وأوضحت الدراسة أنه من الملاحظ وجود ضعف كبير في مستوى التجارة العربية البينية مقارنة بالتجارة الإجمالية الخارجية للدول العربية، مشيرة إلى وجود معوقات عدة تحد من ارتفاع المستوى النسبي للمبادلات التجارية العربية منها ما يتعلق باختلاف الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية وتشابه المنتجات العربية وبعضها يعود إلى القيود التجارية والنقدية، ومنها ما يتعلق بمحدودية الطاقات الاستيعابية للأسواق والاستثمار وما يتعلق بكفاءة التجارة العربية في المجالات المؤثرة على التجارة مثل النقل ومعالجة التعقيدات الإدارية وغيرها.
منبهة إلى أن أهم هذه المعوقات هو التوتر السياسي الذي كان الطابع الغالب على العلاقات العربية ـــ العربية، وافتقار الاتفاقيات والقرارات التي اتُخذت على أعلى المستويات الرسمية إلى الدعم السياسي من قبل الأنظمة الحاكمة في أغلبية الدول العربية، واختلاف السياسات والأنظمة الاقتصادية المتبعة في الدول العربية.
وذكرت الدراسة أن هذه المعوقات هي في طريقها إلى الحل بفعل عوامل، منها ما هو خارجي ومنها ما هو داخلي. مشيرة إلى أن العوامل الخارجية تتمثل في تسارع الخطى نحو العولمة والتطور الهائل في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات ونشوء التكتلات الاقتصادية العملاقة وإنشاء منظمة التجارة العالمية والاتفاقيات الناظمة لعملها، وتحرك هذه الدول نحو اقتصاد السوق،
وتنويع الهياكل الإنتاجية وتطبيق ما يسمى ببرامج الإصلاح الاقتصادي والتصحيح الهيكلي واتساع حركة رؤوس الأموال والاستثمار بين الدول العربية وإنشاء منطقة التجارة الحرة العربية التي تهدف إلى تحرير وتنمية التجارة العربية البينية ومعالجة التعقيدات المؤثرة على تحرير وتنمية التجارة العربية البينية كالتعقيدات الإدارية وغيرها والتطور الإيجابي الذي شهدته العلاقات العربية ـــ العربية على المستويين السياسي والاقتصادي منذ منتصف تسعينات القرن الماضي.
عوامل ومتغيرات
وأضافت الدراسة أن هذه العوامل والمتغيرات التي شهدتها الساحة الدولية والإقليمية لعبت دوراً مهماً ومؤثراً في التقارب العربي ـــ العربي الذي تجسد عملياً في اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية. وتتركز الأنظار الآن على هذه المنطقة في معالجة مشكلات كثيرة تواجه الاقتصادات العربية، من أهمها تصدير الفوائض الزراعية والصناعية التي نمت بصورة ملحوظة خلال تسعينات القرن العشرين، إذ يمكن لهذه الفوائض الانسياب فيما بين الأقطار العربية،
فكما هو متوقع أن يتم تصريف الفوائض في إطار منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى التي ستشكل سوقاً بديلة للمنتجات التي تواجه أشكالا متعددة من الحمائية في الأسواق الأوروبية ومؤخرا إلغاء بند حصص التصدير، وصعوبات عدة في الحصول على تنازلات في البند الزراعي في مفاوضات الشراكة الأوروبية ــ المتوسطي فالدول العربية دول مستوردة صافية للغذاء وتعاني عجزاً تجاريا في معظم مجموعات الغذاء الرئيسية ومن أبرزها الحبوب »القمح« والألبان والسكر والزيوت النباتية واللحوم.
ووفقا للدراسة فإن صافي الاستيراد للسلع الزراعية لدول منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى »19 دولة باستثناء الدول التي لم تصادق على هذه الاتفاقية وهي: الجزائر والصومال وجيبوتي وصل في نهاية عام 2002 نحو 25.27 مليار دولار، وبإضافة هذه الدول، فإن إجمالي الواردات الزراعية يرتفع إلى 28.447 مليار دولار، فيما بلغت قيمة الصادرات الزراعية للدول العربية المصدقة على اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى »الجزائر والصومال وجيبوتي « نحو 6.902 مليارات دولار،
وبإضافة هذه الدول فإن إجمالي الصادرات الزراعية يرتفع إلى 7.058 مليارات دولار »4« الأمر الذي يدعو إلى زيادة حجم المبادلات الزراعية فيما بين الدول الأعضاء وإلى زيادة حجم الاستثمارات في هذا القطاع من المنطقة، وهذا الأمر لا يسهم فقط بخفض فاتورة المستوردات الزراعية، إنما يتعداه إلى تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي الذي بدوره يصب في مسعى الدول العربية لتحقيق الأمن الغذائي العربي.
السلع الصناعية
وأضافت انه في مجال التجارة بالسلع الصناعية فهي محدودة جداً في الدول العربية، وذلك بسبب تخلف منظومة الإنتاج والتصدير وضعف القاعدة التكنولوجية التي تستند إليها وارتفاع المشكلات الجمركية والإدارية وجودة السلع وحال التعبئة مشيرة إلى إمكانيات مهمة وقدرات تصديرية في البلاد العربية لم يجر استغلالها جيدا بعد، وتكمن في مجال المعادن والكيماويات والمنسوجات والملابس والغذاء إلى جانب النفط طبعا.
وذكرت أن ضعف القاعدة التكنولوجية للسلع العربية يعني أن نظرية الميزة النسبية هي التي ستحكم عملية التخصص الإنتاجي وإعادة توزيع الموارد داخل منطقة التجارة العربية، وتجدر الإشارة إلى أن المنافسة التي من المتوقع أن تتعرض لها السلع المصنعة في البلاد العربية مع تطبيق متضمنات وأحكام اتفاقية »الجات« والشراكة الأوروبية المتوسطية خلال العام الحالي، ستشكل عائقا أمام القيام باستثمارات في هذا القطاع،
إلا أنه في مقدور الدول العربية من خلال منطقة التجارة الحرة العربية ان تستفيد من مبدأ إعطاء مزايا تفضيلية لتكتلها دون غيره مما يعطي دفعا مهما للقطاع الصناعي. وأكدت ضرورة الاتجاه لتسريع عملية إزالة القيود الجمركية وغير الجمركية في ظل منطقة التجارة الحرة العربية عما هو قائم في ظل بروتوكول النفاذ إلى الأسواق للدول العربية في »الجات«
وسيسهم هذا الأمر في تحسين شروط التبادل التجاري العربي البيئي وحركة الاستثمارات العربية البيئية في القطاع الصناعي من جهة، ويحول دون تعرض المنتجين العرب للمنافسة المباشرة من جهة أخرى، حيث ان رفع الحماية وفتح الأسواق دون ضوابط وقيود على السلع المستوردة سيؤثران على قدرة المنتجات المحلية على المنافسة وان يصاحب هذا الأمر جذب للاستثمارات الأجنبية المباشرة الضرورية لنقل التكنولوجيا والمهارات الإدارية إلى الدول.
أبوظبي ــــ عبد الفتاح منتصر
